| 

في محاذاة نواة قرية «العودة»، التي أقامها العشرات من ناشطي المقاومة الشعبية الفلسطينية، يوم 2 شباط/ فبراير الجاري، على بعد عشرات الأمتار من قرية بردلة في أقصى شمال منطقة الأغوار الشمالية، رفضا لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي البقاء في تلك المنطقة الإستراتيجية، تناثرت أدوات زراعية على مساحات واسعة من الأرض، بعد أن لجأت جرافات الاحتلال إلى تدمير عدد من البيوت البلاستيكية الزراعية، بذريعة إقامتها في منطقة عسكرية مغلقة. وبعد مرور نحو 48 ساعة على إقامة خيمة أراد القائمون عليها أن تشكل نواة قرية «العودة»، كانت هذه الخيمة هدفا لهجوم قوات الاحتلال التي دمرتها وأزالتها عن وجه الأرض، واعتدت على الموجودين بداخلها، واعتقلت ستة منهم.
في هذا المكان الذي شهد واحدة من محاولات النشطاء الفلسطينيين إقامة «قرى رمزية» تؤكد على فلسطينية تلك الأراضي، على غرار قرية «عين حجلة» أيضا، وقف مزارع من عائلة فقها، وقد بدا عليه الهم والحزن وهو يتأمل ما تبقى من مزرعته الواسعة التي كانت هدفا للتدمير. يقول فقها: قبل عدة أشهر، حضرت قوات كبيرة من الجيش، وطلبت مني إخلاء المزرعة، بذريعة وقوعها في منطقة يصنفها الاحتلال بالأمنية، وبعد دقائق معدودة، أخذت الجرافات تدمر كل شيء هنا من دون رحمة، وعندما انسحبت من المكان، لم تخلف سوى العشرات من القضبان الحديدية المستخدمة لنصب البيوت البلاستيكية، وبعض الأدوات الزراعية المدمرة.
 

اجتثاث الوجود الفلسطيني


بحسب محافظ طوباس والأغوار الشمالية، العميد ربيح الخندقجي، فإن تدمير الحقول والمزارع والمنشآت، وإغلاق مساحات واسعة من أراضي الأغوار لغايات التدريب العسكرية، ومصادرة مساحات كبيرة لصالح المستوطنات، يندرج في إطار سياسة التهجير التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في منطقة الأغوار، والهادفة إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني من تلك المنطقة المترامية الأطراف. وقال الخندقجي إن الحكومات الإسرائيلية، ومنذ البدايات الأولى للاحتلال في حزيران 1967، تحاول إطباق السيطرة بشكل كامل على أراضي غور الأردن، من خلال الانتهاكات اليومية التي تمارسها بحق المواطنين الذين يقطنون في تجمعات الأغوار وقراها، والتي يعود تاريخها إلى مئات بل آلاف السنين. وأشار إلى أن «الاحتلال يمارس سياسة سحب البساط تدريجا من تحت أقدام الفلسطينيين، بهدف الاستحواذ على الأغوار، فبدأ إجراءاته بمضايقة المواطنين من خلال قطع مصادر الحياة الأساسية عنهم من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، ومنع تنفيذ أية مشاريع لتطوير البنية التحتية أو الخدماتية أو توسيع المخططات الهيكلية لاستيعاب التزايد السكاني، ما حوّل حياتهم إلى أشبه ما يكون بالجحيم». ولفت إلى تعمد الاحتلال تقطيع أوصال التجمعات السكانية في الأغوار، من خلال المستوطنات والمناطق العسكرية المغلقة والمحميات الطبيعية، وزراعة الألغام التي أدت إلى استشهاد وإصابة العشرات معظمهم من رعاة المواشي والفتية، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي. وقال الخندقجي: في مواجهة استمرار صمود المواطنين وبقائهم على أرض الآباء والأجداد، يعمد الاحتلال إلى إعلان مساحات واسعة كمناطق عسكرية مغلقة، وتوجيه إنذارات للمواطنين بضرورة إخلاء مساكنهم بحجة إجراء تدريبات عسكرية بينها تمتد لساعات وأيام، ومن ثم يوجه إخطاراته بهدم مساكنهم بحجة عدم الترخيص، رغم ملكية هذه الأراضي للمواطنين أو استئجارهم لها من مالكيها الذين تركوها نتيجة التدمير المتواصل لجيش الاحتلال لزراعاتهم البعلية وعدم السماح لهم بالاستثمار فيها.
وأردف: في السياق نفسه، تواصل قوات الاحتلال سياسة هدم مساكن المواطنين وتشريدهم من تلك الأراضي، وإعلان تلك المنطقة عسكرية مغلقة يحظر على المواطنين ورعاة الأغنام دخولها، ومن ثم يتم تسليمها للمستوطنين لزراعتها وإقامة البؤر الاستيطانية عليها، بعد سلبها بالقوة من أصحابها الشرعيين.

 

 

مصدر استثمار وربح


أشار الخندقجي إلى أن «وتيرة هذه السياسات التهجيرية زادت خلال الأعوام الأخيرة بشكل كبير ومتسارع، في خطوات استباقية من قبل حكومة الاحتلال لاستثمار الوقت، وفرض وقائع جديدة على الأرض، تهدف إلى تحويل الأغوار إلى ورقة تفاوضية ضاغطة بحجة الأمن، والتي تهدف في حقيقة الأمر إلى استمرار الاستفادة الاقتصادية الكبيرة للاحتلال من سيطرته على الموارد والثروات الطبيعية، من خلال استمرار سيطرته على الأغوار، والتي تصل إلى مليار دولار سنويا. وتابع: قبل الاحتلال عام 1967، كان يقيم في الأغوار الشمالية لوحدها ما يقارب 20 ألف نسمة موزعين على 26 تجمعا سكانيا، وكانت هذه المنطقة سلة غذاء فلسطين الرئيسة ومصدر الخضار للأردن والعراق والسعودية، وقد دمر الاحتلال الغالبية العظمى منها كليا، مثل الدير والساكوت والجوبة والطاحون.
أما اليوم، وبعد عشرات السنوات من سياسة التهجير العنصرية وما يتبعها من انتهاكات، قال الخندقجي، فإن هذا العدد تراجع ليصل إلى عدة آلاف مواطن يتجمعون في ثلاث قرى رئيسة وعدد من التجمعات السكانية التي تقام من الخيام و«بركسات» الصفيح، ولا تسمح قوات الاحتلال بإضافة ولو «طوبة» واحدة أو إقامة خيمة على أراضي الأغوار منذ ذلك الحين، بل وقامت مؤخرا بهدم مبان تعود لما قبل وجود الاحتلال. وأضاف: عقب الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ركزت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة جل اهتمامها على عزل منطقة الأغوار وتهجير سكانها عنها، من خلال الإعلان عن مساحات شاسعة مناطق عسكرية مغلقة بقصد إيقاف التطور العمراني الفلسطيني فيها، ووقف التنمية الاقتصادية للفلسطينيين، وتهجيرهم من أماكن سكناهم، من أجل تعزيز وجود الاحتلال وتنفيذ المخططات الاستيطانية. وخلص الخندقجي إلى القول: إن هذه السياسات التهجيرية شكلت عائقا أمام نمو التجمعات الفلسطينية في الأغوار، في ظل استنزاف الموارد الطبيعية ومنع البناء، إضافة إلى تجفيف الآبار الجوفية والينابيع، وتحويلها لصالح المستوطنات الإسرائيلية المقامة في منطقة الأغوار، وهو ما تستمر به حكومة الاحتلال الحالية، التي أعلنت في أكثر من مرة رفضها التخلي عن منطقة الأغوار كمنطقة استراتيجية وأمنية على حد زعمها.

 

 

 

 

