| 

باستثناء يومي الجمعة والسبت، تقتحم جماعات استيطانية إسرائيلية المسجد الأقصى بالعشرات أحياناً وبالمئات في مرات أخرى، بحماية من الشرطة الإسرائيلية، عبر باب المغاربة الواقع في الجدار الغربي للمسجد الأقصى، الذي تسيطر عليه الشرطة الإسرائيلية منذ احتلالها القدس الشرقية في العام ١٩٦٧. وتحلّ في هذا الشهر الذكرى السنوية السابعة والأربعين لاحتلالها، في وقت بات المسجد عنوان معركة مفتوحة وشبه يومية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تقسيم زمنيّ بين المسلمين واليهود؟

مع حلول الساعة الثامنة صباحاً من كل يوم، تبدأ الشرطة الإسرائيلية بنشر عناصرها في أرجاء المسجد استعداداً لتوفير الحماية لاقتحامات المستوطنين للمسجد، التي غالباً ما تنتهي باعتقال واحد أو أكثر من طالب «مصاطب المعلم» الذين جرى إبعاد العشرات منهم عن المسجد، بأمر من الشرطة الإسرائيلية، لفترات تتفاوت ما بين أسبوع وستة أشهر.
وطلاب «مصاطب العلم» هم المئات من أبناء القدس الشرقية والداخل الفلسطيني الذين يمضون الفترة الممتدة ما بين الساعة السابعة صباحاً وحتى صلاة الظهر في حلقات تعليم القرآن والسنّة النبوية في المنطقة الممتدة من باب المغاربة حتى المصلى القبلي المسقوف داخل المسجد، في مسعى منهم لإثبات الوجود الفلسطيني في المسجد، ولمنع المستوطنين من أداء طقوسهم الدينية فيه.
وليست الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى بالظاهرة المعزولة، إذ تشير معطيات «مركز وادي حلوة للمعلومات» إلى أن ١٣٠٠ مستوطن إسرائيلي اقتحموا المسجد في شهر نيسان / أبريل الماضي وحده، فيما جرى إبعاد سبعين فلسطينياً في الشهر ذاته عن المسجد لفترات تتفاوت ما بين أسبوع وستة أشهر بسبب تصدّيهم لهذه الاقتحامات.
ويقول مدير أوقاف القدس الشيخ عزام الخطيب لـ«السفير» إن التصعيد الإسرائيلي المرافق لهذه الاقتحامات يأتي في السياق ذاته لاقتصار حق الدخول إلى المسجد على من هم فوق ٥٥ عاماً، وإغلاق سبعة من أبواب المسجد العشرة. وهو يهدف إلى فرض واقع جديد في المسجد بتقسيمه زمنياً ومكانياً ما بين المسلمين واليهود، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل في جنوب الضفة الغربية.
ويرى الخطيب أن «الشرطة الإسرائيلية لا تتصرف بعقلانية، ومن شأن سياستها القاضية بتقييد دخول المصلين إلى المسجد في الوقت الذي يتم فيه تسهيل الاقتحامات الإسرائيلية له، أن يؤدي إلى احتكاكات واشتباكات وتطورات لا تحمد عقباها وتتحمل الشرطة الإسرائيلية مسؤوليتها».
وثمة ما يدعم المخاوف الفلسطينية، إذ بادرت رئيسة «لجنة الداخلية» في الكنيست الإسرائيلي، عضو الكنيست عن حزب «الليكود» ميري ريغيف، إلى اقتراح مشروع قانون لتقسيم المسجد زمنياً ومكانياً بين المسلمين واليهود لتمكين اليهود من الصلاة في المسجد. وعلى الرغم من مسارعة الحكومة الإسرائيلية، كما في كل مرة تشهد تقديم اقتراحات شبيهة، إلى تطمين الحكومة الأردنية، بصفتها الراعية للمقدسات في القدس، إلى أن لا تغيير في الوضع القائم في المدينة، إلا أن ثمة كثيرين يرون أن التقسيم الزمني للمسجد ليس إلا مسألة وقت.

