| 

النكبة ما زالت حاضرة في النقب. ليس كذكرى، ولا كتبعات لما حدث من تهجير للفلسطينيين ونهب وطنهم وممتلكاتهم. وإنما هي حاضرة لأن سياسة الحركة الصهيونية ومن بعدها إسرائيل، ضد الفلسطينيين ما زالت مستمرة في النقب حتى يومنا هذا، وستستمر في المستقبل المنظور. وبعد أن أعلنت حكومة إسرائيل الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو، عن تجميد «مخطط برافر»، قبل شهرين تقريبا، فإنها تتحدث عن نيتها طرح مخطط تهجيري جديد ضد عرب النقب في الفترة المقبلة. وبعد أن هجرت إسرائيل 90% من العرب البدو في النقب خلال النكبة، عملت على تهجير البقية الباقية منهم من أراضيهم وقراهم على مراحل، خلال العقود الماضية. وفي مقابل ذلك، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إلى إقامة بلدات يهودية صغيرة يتمتع الفرد فيها بمستوى حياة مرتفع، في إطار مخططات تهويد النقب. ومنذ نشوء إسرائيل، أقيمت 100 مستوطنة يهودية في النقب، معدل السكان في الواحدة منها 350 نسمة، وهم يتمتعون بكافة الخدمات التي يمكن أن تقدم للمواطنين، بل إن مستوى الحياة فيها أعلى من المعدل العام في إسرائيل عموما. وفي المقابل، يصل معدل السكان في كل من القرى العربية غير المعترف بها إلى 2000 نسمة بدون أية خدمات. وفيما يتعلق بالخدمات الطبية، فهناك 8 عيادات فقط توفر الخدمات الطبية الأولية لأكثر من 80 ألف مواطن في هذه القرى.
 

مقاومة بدوية ومجازر إسرائيلية


ينظر الإسرائيليون إلى بدو النقب على أنهم معادون تاريخيا. ووفقا لمصادر إسرائيلية، فإن عداء بدو النقب للحركة الصهيونية بدأ في العام 1935، عندما أعلن شيوخ عشائر محلية عن دعمهم للحركة الوطنية الفلسطينية، وكان بينهم زعيما قبيلة العزازمة، سلامة ابن سعيد وسعيد ابن سعيد. وخلال حرب العام 1948 طردت العصابات الصهيونية قسما من البدو، وبينهم معظم أبناء قبيلتي العزازمة وترابين. وقد بقي في النقب 1500 من أصل 20 ألفا من أبناء العزازمة. وبعد الحرب عاد الكثيرون من البدو من سيناء إلى النقب. وعلى أثر ذلك بدأت إسرائيل تصنف عرب النقب «كبدوي قانوني»، أي البدو الذين بقوا في النقب، و«بدوي غير قانوني» وهم البدو الذين تم طردهم خلال الحرب.
يذكر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، في كتابه «حروب الحدود الإسرائيلية»، إنه في الفترة التي أعقبت حرب العام 1948 مباشرة، تزايدت العمليات المسلحة التي نفذها بدو النقب المهجرين إلى سيناء من خلال التسلل إلى النقب، وشملت «زرع ألغام وسرقات وعمليات سطو، كما أنهم حاولوا العودة إلى القرى المهجرة والمناطق التي غادروها». كذلك، فإن أبناء العزازمة والترابين تعاونوا مع المخابرات المصرية في تنفيذ هذه العمليات. لكن هذه المقاومة لم توقف عمليات الطرد الجماعية التي نفذتها إسرائيل، وإنما تصاعدت وباتت أمرا اعتياديا. وذكر تقرير لوزارة الخارجية الإسرائيلية أنه بين عامي 1949 و1953 طردت إسرائيل حوالي 17 ألف بدوي، وقسم منهم كان يعود إلى النقب وطُرد أكثر من مرة.
في هذه المرحلة أسس أريئيل شارون «الوحدة 101» التابعة للجيش الإسرائيلي، واكتسبت شهرتها من المجازر التي نفذتها خلال «العمليات الانتقامية» ضد الفلسطينيين. وكلف موشيه ديان، الذي كان حينذاك قائد شعبة في هيئة الأركان العامة، في 1 أيلول العام 1953، «الوحدة 101»، تحت قيادة أريئيل شارون ونائبه شلومو باوم، بتنفيذ واحدة من أكبر عمليات طرد بدو النقب. ووصف أوري ميلشطاين، وهو أحد «المؤرخين الجدد» الإسرائيليين، في كتابه «تاريخ المظليين»، تسلسل أحداث هذه العملية كالتالي: «شارون وباوم و14 جنديا من أفراد الـ101 جاؤوا إلى تل راحيل، وضموا إليهم وحدتين عسكريتين صغيرتين، وأخذوا من أحد المواقع العسكرية سيارتي جيب كوماندكار وتم طلاؤهما باللون الأزرق، لكي تبدو كسيارات مدنية، رغم وضع مدافع رشاشة عليهما. وكانت طائرة استطلاع تطلعهم على تحركات البدو. وتجول أفراد الوحدة في منطقة وادي الأبيض. وفي اليوم الثاني دخلوا إلى تجمعات البدو في جنوب شرق نيتسانا (قرب الحدود مع مصر)، ودمروا الخيام والأملاك وأطلقوا النار في الهواء. وهرب البدو. وأحرق أفراد الوحدة الخيام وثقبوا حاويات الماء وأخذوا أسلحة البدو. وبعد أن تدارك البدو الأمر أطلقوا النار باتجاه المهاجمين. وقتل عدد من البدو خلال تبادل إطلاق النار. وقد دامت العملية العسكرية عدة أيام، وفي نهايتها أبلغت طائرة الاستطلاع أن المنطقة الإسرائيلية نظيفة». وطُرد في هذه العملية العسكرية ما بين 1500 إلى 2000 من أبناء العشائر البدوية إلى سيناء.

