| 

رقصت فلسطين من غزّة إلى الضفّة حتى ساعات الصباح الأولى ابتهاجاً في 30 أيار الماضي، يوم اخترق منتخبها الوطني في كرة القدم الحصار المفروض عليه، ضمن جملة الحصارات التي أثقلت كاهل الشعب الفلسطيني، وحقّق تأهله إلى نهائيات كأس آسيا (تقام مطلع العام المقبل في أستراليا). وانهالت الاتصالات المهنئة من العالم على الرئيس محمود عباس الذي أعد استقبالاً غير مسبوق لبعثة المنتخب العائدة من المالديف.
في المقابل، لا تميز إسرائيل في تعاطيها مع الشعب الفلسطيني بين السياسة والرياضة. قهرٌ وتنكيلٌ وتضييقٌ وعنصرية. وكذلك المجتمع الدولي والفيفا، إذ يبدو الاتحاد الدولي لكرة القدم كمن يعتمد سياسة الخداع والالتفاف والتخدير الحماسي، لمحاصرة هذا الشعب.. فالمنع من السفر يُترجم في الفيفا «انسحاب من مباراة»!
ممنوعون من السفر
انضمّ الاتحاد الفلسطيني إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في العام 1998. استضاف مباراته الدولية الأولى بعدها بعشر سنوات أمام منتخب الأردن، في ملعب فيصل الحسيني الدولي المشيّد بتمويل جزئي من الفيفا.
واجهت الكرة الفلسطينية ولا تزال صعوبات كبيرة لا تختلف بشيء عن معاناة أبنائها. لاعبوها واداريوها ممنوعون من التحرك بحرية لخوض المباريات. حتى التبرعات والمعدات الرياضية لا تدخل الأراضي المحتلة، فضلاً عن تعطيل غالبية مشاريع المنشآت من قبل الاحتلال.
عانى الاتحاد الفلسطيني ولا يزال خطر الغياب عن المباريات الخارجية وعاش هاجس عدم إصدار تصاريح السفر اللازمة ومنع فلسطينيي الـ48 من الانضمام الى المنتخبات. كان «الفيفا» يخدر قيادة الاتحاد الرياضية بمواقف ظلت حبراً على ورق. وكان، في المقابل، يعدّ المنتخبات الفلسطينية منسحبةً في كل مرة ترفض الحكومة الإسرائيلية السماح بسفر البعثات الرياضية. ولعل أفظع هذه التجارب كان بمنع 18 لاعباً من السفر لخوض مباراة أمام منتخب سنغافورة ضمن التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2010، فأعلن المنتخب الفلسطيني حينها انسحابه من تصفيات كأس التحدي الآسيوي 2008 بسبب «عدم قدرة اللاعبين والطاقم التدريبي على الانتقال بين قطاع غزة والضفة الغربية».
لقي عددٌ من اللاعبين مصرعهم جراء الصراع العربي - الإسرائيلي. رحل اللاعب وجيه مشتهى، وهو أحد مقاتلي «حركة الجهاد الإسلامي»، والمهاجم الكروي أيمن الكرد في أثناء العدوان على قطاع غزة بين العامين 2008 و2009. ودمّر ملعب اليرموك أهم المنشآت الرياضية. يومها، قال رئيس الفيفا جوزيف بلاتر إن «وضع الرياضة الفلسطينية غير مقبول»، ووعد ببذل كل ما في وسعه لدعم الاتحاد الفلسطيني، وتمت مناقشة المصاعب.
بقي الوضع على حاله حتى يومنا هذا، لكن الاتحاد الفلسطيني قرر اعتماد سياسة حكومته، علّه يفلت بإنجاز على شاكلة قبول عضوية بلاده في الأمم المتحدة التي انتزعها هذا العام.
خاض تصفيات كأس التحدي الخاصة بالدول النامية. تصدّر مجموعة تضمّ بنغلادش والنيبال وجزر ماريانا الشمالية. تأهل إلى نهائيات مجموعته في المالديف، وهنا بدأت ترتسم معالم الحلم وصولاً إلى المباراة النهائية أمام الفيليبين.
