| 

«هل سيُصرف الراتب؟»، سؤالٌ يتردّد كثيراً في الشارع الفلسطيني، وتحديداً في أوساط العاملين في القطاع العام، أيّ لدى السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد عاد للتداول إثر القرار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية في مطلع نيسان الماضي بالانضمام إلى 15 اتفاقية ومعاهدة دولية، لكن اشتدّت وطأة التساؤل هذه إثر اتفاق المصالحة الأخير الذي وقع بين وفد من «منظمة التحرير الفلسطينية» وسلطة حركة «حماس» في قطاع غزة، في الثالث والعشرين من نيسان الماضي أيضاً. فقد قوبلت الخطوتان بردود فعل دولية متباينة، أتى أبرزها من الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل. إذ عبّرتا عن قلقهما إزاء مسألة اتفاق المصالحة، وما تضمنه لجهة تشكيل حكومة جديدة من المستقلين تحديداً.
تضاعفت وتيرة التساؤلات حول الرواتب نتيجة كون نسبة تقارب السبعين في المئة من إيرادات السلطة الكلية تأتي من العائدات الضريبية التي تجمعها إسرائيل شهرياً، وتتراوح قيمتها ما بين 100-125 مليون دولار. وقبل أن تقوم بتحويلها للسلطة، تقتطع منها مبالغ متباينة القيمة نظير خدمات تقدمها الدولة العبرية، مثل العلاج الطبي في مستشفياتها للمواطنين الفلسطينيين، أو فاتورة الكهرباء، إلخ. وعقب إعلان الاتفاق الذي اصطلح على تسميته بـ«إعلان غزة»، هدّد أكثر من مسؤول إسرائيلي بتجميد تحويل العائدات الضريبية للسلطة، وإن لم يُنفّذ التهديد خلال أيار الماضي.
ولا يعتبر تجميد العائدات الضريبية إجراءً جديداً، إذ تكرر أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وقد بلغت قيمة المبلغ المجمّد في العام الماضي 1.67 مليار دولار. لكن، بالنسبة إلى عشرات الآلاف من موظفي السلطة الذين يسددون قروضاً مصرفية، فإن عدم دفع الرواتب يعني بالإجمال زيادة الضغوط المالية الملقاة على عاتقهم.
يُذكر أنه في حال حدوث تأخير في دفع الرواتب التي تصرف عادةً في الأسبوع الأول من كل شهر، وتحديداً في اليوم الخامس منه، توعز الجهات الرقابية للمصارف بعدم فرض أي فوائد إضافية على التأخير، والسماح للموظفين المقترضين بتأجيل سداد الأقساط.

