| 

عند قراءة المقابلة التي نشرتها جريدة «هآرتس» الإسرائيلية مع الروائي اللبناني إلياس خوري خلال الشهر الماضي لمنـــــاسبة صدور «الوجوه البيضاء» (1981) مترجــــــمةً إلى العبرية، يشعر المرء بأن مواجهة العدو وجهاً لوجه تفتح في البال كوّةً لأفكارٍ غير مكرّرة بيننا، «عنه». لم يكن الكلام هتافاً، وإنما كان أعلى منه سقفاً. الحوار المنشور في إسرائيل (ترجمه إلى العربية الزميل نائل الطوخي، ونشر في "أخبار الأدب" المصري) لا يبشّر بين مؤمنين، وقائله يعي ذلك. يسقط من الحديث ارتباكنا، لأن الحديث عنهم، هم، كدولة وشعب، كسرديّة. تدَخّلنا معه، نحن، في صناعة صورتهم عن أنفسهم، هم. وقد بدا الصوت متيناً لامتلاكه الحقّ الفلسطيني براحة يده، ومعرفة العدو بالأخرى. امتلاكٌ لا يشوبه قلقٌ، وحوارٌ يؤكد المقاطعة. عند التوجّه إلى العدو بثقةٍ مطلقة بأحقية القضية، أتى الكلام واضحاً قاطعاً كحد السيف، وعميقاً يغرز في بدنٍ لم يعتده.
في المقابل، شهد الشهر الماضي - أيضاً - زيارة البطريرك الماروني اللبناني لفلسطين المحتلّة. علت الأصوات قبل الزيارة تطالبه بالعودة عنها كونها تطبيعاً، فقال انه رجل دين لا علاقة له بالسياق السياسي، قال إنه لن يقع في «فخّ» التطبيع. في هذا القول، عودةٌ إلى منطق ردّ الفعل. كأن العدو ثعلب ماكر، والذات المقاوِمة هي دجاجة غبيّة خائفة، وهو سيكون بإيمانه محصّنا أكثر منّا، نحن المعرّضين دوماً للخطيئة. وفعلاً، لم يلتقِ بإسرائيليين، وبالتالي خضع للقانون المانع للتطبيع. لكنه التقى بعملاء إسرائيل، وقال لهم ما لم يتوقّع أشرس مناهض لزيارته أن يحصل. نفى منطق المقاومة بأمه وأبيه، منح الشرعية لإسرائيل، وتحديداً عبر جيشها والمتعاونين معه. وعندما عاد، واجه مناهضو إسرائيل زيارة البطريرك بالتململ والصمت. والأسباب لم تخفَ عن أحدٍ، إذ هي تنضوي تحت الحصانة التي يفوز بها رداء رجال الدين في لبنان والمنطقة.. هذا الرداء الذي لا يتجرّد من السياسة إلا ليتفادى تبعات أعماله فيها.
بهذين المشهدين، تتشكّل صورةٌ. في ناحيةٍ، يبدو المناضل الذي حمل السلاح ضد الجيش الإسرائيلي مواجهاً للإسرائيلي ذاته في عقر داره، عبر وسيلته الإعلامية، بمنطق الحقّ الإنساني والرمزي والقانوني الواضح. في الناحية الثانية، وقف رجل دينٍ يوزّع المحبة تبعاً للسياسة، يحكي عن وجودٍ مسيحيّ سابق «للجميع» في هذه الأرض، وهو منطق المحتلّ «اليهودي» ذاته، في تورية كامل الحقّ خلف أسبقية الوجود.
وبينما يقول المثقف والمناضل السياسي ان وظيفته الثقافية هي سياسيةٌ بامتياز، يقول رجل الدين ان وظيفته ليست سياسية وإنما هي روحية. في المقابل، تراه وحده (كأي زميلٍ له في الصنعة) يتمتّع بحصانةٍ في قولبة الغد، بينما يتعرّض المثقف المقاوِم للمساءلة والطمس عندما يفعل ما يتقن فعله، وظيفته. أمام هذه الصورة نقف، وهي الصورة التي ستقولب ـ بدورها ـ غدنا، نحن مريدي العدالة للأرض المحتلّة.
إن لمناهضة التطبيع صوتٌ عتيقٌ بيننا. والعتق لا يصنع القوة أو القدرة التأثيرية، لكنه يحفظ التقليد حيّاً، ويمدّه دوماً بالأمثلة الداعمة المتأتية من إجرام العدو. وعدوّنا مجرمٌ معتدٍ وشرس. لكن العتق وحده لم يعد يكفي. الصوت الآتي من ماضي المقاومة، والثورة الفلسطينية، لـــــــم يعد يكفي. فقد استهلكته أنظمةٌ كثيرة، مــــــن المحيط إلى الخليج، انتهت بتكريسه وســـــيلةً للقمع السياسي الداخلي، ومراكمــــــة الظلم الاجتماعي الاقتصادي، من دون أن يكون لـــذلك أثرٌ إيجابي يُذكر على القضية الفلسطينية. حتى أن الناس سئموا فلسطين بسبب كثافة ذكرها في سياقات قمعية. هذا الصوت الآتي من الماضي، ما عاد كافياً اليوم.