أطلقت صافرة الختام يوم الجمعة في المالديف قاضية بفوز فلسطين بهدف وحيد للمبدع أشرف نعمان! دقت قلوب الرياضيين الفلسطينيين كما لم تدقّ من قبل. كيف لا وسوف يرون علمهم يرفرف في أستراليا خلال نهائيات كأس آسيا للمرة الأولى في تاريخهم؟
كان المشهد رائعاً من غزّة الى الضفة. شباب ونساء ورجال وأطفال تابعوا النهائي عبر شاشات عملاقة. لوّحوا بالأعلام وهتفوا لفلسطين. وانطلقت المركبات مطلقة أبواقها، والاعلامُ تتمايل بين الأيادي. رموا همومهم ومعاناتهم ووجهوا صفعة لاحتلال يحاول كل يوم إعاقة حرية الحركة الرياضية، وبعثوا برسالة صمود إلى أسراهم المضربين عن الطعام في سجون الاعتقال الإداري.
«أبو مازن» الرياضة
إذا صحّ التعبير، فإن رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم اللواء جبريل الرجوب يعتمد في الرياضة أسلوب رئيس سلطته محمود عباس في السياسة. تماماً كما يتعاطى أبو مازن مع أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، نرى أبو رامي يحاول تحصيل أكبر قدر من المكاسب من إمبراطور الفيفا جوزف بلاتر، علماً أن نفوذ السويسري المنتخب بأصوات غالبية دول العالم في مجاله الكروي أقوى بكثير من صلاحيات الكوري الجنوبي المعين في المنظمة الدولية برضى الإدارة الأميركية واللوبي الصهيوني.
لكن أوجه الشبه كثيرة ما بين الفيفا والأمم المتحدة. فكلاهما تديرهما «مافيا» لا تظهر في الواجهة. وعليه، فإن كل طرف يسعى للاستفادة من الآخر من دون المساس بمسلمات لا يمكن تجاوزها لأنها أكبر من الطرفين.
وبعد هذا الإنجاز الكروي النوعي، تعزّزت شعبية الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني. فالانتصار الذي وصفه الرجوب بالأفضل في تاريخ رياضة بلاده، يتزامن مع حملة الدفاع عن حقوق رياضييه لدى الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية. فقد ذهب بعيداً إلى حد المطالبة بطرد الكيان الغاصب من عضوية الجمعية العمومية المقبلة للفيفا التي ستنعقد على هامش كأس العالم في البرازيل هذا الشهر. شعارٌ يدرك الأسير السابق في سجون الاحتلال أنه لن يصل الى أي مكان بغض النظر عن طرحه في أروقة جمهورية كرة القدم.
في المقابل، يرد بلاتر بكلمات تدغدغ مشاعر العرب المقاومين مستغلاً الأحقية الفلسطينية والتعاطف الدولي لمصلحته، بالقول إن الفيفا يتعامل مع أزمة الكرة الفلسطينية الاسرائيلية بسياسة «الخطوة خطوة»، وهي في الواقع لا تعدو كونها «تخدير وراء تخدير» و«كذبة تلو الكذبة».
والدليل على ذلك عبارته الشهيرة خلال زيارته الأخيرة إلى الضفة، بأن الفيفا يضع منذ سنوات نصب عينيه هدفاً سامياً من أجل واقع ومستقبل الكرة الفلسطينية، لكنه يشدد في الوقت ذاته على النظر كذلك إلى إسرائيل كعضو في أسرته.
يتجاهل بلاتر دعوة الرجوب ويمرّر إشارات عن أهمية مواصلة الجهود من أجل الوصول إلى صيغة تخفف من معاناة كرة القدم الفلسطينية وتعزز من دور كرة القدم في السلام والتعايش بين الشعوب.
مشروعٌ أبعد من الرياضة
ثمة أكاديمية لتعليم فنون الكرة في الضفة تحمل إسم بلاتر. وثمة من يلمح في الأوساط الفلسطينية إلى أن جبريل الرجوب يتحول شيئاً فشيئاً إلى مرشح للعبور إلى الرئاسة الفلسطينية بعد أبي مازن. باتت شعبيته وازنة، وهو من الرجال التوافقيين المرضي عنهم من الأطياف المؤثرة داخلياً وخارجياً كافة لأنه «شابك» معها جميعاً.
ويأتي تتويج المنتخب ضمن نجاحات تحققت بعد تولي اللواء الرجوب رئاسة الاتحاد في العام 2008. علماً أنه وصل إلى هذا المنصب بعد عامين على خسارته الانتخابات التشريعية، واستقالته من منصبه كمستشار أمني للرئيس عباس.
ومن بوابة اللجنة الأولمبية واتحاد كرة القدم، عاد الرجّوب بقوة، وبزغ نجمه السياسي مجدداً، علماً أنه فاز في انتخابات قيادة «حركة فتح» في العام 2009.