| 

في «جامعة حيفا» التي تمتاز بأنها تحوي أكبر نسبة طلاب أكاديميين عرب من بين الجامعات الاسرائيلية (17%) وأكثر الحركات الطلابية العربية نشاطاً من بين الحركات الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية، قامت إدارة الجامعة باستدعاء قوات أمن خاصة تابعة للشرطة: دوريات الوحدات الخاصة (المعروفين باسم «يسّام»)، ووحدة خيّالة، ووحدات شرطة عادية، عدا أمن الجامعة، لأن الطلاب العرب أصرّوا على إحياء ذكرى النكبة وإقامة فعالية علنية وسلمية في ساحة الجامعة الرئيسية، رغم منعهم من قبل إدارة الجامعة.

25 ساعة من عمر الجامعة

ألغت إدارة جامعة حيفا، المتمثّلة بعميد الطلبة، فعاليّة لإحياء ذكرى النكبة كانت كل من «الجبهة» و«أبناء البلد» الطلابيتين قد قررتا إقامتها، حيث كان من المفترض أن تشمل الفعالية عرض الفيلم الفلسطيني «ميلاد عيّاش» عن الشهيد ميلاد عيّاش ابن القدس، واستضافة أهله في الجامعة، بالاضافة إلى فقرة فنيّة ملتزمة وكلمات سياسيّة.
وفيما ينص الدستور الجامعي على وجوب تقديم طلب مسبق لعميد الطلبة قبل كل فعالية تنوي أي حركة طلابية فاعلة ضمن إطار الجامعة إقامتها، يحق للعميد رفض إقامة الفعالية (أيّا كانت) حتى مدة أقصاها 24 ساعة قبل وقت إقامة الفعالية المقترح في الطلب.
ممثلو الكتل الطلابية عملوا ضمن الدستور الجامعي وبحسبه، فأرسلوا طلبا رسميا لعميد الطلبة قبل 10 أيام من موعد الفعالية المقترح (وهو 125)، فما كان من عميد الطلبة إلا أن انتظر حتى 25 ساعة قبل موعد الفعالية (أي يوم 115) ليبلغ ممثلي الكتلتين بأنه لا يمكنهم إقامة الفعالية، معللاً ذلك بأن إقامة الفعالية قد تؤدي إلى تشكيل خطر على سلامة الجمهور والإخلال بالهدوء والأمن العام في الجامعة، خاصة أن برنامج الكلمات السياسية المقترح تضمّن كلمة لعضو المكتب السياسي لـ«حركة ابناء البلد» محمد كناعنة، وهو أسير سابق وملاحق سياسيا بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة.
لم يتقبل القرار، لا ممثلو الكتل الطلابية ولا الطلاب العرب بالمجمل. فقد قامت إدارة الجامعة في الفترة الأخيرة بإلغاء وعرقلة العديد من الفعاليات والنشاطات الطلابيّة العربيّة في الجامعة. ففي ذكرى يوم الأرض، منعت الجامعة رفع العلم الفلسطيني في تظاهرة الكتل العربية و«الجبهة» في الجامعة، كما منعت توزيع الملصق الخاص بيوم الأرض الذي صممته الكتل العربيّة، وقبل أسبوعين من فعالية النكبة، ألغت الجامعة فعاليّة «أبناء البلد» على شرف يوم الأسير الفلسطيني.