 

 

إسرائيل أخفت سجلات ملكية الأرض


يؤكد المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة على أن قرار تقسيم فلسطين، من العام 1947، ضم منطقة النقب إلى الدولة العربية الفلسطينية، وأن النقب كان محط اهتمام مبكر لنشاطات الطرد الإسرائيلية. وبعد أن تم احتلال النقب سعى رئيس حكومة إسرائيل الأول، دافيد بن غوريون، إلى إسكان اليهود فيه. وفي عدد آب من العام 2012 من مجلة «كاخا زِيه»، الصادرة عن المجلس الإقليمي «أشكول» في النقب، كتب دان غازيت في زاويته شهادة مثيرة. وغازيت، 76 عاما، هو عالم آثار. وتطرق غازيت في مقاله إلى «مخطط برافر» الذي يهدد بطرد سكان القرى البدوية غير المعترف بها في النقب، بادّعاء «غزو البدو لأراضي الدولة». وكتب غازيت أنه «في أوج عملية طرد عشيرة العراقيب من منطقة راهط، في نهاية العام 1951، أوضح الحاكم العسكري للنقب، ميخائيل هنغبي، أن أسباب الطرد ليست أمنية فقط وإنما اقتصادية أيضا، وقال إن (البدو يسيطرون في المنطقة المذكورة على مساحة تقارب 100 ألف دونم من الأراضي الخصبة، الأمر الذي يشكل عاملا معيقا لتخطيط استيطان أكثر كثافة للمنطقة ويمنع إمكانيات تطويرها). وأضاف غازيت أن أقوال هنغبي «تبدو كأنها كتبت اليوم بأيدي موظفي التخطيط في دائرة أراضي إسرائيل ووزارة البناء والإسكان».
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي طرد 12 عشيرة بدوية من فلسطين واستولى على أراضيها التي بلغت مساحتها مليوني دونم، وتم توزيعها مباشرة على البلدات اليهودية التي أقيمت في النقب، والتي شغّلت البدو أصحاب الأراضي «كأقنان». وأضاف أن «كيبوتسات (أي القرى التعاونية اليهودية) سرقت قطعان الماشية وحرثت أراضي البدو بتشجيع الجيش الإسرائيلي».
وأكد غازيت على أنه «تواجد في بلدية بئر السبع الانتدابية (أي في فترة الانتداب البريطاني) أرشيف تضمن كافة تسويات الملكية لبدو المنطقة. والسبب الرئيسي لمواجهة البدو صعوبة في المحاكم الإسرائيلية في إثبات ملكيتهم للأراضي التي سكنوا فيها منذ الفترة العثمانية، هو أنه بعد احتلال بئر السبع اهتمت السلطات الإسرائيلية بـ(فقدان) محتوى هذا الأرشيف خلال نقله إلى أرشيف الدولة. ودولة إسرائيل، التي أخفت تسويات ملكية البدو لأراضيهم في العام 1948، تطردهم اليوم من أراضيهم بادّعاء أنه ليس بحوزتهم وثائق ملكية رسمية لـ800 ألف دونم في شمال النقب». كما أكد أن بحوزته وثائق أصلية ودراسات، جمعها خلال دراسته للحصول على شهادة الدكتوراة. ولفت إلى أن السلطات الإسرائيلية نفذت «خدعة» مشابهة بعد احتلال مدينة يافا.