غيّر الأكثرية.. غيّر عنوانك

بموازاة الاقتحامات، تنشط الحكومة الإسرائيلية في تهويد محيط المسجد عبر إقامة سلسلة من الكنس في محيط المسجد، كان أخرها كنيس «زهرة إسرائيل» الذي دشنه وزير الإسكان الإسرائيلي في الذكرى السنوية الـ٤٧ لاحتلال القدس الشرقية وضمّها إلى القدس الغربية. أضف إلى ذلك، إقامة مركز استيطاني في مدخل بلدة سلوان، غرب الأقصى، وشقّ سلسلة أنفاق ما بين البلدة وحائط البراق، الذي يسميه اليهود حائط المبكى. ما يضاعف مخاوف الفلسطينيين، مواطنين ومسؤولين.
ويشرح خبير الاستيطان في «جمعية الدراسات العربية» خليل التفكجي لـ«السفير» أن «بناء الكنيس المسمّى «زهرة إسرائيل» ومن قبله كنيس «الخراب»، بالإضافة إلى العديد من المتاحف التي تُقام في منطقة الحي اليهودي وسلوان، هي محاولة لغسل دماغ زوار القدس الأجانب بأن هيكلاً وُجد أسفل المسجد الأقصى، وأن المنطقة يهودية».
وإن كان الاستهداف الإسرائيلي المباشر والمكثف للمسجد الأقصى هو ما غلب على الإجراءات الإسرائيلية خلال فترة العام الماضي، فإن فلسطينيون من سكان البلدة القديمة في القدس الشرقية يقولون أن السلطات الإسرائيلية ممثلة بوزارة الداخلية الإسرائيلية شرعت بالحدّ من عدد السكان داخل حدود البلدة القديمة، في إجراءٍ يمكن اعتباره بأنه جديد.
ويشرح ربيع، وهو من سكان البلدة القديمة، لـ«السفير» أنه اضطر، منذ عدة سنوات، «على الانتقال إلى حي شعفاط، إلى الشمال من بلدة القدس القديمة، بسبب عدم وجود متسع في بيت العائلة في البلدة القديمة. وقد فوجئت مؤخراً بأن الموظف في وزارة الداخلية الإسرائيلية يطلب مني تغيير مقر إقامتي من البلدة القديمة إلى شعفاط. وعند إصراري على عدم تغيير العنوان، فإنه رفض إصراري، وقام بالفعل بتغيير العنوان».
ويقول مسؤولون فلسطينيون في المدينة إن الحكومة الإسرائيلية تسعى لإيجاد أغلبية في البلدة القديمة من اليهود على حساب الأغلبية الحالية من السكان الفلسطينيين، استعداداً لأي تسوية سياسية مع الفلسطينيين.
ويمتد الاستهداف الإسرائيلي إلى المحيط المباشر للبلدة القديمة، وتحديداً إحياء سلوان والشيخ جراح وجبل الزيتون، وذلك عبر إقامة مستوطنات إسرائيلية في داخل الأحياء الفلسطينية. وفي هذا الصدد، يقول التفكجي إن الحكومة الإسرائيلية «تنشط في إقامة المستوطنات في داخل الأحياء الفلسطينية. وعلى سبيل المثال، فقد انتهت السلطات الإسرائيلية من إقامة مستوطنة من 22 وحدة استيطانية لصالح المدرسة الاستيطانية «بيت أوروت» على جبل الزيتون المطل على القدس القديمة. وقد تم الانتهاء من إقامة 104 وحدات استيطانية على أراضي حي رأس العمود في ما كان مركزاً للشرطة الإسرائيلية، قبل أن يتم تحويل المركز إلى منطقة المشروع الاستيطاني (E1) إلى الشرق من مدينة القدس».
وأوضح التفكجي: «بالإجمال، قد تم إقامة 8780 وحدة استيطانية في المستوطنات والبؤر الاستيطانية في القدس الشرقية في الفترة ما بين العام 2000 و2013 وما زالت هذه العملية مستمرة».

بيت حنينا، عاصمة لفلسطين

بموازاة البؤر الاستيطانية في داخل الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، عمدت السلطات الإسرائيلية مؤخراً إلى استخدام أراضي القدس الشرقية للربط ما بيـــــــن المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي القـــــدس الشرقية وبين القدس الغربية. إذ، بالإضافة إلى القطار الخفيف الذي يربط القدس الغربية مع مســــــتوطنات التلة الفرنسية وبسغات زئيف والنبي يعقــــــوب من خلال المرور في أحياء فلسطينية أبرزها بلــــــدة شعفاط، فقد تم مؤخراً فتح شارع باسم والد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بن تسيون نتنياهو، يشــــــقّ بلدة بيت حنينا ليربط مستوطنة بسغات زئيف بشارع موديعين المؤدي إلى تل أبيب، كما تم شق شارع على أراضي شعفاط لصالح مستوطنة (رامات شلومو).
يقول التفكجي: «كل هذه الأعمال الاستيطانية على الأرض تعطي الانطباع للمواطن العادي بأن تحويل القدس الشرقية إلى عاصمة للدولة الفلسطينية ما هو إلا مجرد حلم».
وإلى ذلك، فقد أكد مسؤول فلسطيني كبير لـ«السفير» أنه «خلال المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية الأخيرة، اقترح الجانب الأميركي بلدة بيت حنينا كعاصمة للدولة الفلسطينية».