ردّاً على التعسف الإداري الذي واجهوه، رفض الطلاب العرب الانصياع لقرار عميد الطلبة بإلغاء الفعالية وأصروا على إقامتها في موعدها المحدد في الساحة الرئيسية للجامعة. وكما هو مخطط، تجمّع الطلاب العرب في الساعة المحددة والمكان المحدد لإحياء الذكرى. أما إدارة الجامعة التي كانت تعلم مسبقا بإصرار الطلاب العرب على إقامة الفعالية فقد استدعت قوى أمن خاصة وشرطة وحتى خيّالة، بالإضافة إلى قوات حفظ أمن الجامعة الذين تجمهروا في ساحتها الرئيسية.
حضر عميد الطلبة في الساحة طوال الوقت. وقف مع مسؤول الأمن في الجامعة محاولين عرقلة سير الفعالية التي تضمنت عزفاً على العود، وغناء الطلاب العرب أغاني الشيخ إمام وأغاني تراثية فلسطينية. ومن بعد الغناء، ألقى ممثلون عن «الجبهة الديموقراطية للسلام» و«حركة أبناء البلد» كلمة، بالإضافة إلى كلمات ممثلي الحركات الطلابية. أما عضو المكتب السياسي لـ«حركة أبناء البلد» محمد كناعنة فقد اعتُقل عند دخوله حرم الجامعة من قبل الشرطة، وأحيل للتحقيق!
لم يمرّ وقت كثير قبل أن تبدأ الحركات الطلابية الصهيونية بالتجمهر في مقابل الطلاب العرب، ومحاولة استفزازهم وافتعال مشاكل لإجبار الشرطة على التدخل العنيف ضد الطلاب العرب. فجاء أحد رجال الشرطة معلناً أنه يجب على الطلاب العرب إخلاء الساحة وإيقاف التجمهر خلال دقائق. وكردّ منهم، قام الطلاب العرب بالتوزّع ضمن حلقات مصغّرة، ما يتناسب مع قوانين الجامعة والدستور، فلا يعتبر تجمهرهم حدثاً يحتاج إلى إذن مسبق. في هذه الأثناء، ألصق العديد من الطلاب أفواههم باللون الأسود، محتجين على سياسة «كمّ الافواه» التي تمارسها الجامعة ضدهم، فيما ارتفع صوت الطلاب الباقين بنشيد «موطني».
وهنا بالضبط، بعد فشل كل محاولات التضييق وعرقلة سير الفعالية، فتحت نقابة الطلاب الصهيونية في جامعة حيفا الموسيقى بصوت عالٍ (وهو أمر يحتاج إلى إذن مسبق من إدارة الجامعة) من أجل إسكات الصوت العربي عن رفع نشيد «موطني». إلا أن الطلاب العرب استمروا بالفعالية حتى نهايتها، مختصرين منها بعض الفقرات من أجل حماية الطلاب العرب من أيّ تصادم مباشر مع قوات الأمن التي انتشرت في حرم الجامعة. بعدها، فضوا التجمهر بأنفسهم وتوزّعوا في الجامعة، غير أن الأمور لم تقف عند هذا الحد. فعند وصول عائلة الشهيد ميلاد عياش، ودخولهم المقهى الموجود في ساحة الجامعة الرئيسية، كان معظم الطلاب العرب قد تركوا المنطقة وانتشروا في الجامعة. فرأى رجال الشرطة الذين تكثّف وجودهم الفرصة سانحة للتجمهر حول من بقي مع عائلة الشهيد وإخطارهم بوجوب خروجهم من المقهى خلال دقائق، فما كان من الطلاب وعائلة الشهيد إلا أن خرجوا من المقهى لمنع تصادمٍ هم في غنى عنه.