 

 

 

 

مخططات تهجير جديدة وطمس التاريخ


في خمسينيات القرن الماضي، رحلت السلطات الإسرائيلية مجموعة من «مواطنيها» العرب من أراضيهم إلى مدينتي اللد والرملة والى مناطق أخرى في النقب بذريعة بناء مطار «نيفطيم». وفيما يجمع كافة الخبراء على أن هذا المطار لا يحتاج إلى مساحة تزيد عن 25 ألف دونم، أخلت السلطات الإسرائيلية البدو القاطنين في منطقة تفوق مساحتها عن 70 ألف دونم، وأعلنت عنها منطقة عسكرية مغلقة. ورغم ذلك، لم تهتم السلطات الإسرائيلية بهؤلاء المطرودين من أراضيهم، خصوصا عندما نعلم أن بعضهم لجأ إلى القرى العربية غير المعترف بها. أما القسم الآخر الذي تم ترحيله إلى مدينتي اللد والرملة، فإنه ما زال يعيش حتى يومنا هذا في مستوى اجتماعي واقتصادي متدن للغاية.
في العام 1966 أقامت السلطات الإسرائيلية، على الرغم من معارضة البدو أنفسهم، ثلاث بلدات في النقب، هي رهط وتل السبع وكسيفة، بهدف تجميع البدو في بقعة أرض ضيقة للغاية. وبعد سنوات تم تجميع قسم آخر من البدو في أربع بلدات أخرى أقيمت في مطلع السبعينيات وهي: حورا واللقية وشقيب السلام وعرعرة النقب. ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أمور جوهرية ذات دلالة واضحة على غاية مخطط تجميع البدو في هذه البلدات الاصطناعية، في ما يبدو أنه اقتباس لمخطط تجميع الهنود الحمر في الولايات المتحدة.
الأمر الأول يكمن في أن الهدف من اقتلاع السكان البدو الأصلانيين هو الاستيلاء على أراضيهم. وتؤكد ذلك المعطيات والحقائق على أرض الواقع. فمدينة رهط، كبرى البلدات البدوية السبع، يبلغ عدد سكانها نحو 55 ألف نسمة ولا تتعدى مساحتها 12 ألف دونم. وفي المقابل، أقيم بالقرب منها كيبوتس «بئيري» الذي يبلغ عدد سكانه 300 نسمة فقط، وتبلغ مساحته 12 ألف دونم، علما أن هذا الكيبوتس لا يعمل سكانه في مجال الزراعة بتاتا وإنما في مجال الطباعة، وخصوصا طباعة الشيكات المصرفية. كذلك، تمنح دولة إسرائيل العديد من الأشخاص، وجميعهم من اليهود، مساحات واسعة من الأراضي يتراوح حجمها ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف دونم ليقيموا عليها المزارع الكبيرة. ويذكر أن من بين هؤلاء أريئيل شارون، الذي أورث أبناءه إحدى اكبر المزارع في النقب.
