| 

لا يفصل منزل نشأت مصلح (أبو عمر) عن «جاره» المستوطن إلى اليمين، و«جاره» المستوطن الآخر إلى اليسار، في داخل مستوطنة «بيت إيل»، القريبة من رام الله، سوى سياج من هنا، وآخر من هناك، وكوفية مرقطة بيضاء وسوداء تعتمر رأسه، في حين يرتدي «جاره» الذي على يمينه القلنسوة اليهودية. منذ ثلاثين عاماً، والسياج على حاله يحميه تارة من عربدات «جيرانه»، وجيرانهم، ولا يحميه في أحيان كثيرة. «أبو عمر» قال لنا: حياتنا منذ سكنا منزلنا هذا كلها مرارة في مرارة. يومياً نعاني منهم الأمرّين. «لولا إنه واقفين لهم بالباع وبالذراع»، لقاموا بتحطيم منزلنا على من فيه.
وتفوح رائحة الرصاص، وقنابل المولوتوف، والدخان، والحجارة من حكايات الحاجة «أم عمر»، التي لولا السياج المحكم على النوافذ لكانت واحدة منها أردتها قتيلة. وقالت: كنت على فراشي قرب النافذة.. أتذكر أنني كنت مريضة، وكان الطبيب وبرفقة أفراد أسرتي غادروا المنزل للتو. سمعت صوت جسم ما يرتطم بالزجاج؛ كان حجراً ألقاه المستوطنون، تناثر الزجاج على إثره على جسدي وأصابني بخدوش عدة، وكان بين الحجر وبين رأسي سنتيمتر واحد حسب تقديري.
مع الوقت لم تكتف أسرة «أبو عمر» بالسياج الفاصل بين المنازل، إذ وضعت، بعد سلسلة اعتداءات، سياجاً يلف المنزل حتى من علو، كدرع واق من «قصف» المستوطنين للمنزل بالحجارة والقمامة وغيرها، بل تصل الأمور إلى منع الإضاءة في الشرفة الخارجية ليلاً، حتى إن هناك كاميرا للمستوطنين ترصدها! وقالت «أم عمر»: قلما نشعل الضوء مع ساعات المساء في الشرفة.. عندما يحل الليل «بنحمل حالنا وبننضب جوّا»، مضيفة: أحياناً يهددوننا بالقتل إذا أشعلنا الضوء في فرندتنا. هل يمكن لأحد أن يتخيل عيشة كهذه؟! وعملاً بالمثل القائل «الغريق بتعلق بقشة»، تقدمت أسرة «أبو عمر» بشكوى إلى المحاكم الإسرائيلية لإنصافها، إلا أنها قررت أنهم «مجرد نزلاء» وسط «أصحاب الأرض» من المستوطنين! وقال الحاج «أبو عمر»: قدمت ثلاث شكاوى للمحاكم الإسرائيلية حول اعتداءات المستوطنين، وعنهجية الجنود وتسلطهم علينا، من دون طائل.. لا حياة لمن تنادي، أو كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني «الكلب بيعضش أخوه».
 

حكاية شقيقتين


في مشهد آخر، هذه المرة على مقربة من بلدة سنجل الواقعة على بعد 21 كيلو مترا شمال شرق رام الله، تعيش الحاجة فضيّة شبانة وشقيقتها نعمة بلا ماء أو كهرباء، خشية هجر منزلها المبني قبل خمسة عقود تقريباً، وهو اليوم بات مطوقاً بأربع مستوطنات. ويسعى المستوطنون وعملاؤهم إلى الاستيلاء على المنزل بشتى الطرق، ليس أقلها تعكير صفو حياة الشقيقتين الثمانينيتين، بمهاجمة منزلهما وترديد شعارات عنصرية ضدهما، خاصة بعد أن بقيتا من أصل 25 فردا كانوا يقطنون المنزل قبل أن يرحلوا إلى داخل سنجل. وقالت فضيّة: كسّروا زجاج منازلنا، وعندما نتوجه إلى أرضنا يطردوننا. يمنعوننا من قطف محاصيلنا، وخاصة الزيتون والعنب. صحيح أننا نرفض الخروج من منزلنا، لكن وللحقيقة تكاد «تطلع أرواحنا». أما شقيقتها نعمة، فقالت: هذه دارنا، ولا يمكن أن نتركها. ليس من المنطق أن نفعل ذلك، وعلى المستوطنين وجنود الاحتلال إدراك أننا لن نغادرها مهما كلفنا الأمر. «اللي بيموت بيموت شهيد.. واللي بيعيش بيعيش سعيد».
ما يثلج صدر الشقيقتين دعم الأهالي في سنجل ودورا القرع وغيرهما من القرى، ولو معنوياً، واعتبارهما حائط الصد الذي يحول دون مصادرة مئات الدونمات في المنطقة.
أما ناديا دبسي، الناطقة باسم الصليب الأحمر الدولي فتقول: نحن نرفع هذه الانتهاكات، وبشكل مستمر، إلى الطرف الإسرائيلي بشكل ثنائي وغير علني، وذلك بهدف خلق نوع من الحوار مع السلطات الإسرائيلية على أهمية حماية الأشخاص في الأراضي المحتلة، وتوفير ظروف معيشية كريمة ومناسبة لهم، وفق الأعراف الدولية. وتعتبر معاناة الشقيقتين المسنتين انعكاسا لمعاناة الكثير من الفلسطينيين الذي يصرون على عدم ترك منازلهم وأراضيهم، حتى لو كانت قريبة من المستوطنات، أو حتى في قلبها، أو قرب مسار جدار الفصل العنصري، كما أن هذا الصمود يحمل فيما يحمل دلائل على صمود شعب هو بحاجة إلى ما يدعم تشبثه بأرض وطنه.