مسرح للتدمير والاقتلاع والتهويد


رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية في الأغوار الشمالية، عارف دراغمة، يقول إن الشعور الذي يلازم الفلسطينيين في الأغوار، انهم أصبحوا مهددين بالاجتثاث من تلك المنطقة التي أصبحت أشبه ما تكون بمسرح للتدمير والاقتلاع والتهويد واستهداف الوجود الفلسطيني فيها برمته. ويضيف دراغمة: في خربة المالح سلمت قوات الاحتلال إخطارات بهدم 25 منشأة تتوزع ما بين خيام سكن للمواطنين و«بركسات» لتربية المواشي، وذلك على الرغم من حيازة المواطنين لأوراق ثبوتية «طابو» تؤكد ملكيتهم لأرضهم التي أصبحوا كالغرباء فيها، وهم أصحابها. وأوضح أن أحدث إحصائية تشير إلى أن 300 عائلة من منطقة المالح تسلمت إخطارات بهدم منشآتها، تم تنفيذ البعض منها، وأخرى بانتظار التنفيذ، وهو أمر يزيد من معاناة العائلات البدوية التي تعيش في هذا المكان منذ القدم.
واستعرض بعض أشكال الاعتداءات التي يمارسها الاحتلال بحق السكان في تلك المنطقة، وأبرزها عزل المناطق التي يعيشون فيها عن العالم، من خلال إغلاق الطرق وإعلان هذه المناطق عسكرية مغلقة، وإجراء تدريبات عسكرية داخل هذه التجمعات أحيانا، وسقوط العشرات من الضحايا من هؤلاء المدنيين نتيجة انفجار أجسام عسكرية من مخلفات الاحتلال أو حوادث إطلاق النار. وقال دراغمة: تعاني هذه التجمعات السكانية حرمانا من أبسط أنواع الخدمات الإنسانية الضرورية، من الماء والكهرباء والمدارس والطرق والمواصلات والخدمات الصحية، وهي إحدى وسائل الضغط من قبل سلطات الاحتلال على سكان هذه المناطق لإجبارهم على الرحيل عنها. وأضاف: بنظرة شمولية على سكان هذه المناطق، نجد أنهم جميعا قد تسلموا إنذارات هدم لمساكنهم ومنشآتهم، وهناك نسبة تتراوح ما بين 30 ولغاية 40% منهم، تم هدم منازلهم من مرة ولغاية ثلاث مرات!
وأكد تعمد سلطات الاحتلال إغلاق المراعي بذرائع وجود المناطق العسكرية والبيئية والمستوطنات والمحميات الطبيعية، ما شكل ضغطا كبيرا على سكان هذه المناطق الذين يعتمدون في مصدر رزقهم بشكل أساسي على تربية الثروة الحيوانية، فأصبحوا مجبرين على شراء المواد العلفية لمواشيهم، ما أدى إلى انخفاض دخلهم الحقيقي، وبالتالي ارتفاع نسبة الفقر بين هذه الأسر، وعزوف أعداد كبيرة منها عن تربية المواشي.

 

 

 

 

أنقذوا الأغوار


في مواجهة سياسة التهجير الإسرائيلية، أطلق عدد من النشطاء الفلسطينيين، على رأسهم فتحي خضيرات، حملة «أنقذوا الأغوار»، في العام 2005، في مواجهة محاولات إسرائيل لتهجير أهالي منطقة الأغوار من بيوتهم وأراضيهم. وقال خضيرات: هذه الحملة ترسخ المقاومة اللاعنفية بمشاركة متضامنين فلسطينيين وأجانب في برامج دعم مباشرة، ورصد كافة الانتهاكات الإسرائيلية في الأغوار. وعزا تركيز الحملة على المناطق المصنفة «ج» وفقا لاتفاقات أوسلو، إلى كونها «الأكثر تعرضا لهجمة الاحتلال والمستوطنين، وتحديدا في الأغوار التي تبلغ مساحتها2400 كيلومتر مربع، وتشكل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية».
وكان مسؤول أممي وجه انتقادات لاذعة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بسبب قيامها بهدم 36 مبنى تعود لمواطنين فلسطينيين في غور الأردن، خلال يوم واحد، قبل عدة أشهر، داعيا إلى الوقف الفوري لأعمال الهدم التي تشرد عشرات الفلسطينيين.
وأعرب منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جيمس رولي، في بيان صحافي، عن قلق المؤسسة الدولية حيال هدم السلطات الإسرائيلية لهذه المباني التي تعود إلى فلسطينيين في بلدة عين الحلوة، ما أدى إلى تهجير 66 مواطنا فلسطينيا، من بينهم 36 طفلا. وأضاف: أنا قلق جدا من تهجير الفلسطينيين والاستحواذ على أملاكهم، لاسيما في غور الأردن، حيث ارتفع عدد المباني المهدمة إلى أكثر من ضعفيه منذ عام، مشيرا إلى أن أعمال الهدم هذه «تشكل خرقا للقانون الدولي وينبغي أن تتوقف فورا».

* صحافي فلسطيني مقيم في جنين.