الأمر الآخر الذي تجدر الإشارة إليه في سياق مخطط تجميع البدو وإقامة البلدات، هو إطلاق تسميات غير عربية على بعضها، بهدف محو الأسماء العربية من خارطة البلاد. فبلدة عرعرة النقب تم إطلاق اسم «عاروعر» عليها لدى إقامتها، ولكن أهالي البلدة توجهوا إلى المحكمة العليا مطالبين بتغيير اسم بلدتهم إلى عرعرة النقب، وهو الاسم التاريخي للمكان. وقد استجابت المحكمة العليا إلى مطلب الأهالي، إلا أن المتجول في النقب يصادف لافتات كتب عليها اسم «عاروعر». أما بلدة شقيب السلام، فاسمها يتحول بالعبرية، وبالانجليزية أيضا، على اللافتات في الطرقات وفي الوثائق الرسمية، إلى «سيغف شالوم»!
يقول مدير مكتب مركز «عدالة» في النقب والخبير الجغرافي، ثابت أبو راس، إن مساحة النقب تعادل ثلثي «مساحة إسرائيل»، لكن الأراضي التي يطالب بها بدو النقب لا تتجاوز نسبتها 5% من مساحة النقب. غير أن السلطات الإسرائيلية تدّعي أن لا حق للبدو بالسكن فيها. ليس هذا وحسب، بل تعتبرهم «غزاة». وفي هذا السياق، مثلا، هدمت السلطات الإسرائيلية قرية العراقيب عشرات المرات خلال العامين الأخيرين، وكان سكان القرية يبنونها مجددا في كل مرة ويؤكدون على صمودهم في أرضهم. وعلى مر السنين، أقامت السلطات عدة هيئات لمعالجة أمر هؤلاء الـ«غزاة». فقد شكلت ما يسمى بـ «الدوريات الخضراء»، ومن ثم «دائرة تطوير البدو»، إضافة إلى «دائرة أراضي إسرائيل»، وتهدف هذه الدوائر جميعها إلى اقتلاع الفلسطينيين هناك من أراضيهم، بواسطة مخططات تجميع البدو في بلدات على غرار البلدات السبع آنفة الذكر. ويقول المسؤولون في المجلس الإقليمي للقرى العربية غير المعترف بها إن الهدف المعلن من خطة وضعها شارون، خلال توليه رئاسة الحكومة، هو محو أي ذكر للقرى غير المعترف بها في النقب بحلول العام 2020.
في السنوات الأخيرة، رفضت حكومة نتنياهو «خطة غولدبرغ» التي دعت إلى الاعتراف بالقرى غير المعترف بها وتنظيم هذه القرى. وبدلا من ذلك صادقت هذه الحكومة على «مخطط برافر»، الذي يقضي بترحيل البدو عن أراضيهم وتجميعهم في البلدات القائمة وإبقاء قرابة 180 ألف دونم من أصل 800 ألف دونم بأيدي البدو، وطرحته كمشروع قانون على جدول أعمال الكنيست. وفي موازاة ذلك، صادقت حكومة نتنياهو السابقة على إقامة قرابة 25 بلدة يهودية مكان القرى غير المعترف بها. وفي أعقاب هبة الحراك الشبابي البدوي ضد هذا المخطط، أعلن الوزير الإسرائيلي السابق، بيني بيغن، المكلف من الحكومة بالإشراف على تطبيق المخطط عن سحب مشروع قانون «برافر» من الكنيست، وسط الإعلان عن نية الدولة تعديله. وينبغي الإشارة هنا إلى أن نواب اليمين في الكنيست، وعددا من الوزراء، عارضوا «مخطط برافر» بزعم أنه يمنح البدو أراضي أكثر مما يستحقون!!

* كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة.