| 

كانت القيادة الصهيونية تواقة إلى عقد صفقة مع البلاد العربية المجاورة تمهد السبيل لتنفيذ مشاريعها الترحيلية عنوة. ففي أواسط الثلاثينيات أرسلت إلى الأمير عبد الله بصورة سرية خطة الترحيل إلى شرق الأردن التي وضعتها الوكالة اليهودية، والتي بحثنا فيها أعلاه. كذلك اتخذ الصهاينة في أواخر الثلاثينيات مبادرات في اتجاه الملك عبد العزيز بن سعود، ملك العربية السعودية، من خلال المستشرق البريطاني الغريب الأطوار ونصير الملك الغيور هـ. سانت جون فيلبي. وكان الهدف الأساسي من مخططات فيلبي وصفقاته ان يساعد ابن سعود في الوصول إلى دور مهيمن في اتحاد عربي مستقبلي وفي الحصول على مساعدات مالية للمملكة السعودية، التي كانت آنئذ، كما يبدو، تواجه صعوبات مالية. وكان لويس نامير صلة الوصل الرئيسية بفيلبي في لندن، وكان نامير صديقا حميما وزميلا لوايزمن، وكان السكرتير السياسي للهيئة التنفيذية الصهيونية سنة 1929ـ 1930، كما عمل مستشارا سياسيا للهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية في لندن خلال الفترة 1938ـ1945. والأهم من ذلك هو انه كان لنامير على ما يبدو دور ناف في الضغوط التي مارستها الوكالة اليهودية من وراء الستارة، والتي أدت إلى اقحام المشروع الصهيوني للترحيل في خطة التقسيم التي وضعتها اللجنة المكلية سنة 1937. وقد رتب نامير في لندن لقاء بين فيلبي ووايزمن وشرتوك في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1939. واستناداً إلى روايته، فقد كانت فكرة فيلبي ان «تسلّم فلسطين بكاملها إلى اليهود خالية من سكانها العرب باستثناء (مدينة فاتيكان) في القدس القديمة». وفي المقابل، يدعم اليهود طموح ابن سعود إلى قيادة الاتحاد العربي في المستقبل. واقترح فيلبي أيضاً «مبلغ 20 مليون جنيه لابن سعود فيما لو تم تطبيق هذا المشروع بالكامل». كذلك أكد وايزمن انه في الوقت الذي كان الصهاينة مستعدين للتعهد بـ«منافع اقتصادية»، فإنهم ليسوا قادرين على إعطاء تعهدات سياسية نافذة لا طاقة لهم على الوفاء بها. وأضاف أيضاً ان في الإمكان ترقب دعم أميركي نافذ جداًَ لتسوية كهذه، وانه عندما يزور أميركا «يتوقع ان يقابل الرئيس روزفلت، وان ينال منه الدعم لمشروع كبير له مثل هذه الصفات».
ودوّن شرتوك في يومياته الاقتراح الذي تقدم به في هذا الاجتماع، ومفاده ان المال الممنوح «هو لتمويل إعادة توطين العرب المقتلعين من أرض إسرائيل». وعندما سأل شرتوك عن مصدر الحصول على مثل هذا المبلغ الكبير من المال، أجاب وايزمن انه «سيتوجه إلى رئيس الولايات المتحدة ويطلب العون لإقامة دولة يهودية ولترحيل عرب فلسطين».
وليس من المؤكد أبداً ان مشروع ترحيل العرب قد صدر عن فيلبي اولا، كما تلوّح رواية نامير بذلك. وكان نامير قد عمل في فترة 1915ـ 1920 في هيئة موظفي دائرتي الدعاية والاعلام والاستخبارات السياسية في وزارة الخارجية البريطانية، ومن المرجح ان روايته تتضمن بعض عناصر التضليل. وعلاوة على ذلك، فإن فكرة الترحيل الشامل باستثناء «مدينة فاتيكان» في القدس القديمة تبدو، على الارجح، من بنات افكار نامير، الذي كان يهوديا صهيونياً متطرفا ومتقلبا، وكان على الدوام منجذبا نحو الكاثوليكية، بل انه تحول إليها وتم تعميده بعد ذلك بأعوام قليلة، وليست من افكار فيلبي الذي كان قد تحول إلى الإسلام. لكن هذا لا يعني ان فيلبي كان يتعاون معهم من دون رضاه، على الرغم من ان روايته لهذه المحادثات مختلفة. أما رواية وايزمن فهي تلقي على مشروع المال ضوءاً مختلفا، إذ جاء فيها:
(قال فيلبي): «الأمر يلخص بالمال، على شكل قرض، وبالعون التقني والعون المعنوي». فأجبته أنا (وايزمن): «فيما يختص بالمال، أنت تعلم ان أموالي في جيوب كل يهودي في كل أرجاء العالم. إذا كان في إمكاني ان أقول ان ثمة زعيماً عربياً كبيراً مستعداً للمضي قدما وللتعاون معنا، فهذا أمر مساعد. قل لي، كم تريد من المال؟ إذا قلت مليونا فأقول ان هذا مبلغ زهيد للغاية. وإذا قلت خمسين مليونا فأقول بكل بساطة انني لا أملك هذا المبلغ. لكن لربما يكون مبلغ عشرين مليونا كافيا» ـ وقلت: «لربما في استطاعتي الحصول عليه».
من الواضح ان وايزمن، لا فيلبي، هو الذي اقترح مبلغ 20 مليون جنيه. واستمر فيلبي يخطط حتى سنة 1943، الأمر الذي استهلك الكثير من جهود وايزمن ونامير وطاقاتهما. وقد صاغ نامير خطة مفصلة للطوارئ في تشرين الثاني/ نوفمبر 1939، وذلك بالاشتراك مع السيدة دغديل (واسمها بلانش كامبل بلفور)، وهي ابنة أخ آرثر بلفور، صاحب وعد بلفور، ومستشارة أمينة لوايزمن. وتضمنت هذه الخطة العناصر الرئيسية للتفسير الصهيوني للاتفاق مع فيلبي. وفي آذار/ مارس من السنة التالية، كتب وايزمن إلى فيلبي يعرّفه «على صديق لي اسمه السيد ادوارد نورمان، من نيويورك، الذي كان لاعوام عدة يعمل على مشروع للتنمية على نطاق واسع في العراق. ورأيي ان في هذا المشروع بعض المزايا التي قد تهمك».
لكن تبيّن ان الآمال التي عقدها وايزمن على التوجه نحو ابن سعود من خلال فيلبي، وفي ظل رعاية مشتركة، كان يسعى لها، من روزفلت وتشرشل، كانت في غير موضعها. فقد رفض ابن سعود الانجذاب نحو اية مفاوضات جدية مع الصهاينة. وأصبح الكولونيل هارولد ب. هوسكنز، مستشار وزارة الخارجية والمبعوث الشخصي للرئيس روزفلت إلى الشرق الأوسط، مقتنعا بعد محادثاته مع ابن سعود وفيلبي بأن ليس ثمة من حظ لإبرام صفقة مع ابن سعود. وأرسل تقريراً قال فيه ان الملك السعودي قد أبعد فيلبي لأنه اقترح «رشوة صهيونية».

* أنظر: نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين: 1882ـ1948ـــ بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992.