| 

من بين التعليقات الكثيرة على الشروط التي وضعها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا") أخيراً لتأييد حزبه أي "اتفاق سلام نهائي" مع الفلسطينيين- وفي مقدمها أن يتضمن تبادلاً للأراضي والسكان بحيث تنتقل منطقة "المثلث الصغير" العربية (وادي عارة) إلى سيادة الدولة الفلسطينية التي ستُقام، وتتم إزاحة الحدود بين الدولتين إلى منطقة شارع رقم 6 (المعروف باسم "عابر إسرائيل") - كان ثمة تعليق واحد وربما وحيد للباحث الجغرافي الإسرائيلي إليشع إفـرات أشار فيه إلى أن ما يرمي إليه شرط تبادل السكان هو "تنفيذ ترانسفير بحق مواطنين شرعيين في الدولة". كما أنه سخر من الاقتراح القاضي بإزاحة الحدود بغية التمويه على ترحيل السكان، واعتبر ذلك بمثابة "تنفيذ عملية ترانسفير سهلة". لم يتردّد إفـرات في استعمال الترانسفير كون هذا المصطلح ليس غريباً قطّ على الحركة الصهيونية.
ويشير المؤرخ والصحافي الإسرائيلي توم سيغف إلى أنه منذ اليوم الأول لبداية مشروعها الاستعماري في فلسطين، أدركت الحركة الصهيونية أنها ستواجه مقاومة عربية. ومنذ اللحظة الأولى التي وصل فيها "طلائعيـو" هذه الحركة، لم يكفّ اليهود في فلسطين عن السجال فيما بينهم عن أفضل الطرق للتعايش مع "المشكلة العربية"، وقد درسوا أي احتمال يقع بين ترحيل العرب إلى مناطق أخرى وإقامة دولة ثنائية القومية، كما اختبروا احتمالات تقسيم البلد كلها، لكنهم في خضم ذلك أجمعوا على مبدأ أساسي فحواه: "أرض أكثر وعرب أقل!"، والذي وقف ولا يزال في صلب غايات مخططات الترانسفير.
 