 

 

«دولة» هاني عامر


تتواصل الحكايات، وهذه المرة مع هاني عامر، الذي اشتهر بدولته المتخيلة، فما أن تقترب من منزله المحاصر بجدار الفصل العنصري حتى تصطدم بعبارة «أهلاً وسهلاً في دولة هاني عامر»، قام بخطها بيده على بوابة في الجدار تؤدي إلى منزله، وهو البيت العربي اليتيم في المنطقة. عند هذه البوابة التي أقامتها سلطات الاحتلال في العام 2003، تبدأ حدود منزل هاني عامر، الذي أطلق عليه متهكماً اسم «دولة»، بعد أن فصل الاحتلال منزله عن منازل قريته مسحة قرب سلفيت، وضمه إلى مستوطنة «القناة» الإسرائيلية المقامة على أراضي القرية. والأدهى والأمر أن سلطات الاحتلال حرمته من مفتاح البوابة المؤدية إلى منزله، إلا بعد ضغوطات عديدة من هيئات ومؤسسات حقوقية دولية ومحلية. وقال عامر: في البداية عرضوا عليّ فتح البوابة ربع ساعة فقط في اليوم! وهذا أمر لا يمكن لعقل إنسان أن يتخيله، وبعد سنوات من عيشنا في سجن حقيقي حصلنا على مفتاح البوابة، لكن الحصار لم ينته.
منزل عامر أو دولته كما يصفه متهكماً محاصر من الجهات الأربع، فجدار الفصل العنصري من جهة، وسياج لثلاث مستوطنات من الجهات الثلاث الأخرى، لكنه يصر مع أسرته على مواجهة الحرب المتواصلة التي يشنها عليه المستوطنون وجنود الاحتلال لتهجيره قسرا. وروى عامر: في المساءات الباردة من كل شتاء، يتعمد جنود الاحتلال بالعشرات محاصرة المنزل، ودون أسباب، وإخراجنا منه إلى العراء لساعات من باب التنكيل. في مساءات أخرى يتجمع عشرات المستوطنين من عدة مستوطنات، ويبدأون بقذفنا بالحجارة وإطلاق العيارات النارية في الهواء. المستوطنون مسلحون، ويحميهم جيش الاحتلال، ونحن في خطر حقيقي.

 

 

 

 

فرق حراسة في جالود


لا تختلف حكاية كمال فرحان عباد، من قرية جالود، قرب نابلس، عن سابقيه، فهو يعيش في منزل من بين بضعة منازل لو تركها أهلها لتمكن المستوطنون من السيطرة على مئات الدونمات من أراضي القرية، ولهذا يقوم المستوطنون باعتداءات شبه يومية على المنازل وأهلها وممتلكاتهم، وبخاصة في العامين الأخيرين. وقال عباد: نحن قرابة الخمسين نفرا ما بين مسنين، ونساء، وأطفال، وشباب.. نعيش باستمرار في حالة توتر بسبب اعتداءات المستوطنين، بل ونشكل فرق حراسة، نادراً ما تتمكن من صد هذه الاعتداءات العنصرية الشرسة. في الفترة الأخيرة قاموا بإحراق منزلين في حارة آل عباد، وقبلها كسروا نوافذ المنازل، وأحرقوا بعض المركبات التي تخصنا، بل وصل الأمر بهم إلى الاعتداء بالضرب على طفل في سن الرابعة.. «فشخوا راسه وقطبناه ست غرز»!
وقال غسان دغلس، مسؤول ملف مقاومة الاستيطان والجدار في شمال الضفة الغربية، إن هناك 184 مستوطنة و176 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية هذه الأيام، يعيش فيها أكثر من 650 ألف مستوطن حسب معطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية حتى نهاية العام 2013. وهي أرقام تشير إلى تضاعف عدد المستوطنات والمستوطنين عدة مرات خلال الأعوام العشرين التي تلت توقثيع اتفاق أوسلو. وهذا دليل على أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستغل حالة الحرب، وحالة الهدوء، وحالة المفاوضات للاستمرار في الاستيطان.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.