المحكمة.. وأدوات المقاومة

لم تنته المسألة عند هذا الحد من إعاقة نشاط الطلاب العرب فعلياً ومحاولة التصادم معهم. بل قامت إدارة الجامعة بإبعاد طالبين لمدة ثلاثة أسابيع، وإحالتهم مع ثلاثة آخرين إلى لجنة طاعة جامعية بهدف إصدار أحكام تأديبية بحقهم، لأنهم خرقوا أمراً لإدارة الجامعة. كذلك، قامت الإدارة بتجميد عمل كل من «كتلة أبناء البلد» الطلابية و«كتلة الجبهة» الطلابية حتى آخر السنة الدراسية، عـــــلماً أنها كانت قد قامت قبل الحادثة بأسبوع، بتجميد عمل «كتلة التجمع الطلابي» لمدة شهر على خلفية فعالية سابقة، وتم تقديم طالبين ناشطين فيها للجنة تأديبية.
تصرّف الطلاب العرب من «أبناء البلد» و«الجبهة» بسرعة. توجهوا إلى «مركز عدالة» القانوني بعد استشارة محاضرين يساريين في الجامعة، من أجل تقديم استئناف أمام المحكمة المركزية في حيفا ضد قرار الجامعة. وفعلاً، ألغت المحكمة قرار الجامعة بإبعاد الطلاب، وقضت بإعادتهم إلى مقاعد الدراسة لحين انعقاد جلسة لجنة الطاعة للبتّ في القضية.
وكان عدد من الطلاب العرب قد تظاهروا في الجامعة ضد قرار الإبعاد، عند عقد جلسة الاستماع للطلاب بالجامعة. وثم تظاهروا لاحقاً أمام مقرّ اجتماع مجلس أمناء جامعة حيفا. فيما قام الطلاب العرب من كلية القانون بإعداد عريضة الكترونية رسمية حصدت ألف توقيع خلال 24 ساعة، وقّع عليها الطلاب العرب من جامعة حيفا والجامعات الإسرائيلية الأخرى. وهي عريضة تندد بسياسة كم الأفواه التي تمارسها الجامعة بحق الطلاب العرب. أضف إلى ذلك إطلاق عريضة أخرى وقع عليها 90 أستاذاً محاضراً و400 طالب، تستنكر منع الطلاب العرب من إحياء ذكرى النكبة.
ورغم المنع والملاحقة، وكتصعيدٍ لمواجهة قرارات الجامعة، أحيا الطلاب العرب ذكرى النكبة بفعالية إضافية في تاريخ 19 / 5، تضمنت توزيع 70 بلوزة مختلفة تحمل كل منها اسم قرية مهجرة مختلفة (70 قرية مختلفة)، ووقف المشاركون دقيقة صمت حداداً على شهداء فلسطين منذ النكبة وحتى الذكرى 66 لتهجير الشعب الفلسطيني. تم ذلك في الساحة الرئيسية لجامعة حيفا. في المقابل، قام ناشطو اليمين الصهيوني بتصوير الطلاب العرب في أثناء الفعّالية، وسعوا لاستفزازهم واستدراجهم إلى مشادة كلامية بين الطرفين.
وكانت إدارة جامعة حيفا قد عقبت على العريضتين بالقول إن الجامعة لم تحاول كمّ الأفواه بتاتاً. وجاء في ردها: «جامعة حيفا من الجامعات الرائدة بكل ما يخص التعايش بين المجموعات المختلفة في دولة اسرائيل، بينها اليهود والعرب، الذين يشكلون معا صرحاً أكاديمياً متطوراً ورائداً».
وأضافت الإدارة في تعقيبها: «للأسف هناك بعض المتطرفين من الطرفين الذين يحاولون المسّ بهذا النسيج المهم جداً، وتأجيج الأجواء في الحرم الجامعي. وعندما حدث هناك خطر فعلي على سلامة الجمهور في الحرم الجامعي عقب زيارة شخص أدين في الماضي بمخالفات ضد أمن الدولة وأكدت المحكمة أنه شخص ذو طابع بلطجي وعنيف، لم نسمح بالفعالية. للأسف، في الحدث الذي يدور الحديث عنه، أخذ الطلاب القانون الى ايديهم واختاروا الإخلال بقرارات الجامعة رغم أنه تم تحذيرهم مسبقا أن نشاطهم قد يؤدي لاتخاذ إجراءات من جانب الجامعة».
وكان إيلان يفلبيرغ، الناطق بلسان جامعة حيفا، قد عقّب على خبر وقف الجامعة لنشاطات الحركات الطلابية العربية التي أحيت ذكرى النكبة، بالقول: «إن هدف جامعة حيفا الأساسي هو إنتاج أبحاث للمتفوقين، كما أننا نؤمن أيضاً بأن إحدى مهماتنا هي إتاحة المجال للحياة المشتركة لكل الفئات في المجتمع الإسرائيلي، ووافقنا هذا الأسبوع فقط على إقامة نشاطين جماهيريين للطلاب العرب». وأضاف قائلاً: «إن جامعة حيفا، لم تسمح بإقامة نشاط بمشاركة محمد كناعنة، الذي أدين بالتواصل مع عميل أجنبي والاعتداء على شرطي في ظروف خطيرة، والذي مكث في السجن على هذه التهم. وعليه، رفضنا مشاركته حفاظاً منا على أمن كل الأكاديميين والعاملين في الجامعة، ومن منطلق تخوفنا من الإخلال بالنظام»، وفقا لادعاءاته. وختم قائلاً: «بعدما أقام الطلاب من «حركة أبناء البلد» و«الجبهة الطلابية» النشاط الجماهيري رغم معارضتنا له، ومن دون الحصول على موافقة، قرر مكتب عميد الطلبة أن المجموعتين ممنوعتان من إقامة وتنظيم أي من النشاطات الجماهيرية حتى نهاية الفصل الدراسي الجاري. كما سيتم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الطلاب الذين نظموا الفعالية دون موافقة الجامعة».

