| 

بعد يومين من افتتاح المعرض في «جامعة بيروت العربية»، نشرت «السفير» مقالاً بعنوان: «فن العالم يردّ على الصمت والقتل والهمجية»، في صفحتها الثقافية بتاريخ 23 آذار 1978، كتبته الزميلة نجاة حرب. نعيد نشر مقتطفات منه، لقدرته على رصد اللحظة ضمن سياقها وبمعناها في تلك المرحلة، كما لتضمّنه لائحة بأسماء بعض الفنانين العالميين الذين شاركوا في المعرض.
«...معظم اللوحات مستوحى من مراحل متعددة من نضال هذا الشعب، وتحقق من زوايا سياسية مختلفة، وانطلاقاً من تقنيات تراوح بين الحديث جداً، والكلاسيكي، بل وليس من المبالغة القول إن ثمة تقنيات جديدة تظهر هنا للمرة الأولى. لكن أهم ما في الأمر هو أن هذا المعرض يأتي في هذا الوقت بالذات، ليقدم تعبيراً فنياً عن مواقف سياسية لفنانين كبار، أعلنوا عبرها عن وقوفهم إلى جانب الثورة الفلسطينية.
فنانون عرب وآخرون أجانب، أتوا من بلدان تخوض نضالات ضد القمع، وصراعات ضد الاستغلال، ومن بلدان أخرى خاضت أشواطاً على طريق تقدمها وحريتها.
من التشيلي الرازحة تحت نير الفاشية أتى ماتا ليمزج في لوحات ثلاث، وضع الإنسان في التشيلي بوضع الإنسان الفلسطيني، ويخلق من الوضعين رؤية تعبّر عن كل من يناضل في سبيل التحرير.
ومن اسبانيا، جاء خوان ميرو بلوحة ثنائية، ومن الأرجنتين لوبارك، ومن فرنسا فرومانجيه وماسون وبينيون، ومن سوريا نذير نبعة وعبد القادر الأرناؤوط، ومن العراق ضياء العزاوي، ومن إيطاليا كالامبريا وغوتزو وبومودورو.. ومن لبنان سينا مانوكيان وموسى طيبا وعارف الريس.. وغيرهم عشرات الأسماء التي من بينها أسماء تحلم باقتناء أعمال لها أهم غاليرهات أميركا وأوروبا.
كلهم جاؤوا ليعرضوا معاً، وتتجاور الدول والمناطق: اليابان، أميركا الوسطى والشمالية والجنوبية.. الاتحاد السوفياتي.. أوروبا. وبدا المعرض كله كأن فنّ العالم جاء يلتحم من خلاله لمناصرة النضال الفلسطيني: جاء بأدواته، الريشة واللون والزيت والإزميل، بل والعظام والجماجم وأشلاء بندقية تبدو وكأنها أردت، ذات يوم، جنديا إسرائيليا معتديا.
من الواضح هنا أن الكلام عن الأهمية الفنية لمثل هذه اللوحات، إما أن تفيه حقه مجلدات، وإما أن ينتفي.. لأن فنانين مثل لوبارك وماسون وماتا وغوتوزو ليسوا بحاجة إلى تعريف سريع. المهم والجديد في الأمر هو موقفهم السياسي المعلن من خلال موقف فني.
أن يقام مثل هذا المعرض، وفي هذا الوقت بالذات، هو انتصار فني حقيقي وفعال للثورة الفلسطينية. إذ في الوقت الذي تغتال فيه القذائف الصهيونية والضعف العربي شعبي فلسطين ولبنان، يأتي هذا العالم ليقف ضد القذائف وضد الصمت وضد ضحكات كارتر ومؤامرات البنتاغون، ويعقد ما يشبه المؤتمر الصحافي في قاعة أضيئت في الجامعة العربية، ويعلن: أنتم ترسلون الدمار والهمجية والبربرية الجديدة، ونحن نرسل اللوحة والمنحوتة، أنتم تقتلون التاريخ ونحن نصنعه، نطوره ونسير به قدما إلى الأمام، أنتم تصنعون الطائرات المدمرة ونحن نصنع الفن الخالد، أنتم تقتلون الفلسطينيين وأطفال لبنان، ونحن نزرع لوحة فلسطينية في كل زاوية.