| 

منذ الوعي الأول على القضية الفلسطينية، احتشدت على باب الأذن عباراتٌ وخطابات تشي بأن الأرض أنثى، أتاها عدوٌّ واغتصبها. وفي الذهن ذاته أيضاً، ازدحمت قصائد وأقوالٌ مأثورة تحكي عن شرفٍ عربي يتطلب نقاؤه انتفاض الرجال من خدرهم و/أو هزائمهم، وتشكّلهم في جيشٍ جرّار، يزحف لتحرير العذراء من براثن المغتصِب.
إن الاغتصاب هو جرمٌ مدان في مجتمعاتنا، أكان يستهدف الأرض أو المرأة. و«شرف» الرجل العربي يتعلّق بمدى قدرته على «الحفاظ» على هذه الأرض وهذه المرأة. وفي الحالتين، تكون «المغتصَبة» وسيلةً، إما لنفي الشرف أو لإرسائه. كيانها بحدّ ذاتها، ككائن مستقلٍ عن دلالاته، كامرأة أو كأرضٍ محتّلة، يبقى مبهماً.
ستة وستون سنةً مرّت على هذه الحال منذ العام 1948، بقيت خلالها فلسطين معلّقةً في حالة اغتصاب، بينما «الشرف» معلّق في الدنس.
 

اغتصابٌ وانفعالان


إن سردية «اغتصاب الأرض» الرمزية تستمد معانيها من فلك الجرح، الحضن، الرقّة، القهوة، الساعد الذي يرفع السلاح الفتيّ ضد «المغتصب»، الأيدي التي تتبارى لمسح «دمعتها»، والإصرار على تحرير الأرض مهما حصل. أما اغتصاب المرأة، وهو فعلٌ واقعيّ لا رمزي، فيستفزّ في الفكر والبدن العربي أسباب قتل المغتصَبة، تزويجها من مغتصبها، غسل عارها، تعنيفها، إلغائها، والسرّ. وبينما الأرض المغتصَبة هي «البوصلة» و«القضية المركزية» و«قلب الأمة النابض» والدليل على الطهارة والنقاء الثوريين والسياسيين، فإن المرأة العربية المغتصَبة هي بندٌ مجرّد تماماً من الطهارة والنقاء والمركزية، بقرارٍ اجتماعي وقانوني متخذ ضد الضحية، مشكّك في براءتها، راضٍ بشراكتها في استدراج الجرم، إرادياً أو لا إرادياً.
وإذا تم إسقاط آلية التعامل مع المرأة المغتصبة على الأرض «المغتصَبة»، يصبح الفاعل بحكم الخائن، كونه «يقتل» فلسطين، «يزوّجها» للصهاينة، يجد فيها هي مبرّرات «النكبة»، لا بل يقتنع بأن هذه المبررات هي التفسير المنطقي لحلول تلك «النكبة». أما اعتماد الأدبيات الحنونة الثائرة المخصّصة للأرض في معرض احتضان المرأة المغتصبة فهو حكماً سينتقص من «رجولة» أولياء أمرها و«شرفهم»، كونهم حينها سيشهرون الجرم بدلاً من كتمه بالسرّ، سيبذلون الحب لها ويمنحونها العناية التي تحتاجها بدل ضربها وقتلها، وسيجعلونها صلب الخطاب المجتمعي العام حتى إحقاق الحق.
وفي حالتي المرأة المغتصبة والأرض المغتصبة، يبقى «هو» المستهدف بالاغتصاب، وتبقى العدالة هي المحور الغائب. إذ اجتاح «الشرف» الصورة، وصادرها لتمتلئ به وبجوره وبتناقضاته. يمكن لمن يشاء أن يرى في الأرض امرأةً حاضنة، ولن تكون فلسطين الأولى في هذا السياق، وهذا بحثٌ آخر. ولكن حصر الأرض وقضيتها في مفهوم الشرف هو رد فعلٍ أول لا يمكن للأيام أن تنتظره. ردّ فعلٍ بلغ يأسه، تراه يعمّم الشعور بالعار والإحباط. وإذا كانت مبرّرات الإحباط كثيرة، فإن «غسل العار» بالتأكيد ليس أبرزها.
إذ طلب خطاب انتهاك الشرف «مهراً» لغسل العار لا يقلّ عن التحرير الكامل للأرض، وعودة الأمور إلى «عذريتها»، أي ما كانت عليه قبل 1948. وهو مطلبٌ يرفع من قيمة الشرف، على حساب واقع الأرض. ولأن النكبة تلتها نكسة تلاها أوسلو فسلطة فانقسام فـ... جمدت الصورة في ذهن خطاب الشرف على هذه المعادلة، منذ 1948. وراحت تستمد من الموروث الاجتماعي والثقافي «أصالتها»، حتى انها سعت لتؤسس عليه وحده هويتها. ومضى التناقض في كنف الخطاب ذاته، يرسّخ آليات القمع الداخلي تجاه كل خطابٍ مغاير لسياقه، في معرض مطالبته بالحريّة من محتلّ.
إن خطاب «فلسطين المغتصبة» هو واحد من أبرز أسباب إحاطة الإحباط بالقضية الفلسطينية. وهو إحباطٌ نصفه واقعي بسبب الاحتلال المهول، ونصفه الثاني وجداني لا ينفك يخرّ أمام «الشرف الذي لن يكتمل إلا بتحرير آخر شبر». وحتى حينه، كل ما يستجد يرمى في المهملات، خارج هذا السياق، حتى باتت هلامية موعد «تحرير آخر شبر» تخدم مصالح الطبقة الحاكمة، بعدما تآلفت مع الوضع القائم، ووجدت منافع استمراريتها فيه.