مواطنون وقروض

يقدّر عدد العاملين في مؤسسات السلطة في الضفة وغزة ما بين 150 و180 ألف موظف، بين مدني وعسكري. ويقدّر عدد الحاصلين منهم على قروض، حتى الثلث الأول من العام الماضي، بنحو 77 ألفاً، اقترضوا نحو 650 مليون دولار. وتصل فترات سداد قيمة جزئية من القروض إلى 20 عاماً، ما يضطر الكثير من الموظفين «الحكوميين» إلى العمل في أكثر من مهنة أو وظيفة، سعياً لتوفير بعض الدخل الإضافي، خاصةً إذا كانت قيمة القسط الشهري للقرض كبيرة.
يُذكر أن التقديرات تشير إلى قيام «حماس»، منذ سيطرتها على قطاع غزة في العام 2007، بتعيين نحو 20 ألف موظف مدني، ولكنها عجزت عن دفع رواتب الموظفين في قطاع غزة كاملة خلال الأشهر القليلة الماضية، علماً أنها كانت تؤمن هذه الرواتب خلال السنوات التي تلت «الانقسام الفلسطيني».
ويُعتبر الموظف س.ع. (من إحدى قرى رام الله)، أحد النماذج الدالّة على هذا الوضع، إذ يسدد قرضاً بقيمة 25 ألف دولار، لا يبقي له من راتبه الذي يبلغ نحو 450 دولاراً، إلا نحو 200 دولار شهرياً. يشرح: «أضطر إلى العمل في مدينة ألعاب للأطفال مساءً، عدا وظيفتي العمومية، لتوفير المزيد من المال لسداد الالتزامات المترتبة علي شهرياً. فما يتبقى من راتبي لا يمكن أن يعيلني أنا وزوجتي وطفليّ الإثنين».
طلب هذا المواطن القرض لمصلحة شقيق زوجته الذي أراد اطلاق مشروع صغير خاص به، لكن المشروع تعثر وفشل، ما دفع بصاحبه في نهاية المطاف إلى السفر إلى إحدى الدول الأوروبية، حيث طلب لجوءاً سياسياً، واعداً بسداد الدين لنسيبه حين ميسرة. ويقول ع.: «بات وضعي المالي صعباً، فالالتزامات لا تكاد تنتهي. لذا، قررت أن أعمل في مدينة الألعاب، التي يصل راتبي فيها إلى نحو 15 دولاراً يومياً».
ورغم إمكانية تأجيل دفع الأقساط المصرفية في حال تأخير الرواتب أو عدم صرفها كاملة، إلا أنه يقول: «قائمة الالتزامات لا تكاد تنتهي، وبالتالي، فإن عدم دفع الراتب يعني المزيد من الضغوط اليومية».