الجامعة تتراجع عن الحظر

مجموع هذه الأحداث لا يشكّل نهاية التطوّرات التي شهدتها أزمة «جامعة حيفا». فقد قدّمت مؤسسة «عدالة» التي ترافعت عن الطلاب المبعدين، التماسا باسم كتلتي «أبناء البلد» و«الجبهة» الطلابيتين للمحكمة المركزية تعترض فيه على قرار الجامعة بمنع تنظيم أي نشاط طلابي حتى نهاية العام الدراسي، لكن المحكمة رفضت الالتماس، وغرّمت الكتلتين مبلغ 14 ألف شيكل (تقريباً 4 آلاف دولار أميركي)، بدل المصاريف التي دفعتها الجامعة لقوات الشرطة والأمن في يوم نشاط ذكرى النكبة (!). استأنفت «عدالة» قرار المحكمة، فيما وجّه عميد الطلبة رسالة عبر البريد الإلكتروني لكل الطلبة في «جامعة حيفا» يعلن فيه نصره على «صانعي الفوضى» (بحسب تعبيره)، ووصف قرار المحكمة بـ«العادل والمنصف»، ويحافظ على حرية التعبير.
«العليا» قبلت الخوض في تفاصل الاستئاف الذي تقدم به مركز «عدالة» باسم الطلاب العرب. وعلى ضوء تحديد جلسة الاستئناف في «العليا»، ألغت الجامعة قرارها ورفعت الحظر عن نشاط الكتل الطلابية، كما تنازلت عن الغرامة التي فرضتها المحكمة المركزية على الطلاب. طبعاً، لم يأت ذلك عن طيب خاطر ولا لسعة صدر، وإنما لمنع إمكانية حدوث سابقة قضائية تقف فيها «العليا» في صفّ الطلاب، عدا إحراج الجامعة كان سيشكل «لجاما» لها في سياسة تعاملها مع النشاط الطلابي.
أما في 5 حزيران الجاري فقد انعقدت «لجنة الطاعة» بحق الطلاب الخمسة المتهمين. رفضت إدارة الجامعة وجود محاميي دفاع عنهم، علماً أن دستور الجامعة وقوانينها الداخلية تكفل ذلك. فما كان من أحد الأساتذة العرب إلا أن ترافع عن الطلاب أمام اللجنة. الجلسة لم تسفر عن أي نتائج عملية، وتم تحديد موعد لجلسة قادمة في تاريخ اليوم (16 حزيران) حيث سيتم عرض «تصوير فيديو للطلاب في أثناء النشاط غير المرخّص». وفيما ينتظر الطلاب العرب انعقاد الجلسة الثانية لها، يُتوقع أن تقوم «لجنة الطاعة الجامعية» بحكم الطلاب بساعات خدمة، مثلما كانت الحال مع الطالبين («كتلة التجمع الطلابي») اللذين واجها لجنة الطاعة سابقاً.

إيجابيات يُبنى عليها

نجحت هذه القضية بتوحيد الطلاب العرب على اختلاف انتماءاتهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، بالإضافة إلى جذبها انتباه العديد من الطلاب الذين كانوا يعرفون سابقاً على أنهم غير مسيّسين. والسبب في ذلك يعود إلى أن القضية لم تخصّ حزباً أو حركة، فاتضح للطلاب خطورة انكشافهم. والأهم من ذلك كله، فهو توجّه الطلاب العرب إلى اعتماد سياسة المقاطعة في وجه النقابة الصهيونية في جامعة حيفا، لدورها في قمع حرية التعبير للطلاب العرب وثنيهم عن مواجهة الاحتلال، في الجامعة ولاحقاً كمتخرجين في المجتمع.
بالإضافة إلى أهمية إثارة الموضوع في الرأي العام ووسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية والأجنبية، كورقة إحراج كبيرة للجامعة التي تسوق نفسها على أنها مركز التعايش الأكاديمي وتجني أموالاً وتبرعات من وراء ذلك (وخصوصاً في ظل تصاعد حملة المقاطعة الدولية لإسرائيل)، فإن ما حدث يمكن اعتباره مثالاً واضحاً لوجوب إعادة إحياء «لجنة الطلاب العرب» التي كانت تشكل في السابق صرحاً منيعاً لمواجهة السياسات القمعية والعنصرية المختلفة بحق الطلاب العرب.
إن هذه الأحداث تعيدنا إلى زمنٍ آخر، وقت نظمت التظاهرات الطلابية «لجنة الطلاب العرب» خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان ســــــنة 1982، حيـــــث استدعت الجامعة الشرطة لقمع التظاهرة فما كان من «لجنة الطلاب» إلا أن أقامت الدنيا ولم تقعدها فوق رأس الجامعة لتجرئها على إدخال رجال الشرطة إلى الحرم الجامعي. هذه القوة التي تجمّعت هذه الأيام في أيدي الطلاب العرب، تدعونا إلى إعادة النظر بالوضع الراهن. فعلى ما يبدو، كل ما ينقص في النهاية هو التنظيم الجدّي وتنسيق الصفوف، وقد تمت الثانية بسبب تعنت إدارة الجامعة، فلم يبق إلا الأولى.
ختاماً، يشار إلى أن فعاليات إحياء الطلاب العرب لذكرى النكبة قد تمت أيضاً في كل من «جامعة تل أبيب» و«جامعة القدس العبرية». وفي الحالتين، تمت محاولة تشويش سير الفعالية وعرقلتها من قبل الحركات الطلابية الصهيونية ورجال الشرطة. وفي «جامعة القدس العبرية»، تم الاعتداء على الطلاب العرب فعلياً من قبل رجال الأمن والشرطة ووحدات الشرطة الخاصة.