 

 

العدالة بديل «الشرف»


هنا مكمن الضرر الأساسي الذي يصيب «الأرض» عند تسمية احتلالها اغتصاباً. فهي ليست فعلياً عالقة في الزمن عند لحظة 1948 ولا لحظة 1967، ولا هي أسيرة شرف «رجالها» مثلما يدّعون، ولا العدالة تنتظر «آخر شبر» لتباشر عملها. فالأرض مضت في تتماتٍ يتضح اليوم أنها حمّالة سياقات، وبرهنت هذه السياقات أنها منتجة، بالقدر الممكن، وبتواضع أكبر، وفي مجالات متعدّدة، وبتشبيكٍ في ما بينها. وكذلك هي حال المرأة، التي لم تستسلم للصور «المميزة» تُلتقط لسيدةٍ تتحدى جندياً أو أخرى تفجّر نفسها أو ثالثة تحتضن زيتونها. في هذه الصور، تبدو المرأة الفلسطينية وكأنها تخرج عن طاقتها لتشارك عرضاً بنضالٍ غير ملائمٍ لضعفها وغير مخصّص لجنسها، ولو أنها تمارسه منذ بدء المجتمع. لم تستسلم لجعلها استثناء، ومضت في نضالها المعجون بحياتها، وكذلك فعلت الأرض. أيّ منهما لم ينتظر خطاب الشرف لكي يجد ضالته، وكلاهما يتعرّض لظلمه.
لقد اتضح بالملموس أن ذاك الخطاب الحاكم ليس البديل الوحيد عن الاستسلام، ولا هو سكّة المقاومة الحصرية. فقد شقّت الحياة مجرىً لها في كل جزر فلسطين المقطّعة الأوصال: في 48، الفلسطينيون باتوا مشكّلين في هويةٍ ومطالب تنطلق من فلسطينيتهم. وغزّة أنجزت مراحل متقدمة في العلاقة بين المجتمع العربي والإسلام السياسي، تتخفّف من أوهامه، وتواجه مأزقها، وبيدها سلاح. رام الله باتت مدينة ذات شخصية، فيها الشباب وفيها الفنانون وفيها مختبر الحريّات، باتت أقرب إلى جسر عبور عالمي افتراضي، كحال فلسطين الافتراضية المنتشرة في أصقاع الكوكب. أما النقب فقد فرضت رأيها. ناهيك عن الخارج وتبلور خطاب الدعم لفلسطين فيه، عبر أهل الشتات ومناصريهم، بعناوين ربما يكون أشدّها إبهاراً عنوان «المقاطعة». إن الأرض وناسها أمْلوا على التاريخ تتماتهم، بعضها صعبٌ وبعضها بنّاء، لكنها حياة نشأت على هامش مأزق الهزيمة التي تنتظر «آخر شبر» لترى النور. وقد اتسع الهامش كثيراً، حتى بات مجتمع فلسطين المدني، في الداخل كما في الشتات، أشد مصداقية من سلطاتها المختلفة.
إن الواقع لم ينتظر «الرمز». وخطاب «الشرف» يستمر في إغفال هذا الواقع من سياقه العالق في مشهد «الاغتصاب» الذي لا يريد لأحد أن يصحو منه. خطاب الشرف هذا، كان مرحلةً. وهو يمضي، كما تمضي المراحل. وأفوله لا يهدد الأرض، لا بل ربما هو يشهد على تطوّرها الطبيعي. فالأرض مستمرة في الحضور، بعدما ماتت صور «الأب القائد» مرة، وأُسِرت مرّات، وفقدت بريقها حيناً، وبقيت لامعة بفضل استشهادٍ سبق زمن «السلطات». هذا هو الموروث، لكنه ليس الحاضر. فالحاضر له لغةٌ أخرى، نمت لتشدّ نحو العدالة. العدالة للمرأة المناضلة كشريكٍ فعلي وليس كاستثناء أو كصكّ ملكية «الشرف»، والعدالة أيضاً للأرض المحتلة. العدالة داخل المجتمع، والعدالة ضد المحتلّ.
والعدالة التي لا تتناقض بنودها، هي مدخل فلسطين إلى الغد.. والناس على دربه سائرون، حتى «آخر شبر».