اقتصادياً: للأزمة سياق

لا تقتصر سياسة الاقتراض من المصارف على الموظفين فقط (يقترض كثيرون ثمن شقة للسكن أو سيارة للضرورة)، بل تمتد لتطال «السلطة» نفسها. فقد أعلنت وزارة ماليّتها في أكثر من مناسبة أن مديونتها لمصلحة المصارف تصل إلى 1.2 مليار دولار، علماً أن مديونية السلطة ككل سواء للمصارف أو القطاع الخاص، أو لجهات خارجية، تتجاوز الـ 4 مليارات دولار، وفق ما أعلنت الوزارة ذاتها.
ويحذّر مراقبون وخبراء اقتصاديون من خطورة الوضع الاقتصادي القائم في الأراضي الفلسطينية. ورغم التوقعات وأجواء التفاؤل التي رافقت استئناف المفاوضات الأخير بين السلطة وإسرائيل، ورغم اقترانها بإعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري لخطة اقتصادية، فالخبراء يقللون من إمكانية نجاح المبادرة في تحقيق «انتعاش» اقتصادي.
يشرح الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم أن «هناك أزمات اقتصادية مركّبة وعميقة، وهذه الأزمات متوارثة ويجب أن تفهم في السياق التاريخي للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فهي ليست وليدة لحظة أو سياسات أو اجتهادات فنية. إن الاتفاقيات التي وقّعت قبيل قيام السلطة، رحّلت الاختلال البنيوي في الاقتصاد الفلسطيني إلى المرحلة الانتقالية (كان يفترض أن تنتهي في العام 1999)، حيث كان ينتظر أن تتم ولو جزئياً حلحلة بعض الأزمات، وإحداث نوع من الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي. لكن الاتفاقيات وممارسة اسرائيل على الأرض، من حيث استمرارها في التغوّل الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على المعابر، وعدم التزامها بالاتفاقيات رغم التحفظ على نصوصها، وتنفيذها فقط بما يتناسب مع مصالحها ومخططاتها، هي عوامل جعلت كل حلّ مأمول به يتلاشى شيئاً فشيئاً. وبالتالي، بدا كأن الاقتصاد الفلسطيني يعيش الأزمات ذاتها التي كان يعيشها قبل قيام السلطة».
ويردف عبد الكريم: «لا شك في أن تحسناً حصل على صعيد الاقتصاد الكلي، لكن هذا التحسن يمكن وصفه بأنه غير مستدام، وغير تنموي، وإنما هو حاصل بفعل الإنفاق الحكومي الكبير الذي يعتمد في جانب أساسي منه على المساعدات لسدّ العجز في الموازنة، وقد بلغت قيمته نحو 1.5 مليار دولار في العام الماضي، بحسب وزارة المالية. إن المشهد الاقتصادي الفلسطيني لم يتغيّر بصورة جوهرية منذ العام 1994 (قيام السلطة) وحتى الآن، وبقيت الأزمات الاقتصادية ذاتها تفرض نفسها».
ويحدّد د. نصر عبد الكريم أبرز التحديات والأزمات الاقتصادية الراهنة، «بدايةً بظاهرتي الفقر والبطالة، فقد كانت نسبة البطالة عشية الانتفاضة الثانية في العام 2000 نحو 11 في المئة، وهي نسبة عالية. لكنها ارتفعت إثر اندلاع الانتفاضة وما بعدها لتتخطى اليوم نسبة 25 في المئة، بحسب الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني. وبالتالي، فإن هذا النمو الاقتصادي لا يعكس نفسه على معدلات البطالة».
ويرى أن الاستدامة المالية للسلطة ذاتها هي تحدٍّ قائم بذاته: «استدامة السلطة تعتمد على عاملين، أولهما ارتهانها إلى قرار سياسي أمني اسرائيليّ في ما يتعلق بتحويل مستحقاتها الضريبية، وهو ما توظفه اسرائيل سياسياً، فتسود حالة من عدم اليقين فيما يتعلق بإيرادات السلطة. أما العامل الآخر فيكمن في اعتماد السلطة في تمويل ثلث الموازنة على المساعدات. ومع تنامي احتياجات الشعب الفلسطيني عاماً بعد آخر بحكم تنامي النفقات، فإن الاستدامة المالية أصبحت أمراً يصعب تحقيقه».
ويضيف: «تحدٍّ آخر امام السلطة، هو العجز الكبير في الميزان التجاري لمصلحة اسرائيل، التي عمدت منذ احتلالها للضفة وقطاع غزة إلى إبقائهما سوقاً لمنتجاتها وخدماتها. وبالتالي، فإن العجز في الميزان التجاري وصل إلى نحو 4 مليارات دولار تقريباً، بينما نحن نصدر ما بين 700-800 مليون دولار».
ويبين أن «تآكل القاعدة الإنتاجية مــــثل الزراعة والصناعة وغيرهما، وبروز قطاعات غير إنتـــــاجية مثل الخدمات والتجارة، هي عوامل تشكّل تحدّ إضافي في الجانب الاقتصادي»، لافتاً إلى أن «هذا الوضع انعكس سلباً سواء لجهة توفير أعداد كبيرة من فرص العمل، أو حتى القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية».
ويقول عبد الكريم: «التحدّي الآخر الذي نعيشه هو همّ المواطن اليومي، والمتمثل أساساً في عدم تناسب الأجور مع مستويات الأسعار. وهذا له آثار بالغة على جودة الحياة، إذ إن الأجور الحقيقية لم تزد خلال الأعوام العشرة الأخيرة عن نحو 20 دولاراً يومياً، بينما ارتفع منذ العام 2004 وحتى الآن مؤشر الأسعار بنسبة 42 في المئة». ويتابع: «مَن كان لديه دخل كافٍ قبل سنوات عدة، بات الآن بحكم ارتفاع الأسعار يحظى بدخلٍ لا يكفيه. وهذا يعني أن جانباً من العاملين بأجر لم يعودوا قادرين على الإيفاء باحتياجاتهم والتزاماتهم. وبالتالي، لو سألت المواطنين عن تطلّعاتهم، ستقول الأكثرية بينهم: عملٌ لائق، وأجرٌ لائق، أو كافٍ لتأمين حياة كريمة». ويوضح عبد الكريم أن المشهد الاقتصادي مرتبط بنظيره السياسي منذ نشأة السلطة، «لذا ليس غريباً عندما يبرز حديث عن انسداد أفق التسوية، ويقدم كل طرف على خطوات أحادية، أن تطفو على السطح تساؤلات لدى المواطن حول التداعيات الاقتصادية لهذه الحال».