مخطط تفريغ قطاع غزة


لم تقتصر مخططات الترانسفير الصهيونية على فترة النكبة في 1948، بل ظلت مرافقة للمشروع الصهيوني المفتوح. وقد "انتعشت" على نحو خاص عقب حرب حزيران/ يونيو 1967 في نطاق المناقشات المتعلقة بمستقبل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. ويمكن أن نذكر منها ما كانت صحيفة "هآرتس" قد كشفت النقاب عنه في آب/ أغسطس 2005، بعد تعتيم استمر ثلاثين عاماً، بشأن مخططات وحملات إسرائيلية سرية استهدفت في الأعوام التالية لتلك الحرب تفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، على الأقل اللاجئين منهم، ومحاولة توطينهم في شبه جزيرة سيناء والدول العربية المجاورة، وخصوصاً الأردن. غير أن تلك الخطط والحملات انتهت كلها، حسبما أكد غير مسؤول إسرائيلي رفيع سابق ممن كان لهم ضلع مباشر فيها، إلى الفشل الذريع و"تلاشي أحلام" زعماء الدولة في تلك الفترة كليفي أشكول وموشيه دايان ويغئال ألون وغيرهم، بتحويل قطاع غزة "بعد تطهيره من العرب وتعبئته بالمستوطنين اليهود" إلى "ريفييرا الشواطئ الإسرائيلية" على البحر الأبيض المتوسط. ووفقاً للتحقيق الذي نشرته الصحيفة، فإنه على الرغم من أنه لم تجر في المحصلة بلورة أي فكرة أو خطة محددة، سواء على المدى القصير أو البعيد، فإن "الحلم" الذي راود جميع المسؤولين والجهات الرسمية في إسرائيل هو أن يفيقوا في الصباح ويجدوا قطاع غزة فارغاً من السكان.
يقول الميجر جنرال احتياط إسحاق بونداك، الذي كان في سنة 1967 ممثلاً لوزارة العمل الإسرائيلية في قطاع غزة ولاحقاً الحاكم العسكري للقطاع وشمال سيناء، للصحيفة: "هناك من قرر أنه يجب تفريغ قطاع غزة من سكانه...". ومع أن بونداك لم يُشِر إلى هوية المسؤول أو الجهة الإسرائيلية الرسمية التي اتخذت هذا القرار، إلا إنه أكد أن "الذي اتخذ القرار اعتقد أنه إذا كانت حياة السكان صعبة وقاسية، وإذا لم تتوفر لهم لقمة عيش، فإنهم لن يتأخروا في الهرب والمغادرة، لكنهم لم يهربوا". كما أشير في التحقيق إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت ليفي أشكول صرّحَ من جهته، في اجتماع عقد في ديوانه بعد وقت قصير من الحرب، كما اقتبس ذلك المؤرخ توم سيغف في كتابه "1967"، قائلاً: "أنا أؤيد مغادرة الجميع حتى لو ذهبوا إلى المريخ".
أوكلت مهمة تنفيذ فكرة "خفض" السكان في غزة إلى جهازين: الأول جهاز الموساد، وألقى رئيس الموساد مئير عميت المهمة على عاتق المدعو يوسف ياريف. والثاني، فتمثل في "وحدة مهمات خاصة في الحكومة" عملت على هامش الحكم العسكري في قطاع غزة، وأنيطت بها مهمة ترحيل أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأردن. وعملت هذه الوحدة بطرق متعددة. ففضلاً عن المبالغ التي عُرضت على السكان الراغبين في النزوح (نحو 300 دولار) جرى الاهتمام أيضاً بتأمين نقلهم إلى الجسور.
تحدث تسفي ألبيلغ الذي كان حاكماً عسكرياً لجنوب قطاع غزة، للصحيفة عن "حافلات كانت مليئة". وأضاف: "سمعت أنهم قالوا هناك بأنهم ابتاعوا لهم تذاكر سفر في اتجاه واحد (ذهاب من دون إياب)... على أي حال فقد كانت النية تفريغ غزة قدر ما يمكن". لكن نائب قائد تلك الوحدة قال إنه "لم تكن هناك حافلات وإنما شاحنات"، موضحاً أن أفراد الوحدة وضعوا النازحين مع أمتعتهم على ظهور شاحنات ورافقوهم حتى نقطة الجمارك الإسرائيلية في محطة القطار في غزة. لكن موظفي الجمارك لم يظهروا تعاوناً، لعدم إدراكهم ومعرفتهم بحقيقة الموضوع والدور المناط بالوحدة السرية المكلفة بالإشراف على الترحيل. وبعد تجاوز تعقيدات وإجراءات النقطة، توجهت الشاحنات إلى معابر الجسور على نهر الأردن، حيث كان هناك في انتظار المغادرين أفراد ارتباط أردنيون سمحوا بدخولهم إلى الأراضي الأردنية في مقابل رشى مالية قدمها لهم الإسرائيليون! ولفت تقرير "هآرتس" إلى أن أغلبية المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين السابقين الذين جرى التحدث إليهم قللوا من أهمية ومردود نشاطات تلك الوحدة التي عملت بتكليف مباشر من وزير الدفاع وديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية. كما أن الجنرال المتقاعد شلومو غازيت الذي شغل وقتئذٍ منصب المعاون الخاص لوزير الدفاع الإسرائيلي، رفض التحدث عن نشاط "الوحدة السرية" في قطاع غزة، وقال إنه "يجب شنق من يتحدث عن ذلك... فإسرائيل ما زالت في صراع مع العالم العربي ومع الفلسطينيين"، معرباً عن اعتقاده أن الوقت لم يحن بعد للحديث عما كان يحدث في قطاع غزة "نظراً إلى حساسية الأمر"، على حدّ تعبيره.
اكتفى ضابط احتياط كبير آخر في الجيش الإسرائيلي كان هو أيضاً مطلعاً على سر حملة التهجير بالقول إن "كل قصة الوحدة لم تكن جادّة تماماً... وقد كانت المسؤولية عنها في ديوان رئيس الحكومة"، في إشارة إلى أن المسؤولية عن فشل هذه الحملة لا تقع على عاتق الجيش بل على عاتق المؤسسة السياسية. وهذا الفشل أكده الضابط الكبير ذاته بقوله إن "كل ما تمخضت عنه حملة التهجير الطوعي لا يتجاوز مغادرة عدة آلاف من فلسطينيي القطاع *...] (وإن) أغلبية المهجرين فعلت ذلك بمعزل عن محاولات ومحفزات تشجيعها على الهجرة"، وهو ما يناقض التقارير التي قدمها في حينه المشرفون على الحملة، والتي زعمت بأنها تمخضت عن هجرة أعداد تراوحت بين "15 ألف و 180 ألف مواطن غزيّ (!!)".

 

 