إلغاء إقامة 14309 فلسطينياً فيها

لا يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على الحجر، وإنما تعداه ليطال البشر. إذ تشير معطيات رسمية إسرائيلية إلى أن الفترة الممتدة ما بين العامين 1967-2013 شهدت إلغاء إسرائيل لإقامة 14,309 فلسطينيين من سكان القدس الشرقيّة، بينها 106 في عام 2013.
وتتعامل الحكومة الإسرائيلية مع الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية على أنهم مقيمين، ولذلك، فهي تعمد إلى شطب إقامة الفلسطيني الذي لا يثبت إقامته في المدينة لمدة 7 سنوات متواصلة أو في حال ثبت حصوله على جنسية أجنبية.
إلى جانب ذلك، تواجه آلاف العائلات في القدس الشرقية الكثير من المصاعب الناتجة عن تعديل قانون المواطنة الإسرائيلي، الذي لا يحق بموجبه لسكان المناطق المحتلة المتزوّجين لسكان أو مواطنين إسرائيليين، الحصول على مكانةٍ ما في إسرائيل، باستثناء تصاريح إقامة مؤقتة في أفضل الحالات.
ومنذ الاحتلال الإسرائيلي للمدينة في العام 1967، صادرت إسرائيل ثلث أراضي الفلسطينيين في القدس، وشيّدت عليها عشرات آلاف الشقق الاستيطانية لصالح السكان المستوطنين الإسرائيلين، أبرزها مستوطنات التلة الفرنسية وبسغات زئيف والنبي يعقوب وهار حوماه، بالإضافة إلى الحي اليهودي الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف في البلدة القديمة في القدس.
من جهة أخرى، صنفت نسبة 35 في المئة من الأراضي المخطّطة في الأحياء الفلسطينيّة على أنها مناطق خضراء يُحظر البناء عليها. ويقدر مستشار شؤون القدس في الرئاســـــة الفلســـــطينية أحمد الرويضي، أن «ثمة ألاف الوحدات السكنية التي أقامها الفلسطينيون في أحياء القدس الشــــــرقية من دون رخص بناء من بلدية القدس الغربية، بعد امتناع هذه البلدية عن إصدار رخص البناء لهم، ورفضها مخططات هيكلية أعدوها لمناطقهم في محاولة لدفع هذه البلدية لمنحهم رخص البناء». ويقدر الرويضي بأن «ثمة حاجة لأكثر من 10 آلاف شقة سكنية في المدينة في وقت هدمت فيه بلدية القدس الغربية 17 بيتًا ومبنًى على الأقلّ منذ مطلع العام 2014».
وتقول جمعية «حقوق المواطن» في إسرائيل أن «اللجنتيْن المحليّة واللوائيّة للتخطيط والبناء لا تدفعان قدماً مخططات قُدّمت من أجل تطوير الأحياء الفلسطينيّة. في نيسان 2014، تقدّم سكانٌ من المحكمة مطالبين البلديّة بدفع مخطط البناء في السواحرة قدماً، الذي جُهّز منذ عام 2008». وتضيف: « فقط نسبة 4 في المئة من مساحة القدس الشرقيّة مُخطّط لغرض البناء الفلسطينيّ السكنيّ»، مشيرة إلى أن نسب البناء القصوى في الأحياء الفلسطينيّة «تصل إلى 25%-50%، فيما تراوح في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي المدينة ما بين 75%-125%».
وعلى الرغم من ذلك كلـــــه، فإن أعداد الفلسطينيين في المدينة تزداد. إذ أشار «مركز القدس لدراسات إسرائيل» شبه الحكومي، إلى أن عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي بلغ 815 ألف نسمة، من بينهم 515 ألفاً من اليهود و300 ألف من العرب. ولفت في هذا الصدد إلى أن نسبة العرب في المدينة بلغت 37 في المئة، علماً أن السياسات الإسرائيلية تهدف أساساً إلى ألا تزيد النسبة عن 22 في المئة.