المعنى الاجتماعي لقلق الراتب

يرى الخبير الاجتماعي ومدير مركز «العالم العربي للبحوث والتنمية أوراد» د. نادر سعيد أن «واحدة من أكثر القضايا التي تخيم على الحالة الفلسطينية، وبالتالي، على النسيج والتركيبة الاجتماعية، هي مسألة الإحساس بما يعرف بـ«الانكشاف»، وهو متجلّ في شعور الناس بعدم الطمأنينة، الاستقرار، والأمان على المدى البعيد. والشعور بالانكشاف يقترن بجانبين، أولهما يتمثل في عدم قدرة الفلسطينيين على التحكّم بالأرض والمصادر الطبيعية والحدود، وبالتالي، الشعور بأنهم يحيون دون وجود أساسٍ إنتاجيّ واقتصادٍ متين، بينما يكمن الجانب الآخر في شعورهم بفراغ نتيجة الاعتماد على كمّ كبير من المساعدات الخارجية، وهذه المساعدات مرتبطة بدرجة كبيرة بالشق السياسي».
ويستدرك: «هذا الوضع يؤدي إلى حالة يمكن أن نسمّيها بـ «اللا معيارية» لدى المواطنين، أي الشعور بغياب هدف واضح وأهداف مشتركة بين مكونات المجتمع، ما يعني تفكيراً كثير من المواطنين بأن أية طريقة مشروعة لتحقيق الأهداف الذاتية أو الشخصية».
ويقول د. سعيد: «عندما تغيب الأهداف المشتركة، يصبح البحث منصبّاً على السعي إلى الطرق القصيرة، بصرف النظر عمّا إذا كانت شرعية أو غير شرعية، لتلبية الاحتياجات الشخصية. ما يعني تكريس حالة من الانفلات القيمي، تصاحبها حالة تشجيع كبير للنمط الاستهلاكي».
ويردف: «أغلب الأسر الشابة خاصة العاملة في السلطة الوطنية، تعيش بفعل الواقع القائم حالة من عدم الاطمئنان، والقلق النفسي، وهذا جو يمكن أن يؤدي إلى العنف، وغيره من المظاهر السلبية. بما أن الإطار العام لحياتنا الاجتماعية مرتبط بالجانب الاقتصادي، وفي ظل وجود اقتصاد غير صلب أو متماسك، وغير آمن، فإن حياتنا الاجتماعية تصبح أيضاً كذلك».
ويلفت د. سعيد إلى أن الرواتب، ومسائل أخرى مثل طبيعة الاستثمارات القائمة في الأراضي الفلسطينية، تمنح شكلاً «مضللاً» حول الثروة في المجتمع الفلسطيني: «الثروة تجعل الناس يميلون إلى الاستهلاك، وبما أن توزيع المال والثروة لا يتم بصورة عادلة، ويتركز في أوساط معينة تعيش حالة من الثراء الفاحش، فإن بقية المجتمع تعيش بصعوبة ومع ذلك تسعى بدورها للوصول إلى الخدمات والمنتجات الاستهلاكية».
ويختم حديثه لـ«السفير» بالقول: «إن مجتمعنا يمرّ الآن بمرحلة وكأنه لا بد من أن يخوض غمارها، أسوة بأي مجتمع يتحول من حياة اجتماعية بسيطة إلى مجتمع حداثي، أي مجتمع فيه درجة عالية من الاستهلاك والانفتاح. هذه المرحلة ستستمر لفترةٍ طويلة حتى تصبح مؤسساتنا أقــــوى، والقيم أوضح، والمنظومة القيادية أكثر تماسكاً. وتلك مسائل أساسية تسبق انتقالنا من كــــوننا مـــجتمعاً هاوياً إلى مجتمع محترف، في إطار دولة ومؤسسات».