آبـاء الصهيونيـة والترانسفير


هناك ميل عام في إسرائيل للترويج بأن سبب معاودة الحديث عن الترانسفير في الآونة الأخيرة يعود إلى ما يُسمى "الانزياح نحو اليمين" الذي شهده المجتمع الإسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سنة 2000 وما تسببت به من "عودة الصهيونية إلى ذاتها". فمثلاً أشار استطلاع أجري سنة 2002 ضمن "مشروع الأمن القومي والرأي العام الإسرائيلي" في "مركز يافيه للأبحاث الاستراتيجية" في جامعة تل أبيب (أصبح اسمه لاحقاً "معهد أبحاث الأمن القومي")، إلى أن مؤشرات الانزياح يميناً تكمن ضمن أشياء أخرى في ازدياد تأييد الإسرائيليين لمشاريع حلول الترانسفير ضد الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو داخل تخوم "الخط الأخضر"، حيث أيّد 46 بالمئة من منهم تطبيق الترانسفير ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وأيّد 31 بالمئة تطبيقه ضد الفلسطينيين في إسرائيل.
غير أن الأستاذ الجامعي الإسرائيلي آشير أريـان أكد أن هذا النمط من التفكير لدى الإسرائيليين ليس جديداً كل الجدة، فقد أظهر استطلاع سنة 1991 من الفصيلة نفسها نسبة تأييد للترانسفير ضد الفلسطينيين ليست أقل كثيراً، حيث أيّد 38 بالمئة من الإسرائيليين تطبيق الترانسفير ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وأيّد 24 بالمئة تطبيقه ضد الفلسطينيين في إسرائيل. ولفت إلى أن سبب ذلك راجع، في جانب ما، إلى تأصل فكرة الترانسفير في تفكير الحركة الصهيونية، كما في ممارستها الميدانية.
كما يورد الذين يعزون معاودة طرح فكرة الترانسفير إلى الوقائع التي تلت الانتفاضة الفلسطينية، أن من مؤشرات الانزياح يميناً دخول الحزب الإسرائيلي الذي يتبنى علناً برنامج الترانسفير بزعامة الوزير المقتول رحبعام زئيفي كطرف فاعل في الائتلاف الحاكم الذي تزعمه أريئيل شارون سنة 2001، ما أضفى شرعية علنية على هذا الموضوع.
غير أنّ زئيفي نفسه سبق له أن أكد أنه استقى فكرة الترانسفير من آباء الحركة الصهيونية. ففي واحد من مقالاته الكثيرة في هذا الشأن، وهو بعنوان "الترحيل من أجل السلام"، ونشره في صحيفة "هآرتس" في 17 آب/ أغسطس 1988، كتب ما يلي: صحيح أنني أؤيد الترانسفير بحق عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية، لكنني لا أملك حق ابتكار هذه الفكرة، لأنني أخذتها من أساتذة الحركة الصهيونية وقادتها، مثل دافيد بن غوريون الذي قال من جملة أمور أخرى "إن أي تشكيك من جانبنا في ضرورة ترحيل كهذا، وأي شك عندنا في إمكان تحقيقه، وأي تردّد من قبلنا في صوابه، قد يجعلنا نخسر فرصة تاريخية" ("مذكرات دافيد بن غوريون"، المجلد الرابع، ص 299). كما أنني تعلمت هذا من بيرل كتسنلسون وآرثر روبين ويوسف فايتس وموشيه شاريت وآخرين.
وقبل أقوال زئيفي هذه بأكثر من ثمانية أعوام ألمح الوزير الإسرائيلي الأسبق والخبير الإستراتيجي أهارون ياريف إلى وجود "خطة جاهزة" في الأدراج الإسرائيلية الحكومية لترحيل 700 - 800 ألف عربي، حين "تنشأ الأوضاع الموضوعية لذلك"... وحرفيًا قال ياريف في محاضرة ألقاها في "الجامعة العبرية" في القدس، في 22 أيار/ مايو 1980 ما يلي: "هناك آراء تدعو إلى استغلال حالة الحرب من أجل ترحيل ما بين 700 و800 ألف عربي... ولم تتردد هذه الآراء على ألسنة المسؤولين فحسب، وإنما أيضاً أعدت الوسائل اللازمة لتنفيذها"!
إذا كان اعتراف زئيفي السالف بأنّ فكرة الترانسفير ليست من بنات أفكاره غير بليغ بما فيه الكفاية لإثبات عمق تغلغل الفكرة ورسوخها في منبت رؤوس حكام إسرائيل الصهاينة، فإنّ إثبات ذلك يمكن أن نستقطره من نتاجات الوعي الجديد بحقيقة هذا الأمر، الذي يكتسب يوما بعد يوم مناطق جديدة في أوساط مزيد من المؤرخين والباحثين اليهود. ولئن كان هذا الكلام يريد النفاذ إلى أشياء محدّدة فإنه يريد، أكثر شيء، توكيد خلاصة فحواها أنّ التربة الإسرائيلية على صعيدي المسؤولين السياسيين والرأي العام الشعبي سواء بسواء، لديها من الجهوزية ما يكفي لتقبل فكرة الترانسفير وعدم مضادتها، وإن من الناحية الأخلاقية على الأقل.
عند هذا الحد يكفي أن نستعيد، مرة أخرى، ما قاله زئيفي نفسه في هذا المضمار ضمن مقاله السالف:
*... لقد زعموا أنّ هذه الفكرة (الترانسفير) غير أخلاقية، وبرأيي أنه ليست هناك فكرة أكثر أخلاقية منها، لأنها تحول دون وقوع الحروب وتمنح شعب إسرائيل الحياة. وإذا كانت هذه الفكرة غير أخلاقية فإنّ الصهيونية كلها وتجسيدها خلال أكثر من مئة عام هما غير أخلاقيين. إنّ مشروع الاستيطان في أرض إسرائيل وحرب الاستقلال حافلان بعمليات ترحيل العرب من قراهم. فهل كان هذا أخلاقياً ولم يعد كذلك الآن؟].