| 

على وقع ارتفاع أسعار الشقق في فلسطين، وخاصةً في مدينة رام الله التي تشهد ارتفاعاً حادّاً في الأسعار، ازداد إقبال المواطنين على قروض المصارف، من أجل شراء شقة سكنية تؤمّن لهم حياةً مستقرة. وقد نتج ارتفاع أسعار الشقق في رام الله عن إقبال المواطنين على المدينة بعدما أصبحت المركز التجاري والاقتصادي لمدن الضفة الغربية. فبات يتراوح سعر المتر المربع لشقّة في رام الله ما بين 700- 1200 دولار، تبعاً لنوعية التشطيب والمساحة والمنطقة.
غير أن شريحةً كبيرةً من المواطنين لا تستطيع إلى الاقتراض سبيلاً، نظراً للشروط التي تفرضها المصارف. إذ، لمنح قرضٍ، تشترط المصارف أن يكون المتقدّم للطلب موظفاً حكومياً. وإن لم يكن كذلك، فيجب عليه أن يضع ضمانات تغطي على الأقل كامل قيمة القرض. ما أدّى إلى خلق فجوة اجتماعية بين المواطنين. لتقليص تلك الفجوة، سعى الفلسطينيون إلى إيجاد بدائل عن القروض المصرفية، فكان من أهمها: شراء شققٍ سكنية عن طريق نظام الشيكات.

الشيكات بين الشاري والبائع

طبقاً لبيانات سلطة النقد، فقد بلغ عدد المقترضين من المصارف نحو 77 ألف موظف لدى السلطة الفلسطينية من أصل 180 ألف موظفٍ، بينما بلغ مجموع قيمة القروض في فلسطين 4.6 مليارات دولار أميركي. ويحوز قطاع الإنشاءات والعقارات على أعلى نسبة من القروض الممنوحة، حيث تجاوز مبلغها الاجمالي 600 مليون دولار.
وبحسب مستثمرين يبيعون شققاً على طريقة «الشيكات»، فهم اتبعوا هذا النظام «لأن المواطنين ليسوا جميعاً موظفين أو من أصحاب الدخل المرتفع، وبالتالي، سيصعب عليهم الاقتراض المصرفي لتحقيق حلمهم في شراء شقة».
يشرح المواطن محمد ناصر (45 عاماً) أنه اشترى شقة مشطّبة في منطقة عين منجد في رام الله من مستثمر منازل عن طريق «الشيكات»، واستطاع أن يسدد ثمنها المقدّر بمئة ألف دولار خلال أربع سنوات لأن، حسب ما يشرح لـ«السفير»، الوضع الاقتصادي كان جيداً حينها: «سعر الشقق في هذه المنطقة اليوم، ارتفع بقيمة تقارب الـ 15 ألف دولار عن السابق».
من جانبه، قال المواطن إيفان وراد إنه اشترى منزلاً مشطباً بمساحة 200 متر بمبلغٍ قدره 65 ألف دولارٍ في منطقة بيتونيا في رام الله عن طريق مستثمرٍ يتعامل بـنظام «الشيكات»، موضحاً أنه لجأ إلى هذا النظام «حتى أوفر أموالاً ستأخذها البنوك على شكل فوائد». وأضاف: «بذلك، أكون قد وفرتُ نحو 30 ألف دولار كنت سأدفعها للبنك»، بينما دفع إلى المستثمر ثلاثين ألف دولار كدفعةٍ أولى.
يؤكد المستثمر العقاري عبد الجليل البدارين (أبو ضياء) أن «المواطنين يريدون الهرب من البنوك بسبب هامش الفائدة المرتفعة»، مضيفاً بأنه ينوي «إعداد خطط وبرامج لبيع الشقق عن طريق الشيكات». وفي ما يتعلق بالضمانات، يقول أبو ضياء لـ«السفير» إنه «يتم إعداد جدوى اقتصادية للمتقدم عن طريق حساب دخله والمبلغ الذي يستطيع دفعه شهرياً. وعند كتابة العقد، نضيف بنداً بأن الشقة لا تصبح ملكاً للمشتري إلا بعد تسديد كامل سعرها». ويضيف: «إن أسعار الشقق تختلف بحسب المكان والمساحة ونوعية التشطيب، وقد تصل في بعض المناطق إلى قيمة 200 ألف دولارٍ كما في منطقة المصيون»، غير أنه يلفت إلى أن «أسعار الشقق عن طريق الشيكات تصبح أرخص بنحو 30 في المئة إذا استثنينا منها الفوائد التي تفرضها البنوك»، وفقاً لتعبيره.
في المقابل، يقول المستثمر العقاري جمال حمد (أبو نبيل) إنه توقف عن بيع شقق بـ«الشيكات» لأن الكثير من المشترين تخلفوا عن الدفع.
وعن سبب بيعه عن طريق «الشيكات» أساساً، بيّن أبو نبيل أنه كان يشتري أراضيَ ليست «طابو» ويبني عليها شققاً. وأشار إلى أن سعر الشقة العظم - غير طابو - يتراوح بين 15-17 ألف دينار، فيما يتراوح سعر المشطبة بين 30-35 ألف دينار. ويشرح: «هناك شققاً حصلت على طابو، ورغم ذلك لم يلتزم المشترون بالدفع».