نحن نقف أمام إمكان تطويرٍ لوجهٍ من وجوه المقاومة، في سياقٍ يلحظ استحالة الاستمرار في عزل الذات عــــــن العدو، في عالم اليوم. كما أننا أمام استمرار احتــــكار بعض أصحاب السلطة اليوم (رجال الدين) لمفاتيح الغد، بحصانةٍ يمتلكونها في نظام اليوم ويدّعون «تطهّراً» منها. المثقف لا يمتلك الحـــــصانة، وكذلك المناضل، والسبب في ذلك سياسيّ. ورجل الدين يمتلك هذه الحصانة، لسببٍ سياسيّ طبعاً. وما مشهد تلك الحديقة في الفاتيكان، حيــــث صدح القرآن والإنجيل والتوراة في لحظةٍ لم يستفد منها ـ وجدانياً وواقعياً ـ أحدٌ فعلياً، إلا صورة فارغة من المعنى، كونها مفرغة من الســـــياسة في عقر دار السياسة. وهذا ما يتقنه رجـــــال الدين: اللعب بين حبلي الدين والسياسة. لا أحد غير رجال الدين يقوى على القول، بوقاحة، ان صورةً تجمع محمود عباس وشيمون بيريز يمكـــــن أن تجرّد من السياسة وتبقى ذات مغزى، وإن زيارة عملاء لم يسلّموا أنفسهم لدولتهم وإنما فضلوا عيش حياتهم في الدولـــة العدوّة يمكن أن تجرّد من السياسة. وما تجريد القضية من السياسة إلا طمسٌ للحقوق فيها، حقوق الموتى والأحياء منا. كأنهم أولياء أمور يضعون الطفلـــــين المتقاتلين في مواجهة بعض، ليقبلوا وجنة بعض، وتصبح النهاية سعيدة. كأن الجريمة لم تتمّ. أما المثقف المناضل الذي يقضي وقته في دراسة هذه السياسة وأثرها في الشعوب، فهو المساءل من الجماعة والسلطة، كما من رجال الدين أنفسهم، عن «أغراضه».
إن أغراض إلياس خوري من المقابلة هي مواجهة العدو في عقر داره باستحالة استمراره إلا بتذوّق طعم الهزيمة، بحسب ما قال لـ«هآرتس». إن غرض المثقف واضحٌ في شهر سلاح المقاطعة، وانتقاء منها ما يفيد معركته، كما أن قدرته علــــــى نقاش ذلك متبلورة مكتملة، عميقة ومتينة. في المقــــــابل، فإن أغراض رجال الدين لا نعرف عنها إلا ما يرشح عنهم. لم يسأله أحدٌ لماذا زار من زارهم ولمـــــاذا قال ما قاله. عاد إلى كنيسته ليستقبل رعــــيته ويلقي فيها خطباً عن الوطنية الواجبة في ضرورة اختيار رئيس الجمهورية. هكذا، بحصانة رداءٍ أسود.
هذا الصراع ابن الاعوام الستة والستين، ارتأى رجال الدين تحجيمه بـــصلاةٍ ترفرف فوقها الحمائم، في حديقة أنيقةٍ جداً تستبدل الحقّ السياسي والحياتيّ بالطوباوية الساذجة. وهو الصراع ذاته، الذي يرتئي المثقف أنه قد بات واجباً علينا الانتقال به إلى مرحلة المواجهة الفكرية والثقافية المباشرة، بهدف إحداث العدالة في أرضٍ محتلّة.
مشهد الشهر الفائت، كالأحداث التي نعيشها في منطقتنا، تؤكّد تواجدنا ككتلةٍ مقاوِمة غير متجانسة، عند مفترق طرق: إما أنظمة تمنح الحصانة لرجال الدين في اختراع واقعٍ بلا سياسة في معرض ثنينا عنه وعنها، أو شجاعة المثقفين والمناضلين في التقدّم بمقاومةٍ تضع المسلّمات في موضع الاختبار، لتنمو بالسياسة إلى مستوى العدالة.
ولأن الثنائية هي مقتلٌ فكريّ، فإن المخرج منها يكون بنقاش تموّجات الطيف. المساحة مفتوحة دوماً لنقاش أفكار المثقف، والخروج منها إلى منطق ثالثٍ ورابعٍ. أما نقاش رجل الدين في أفكاره فهو كفرٌ. والنقاش هو بالفعل كفرٌ، لمن يستمرّ بقوّة الثنائيات: الخير والشر، الشيطان والملاك، السياسة والدين.