المعنى الاقتصادي الوطني

على الرغم من أهمية قطاع الإنشاءات في دعم الاقتصاد الفلسطيني، لم يخفِ الباحث في الشؤون الاقتصادية سمير عبد الله، تخوفه من ارتفاع أسعار الشقق إلى أكثر مما عليه الآن في مدينة رام الله، في حال لم تتحسن الأوضاع السياسية.
ويحرك البيع في قطاع الإنشاءات، سواء عن طريق المصارف أو «الشيكات»، العجلة الاقتصادية، من خلال خلقه لطلبٍ على السلع، كالأثاث والأخشاب والحجر والألمنيوم. الكثير من هذه السلع تصنع في فلسطين، ما يعني أن حركة الأموال تبقى داخل البلاد، بحسب عبد الله، علماً أن قطاع الإنشاءات في فلسطين يساهم بنسبة 12- 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويوضح عبد الله لـ«السفير» أن رصيد المدينة من الأراضي القابلة للاستثمار أصبح محدوداً: «وأعتقد أنه في حال تم التوصل إلى حلّ سيــــاسي مع الطرف الإسرائيلي يتمحور حول سماح الأخيرة للسلطة الفلسطينية بالبناء في المناطق المصنفة «سي»، فإن الأسعار وإن لم تنخفض فلن ترتفع»، وفقاً لتعبيره.
وبحسب اتفاقية أوسلو الثانية التي وقعت بين إسرائيل و«منظمة التحرير الفلسطينية» في العام 1995، تخضع المناطق المصنفة «سي» (التي تشكل نسبة 61 في المئة من مساحة الضفة الغربية) للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ما يمنع الفلسطينيين من البناء في داخلها إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة من «الإدارة المدنية الإسرائيلية للبناء واستصلاح الأراضي».
وفي السياق ذاته، يشرح عبد الله أن «عدم استقرار الوضع السياسي يساهم في رفع هامش الفائدة المصرفية تحسباً لأي مخاطر قد تنتج عنه، ما يثقل كاهل المقترض الذي يكون، بطبيعة الحال، إما من أصحاب الدخل المحدود أو المتوسط أو المتدني».
وعن بدء مستثمرين ببيع شققٍ بنظام «الشيكات»، يشرح عبد الله أن «الأمر بالنهاية يتعلق بالمقدرة المالية للمشتري»، غير أنه يوضح أن «المستثمر من الممكن أن يتفق مع البنك على تقاسم مقدار من الفائدة مقابل العمل بهذا النظام، أو أن يرهن «الشيكات» للمصرف لأخذ قروضٍ إضافية بقيمتها».
وعن دور الحكومة في تخفيض الأسعار، يرى الباحث الاقتصادي أن «الحكومة تستطيع أن تؤسس لبنى تحتية في أماكن جديدة لتوسيع دائرة الامتداد العمراني في مدينة رام الله».

تعميم التوجّه الاستهلاكي

على الرغم من التسهيلات الائتمانية التي تتيحها المصارف أمام المواطنين للاقتراض إلا أنها تسهم في خلق فجوة اجتماعية، بحسب المحاضرُ في علم الاجتماع في «جامعة بيرزيت» حسن لدادوة. فيشرح لدادوة لـ«السفير» إن «إقراضَ فئة برجوازية صغيرة في المجتمع (موظفو الحكومة، والمؤسسات الأهلية، وبعض مؤسسات القطــــاع الخـــــاص الكــــــبيرة الخدماتية)، ومنعها عن آخرين بسبب الشروط المصرفية، يؤدي الى تمييز الفئة البرجوازية في الاستهلاك، ما يزيد من الفجوة الاجتماعية». ويضيف: «على الرغم من تقديم تسهيلات لتلك الفئة فإنها تبقى قلقة ولا تشعر بالأمان، حيث تسعى دائماً إلى الدفاع عن تميّزها «الهش» في ظل وضعٍ سياسي واجتماعي غير مستقر»، وفقاً لتعبيره.
ويعتبر لدادوة أن «تيسير عمـــــلية الحصول على القروض البنكية يعدّ عمليــــــة متكاملة لتعميم التوجه الاستهلاكي في المجتمع، ويُعدّ آلية لتعزيز الاستهلاك المظهري في المجتمع الفلسطيني».
تجدر الإشارة ختاماً بأن البيانات الرسمية المنفصلة التي أصدرها كل من «جهاز الإحصاء المركزي» ووزارة العمل، تفيد بأن نسبة 48 في المئة من الفلسطينيين من أصل 5.9 ملايين نسمة تعيش تحت خط الفقر الذي حدّد بـ2300 شيكلاً (650 دولار) في الشهر، فيما لا يتعدى الراتب الأساسي للموظف الحكومي قيمة 1800 شيكل (500 دولار). ومن أصل هذا المبلغ، يتوجّب على المواطن الذي ألزم نفسه بدفعات مالية أن يسدّد الأقساط وأن يسعى وراء لقمة عيشه وعائلته.