| 

في منطقة «المصرارة» بالقرب من باب العامود في القدس المحتلة، تجتمع حافلات الركاب المتوجهة إلى قرى العاصمة وضواحيها، كما إلى كلّ بلدة كائنة في الضفّة الغربية، ومنها تلك المتوجهة إلى رام الله عن طريق مخيم شعفاط وبيت حنينا مروراً بحاجز قلنديا. على هذه الحافلات، وُضعت لافتات تدلّ على الطريق التي ستسلكها، كُتب فيها: «رام الله عن طريق المعبر». ولا تقتصر تسمية الحاجز بـ«المعبر» على لافتات الحافلات فحسب، وإنما هي تُقال على ألسنة بعض سائقي هذه الحافلات وركابها أيضاً. فحين تسأل راكبةٌ السائقَ عن طريقه في أثناء انتظارها على إحدى محطّات القدس، تقول: «واصل عَ المعبر، عمّي؟».
 

«الفاصل بين شيئين»


الحاجز هو «الفاصل بين الشيئين». والحاجز هو «الذي يمنع بعض الناس من بعض، ويفصل بينهم الحق». لكن لا حق في حاجز يفصل بين القدس ورام الله، والقدس وبيت لحم. فهو يفصل بين الأخ وأخته، إذ إنه حاجز احتلالٍ، مثل كل الحواجز التي وضعت من قبل الاحتلال ما بين مدن الضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة في العام 1948، وبعد الانتفاضة الثانية في العام 2000. وهو سبب أساسي من أسباب معاناة الفلسطينيين في الضفّة الغربية، حيث لا يمكن لهم الدخول إلى القدس وعكّا واللد والناصرة وكلّ مدن وقرى الأراضي المحتلة في العام 1948 إلا بإذن وتصريح من الاحتلال. وفي ذلك انتهاكٌ لحرية الحركة، عدا الانتهاكات التي تحدث على الحاجز نفسه لمن سُمح له بالدخول إلى القدس، سواء للعمل أم للزيارة أم لسبب طبّي أم آخر.
إذًا، كيف يُطلق اسم «معبر» على حاجز؟ علماً ان هنالك من لا يزال يطلق على «حاجز قلنديا» الإسم العبري له، باستخدام الكلمة العبرية «ماحسوم». وكلمة «معبر» هي تسمية إسرائيلية كذلك، بدأت لربما مع تغيير شكل الحاجز إلى شكل مبنى يوحي بأنه «معبر بين دولتين». لكن تحويل الإسم لا يكمن بتغيير «شكل الحاجز» إلى شيء أكثر تطوراً مثلاً، بل يكمن في حاجة ورغبة الاحتلال إلى ترسيخ هذا المفهوم بحيث يخلق ويبلور وعياً لدى الناس بأنه أمر طبيعي «بين دولتين»، وليس بكونه أمراً غير طبيعي فُرض على الفلسطينيين وعلى مدن وقرى فلسطينية. هو حاجزٌ فُرض على الفلسطيني الذي كان يحتاج قبل 14 عاماً إلى ثلاث دقائق سيراً على الأقدام لبلوغ بيت جاره، وهو الآن بات يحتاج إلى موافقة مسبقة من الاحتلال بقطع الحاجز، هذا في حال وافق الاحتلال على منحه التصريح.

 

 

«عرب إسرائيل»


أدرك ويدرك الاحتلال ومؤسساته وإعلامه أهمية التسميات والمصطلحات، وهو يستخدمها بتكرار حتى أصبح الفلسطينيون أنفسهم والعرب كذلك يستخدمونها، على الأرجح بلا إدراكٍ لخطورتها. والأمر غير مقتصرٍ فقط على تسمية «الحاجز» بالإسم «معبر»، إنما على مصطلحات عديدة متعلقة بالقضية الفلسطينية والفلسطينيون/ات في سائر أماكن تواجدهم/ن داخل فلسطين والشتات. من هذه المصطلحات على سبيل المثال، والمتعلق منها بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة في العام 1948، تحضر تسمية «الوسط العربي»، و«عرب إسرائيل». والتسمية الأولى تُستخدم أكثر من قبل مسؤولين سياسيين في دولة الاحتلال وإعلامها، وللأسف، هو يستخدم كذلك على ألسنة بعض الفلسطينيين أنفسهم في أراضي 1948، وكذلك بعض وسائل الإعلام الفلسطينية، وهي تسمية أطلقها ورسخها الاحتلال لعزل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عن شعبهم وقضيتهم ومحيطهم العربي والفلسطيني، وكأنهم كيانٌ منفصل. وعلى النهج ذاته، تحلّ التسمية الثانية (عرب إسرائيل) وهي الأكثر خطورة، فلا يستخدمها فقط الاحتلال وإعلامه، إنما تستمر بعض وسائل الإعلام العربية أيضاً في استخدام هذا المصطلح. والرفض له يتلخص بسؤال سألته مرة إحدى النساء الفلسطينيات:« هو مين إجا على الثاني؟ إحنا ولّا إسرائيل؟».
تقع تسميات ومصطلحات عديدة في هذا الشأن، تلك التي تسهل الطريق أكثر للاحتلال في خلق وبلورة واقع كما يرغبه أن يكون. فلا ينحصر الاحتلال فقط في الوجود الفيزيائي، إنما يدخل عميقاً في الثقافة لشعب يناضل يومياً على جبهات عديدة، منها الحفاظ على الذاكرة والمرتبطة بالماضي ومنها تقرير المصير والمرتبط بالمستقبل. لكن مثل هذه المخططات التي يتعمدون لها مصطلحات مغلوطة في السياق الفلسطيني، والتي نقع ضحيتها سواء كفلسطينيين أم كعرب، عبر استخدامها من على منابر لها تأثير، تشكل خطراً على الذاكرة وكذلك على المستقبل.

 

 

 

 

حملة # حكيها ــ فلسطيني


في المقابل، وفي القدس المحتلة، أطلقت مجموعة شبابية مقدسية حملة بعنوان «احكيها فلسطيني» (١).
وخطت خطواتها الأولى عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل خاص على موقع «فايسبوك». والمجموعة هي نتاج دورة حول الإعلام الجديد نظمت بمباردة من «مؤسسة الرؤيا الفلسطينية» و«مؤسسة الجذور الشعبية الفلسطينية» وبتوجيه وإشراف من «حملة ــ المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي». وهي أيضاً نتاج عمل هذه المجموعة وبحثهم عن موضوع يشكّل هماً جماعياً ليس لهم كمقدسيين فقط، إنما للفلسطينيين بشكل عام.
يتخصص موضوع الحملة بقضية استخدام المصطلحات المغلوطة في السياق الفلسطيني، والتي تشكل خطراً على بلورة الوعي تجاه الإنسان الفلسطيني وقضيته بما يتعلق بالوجود الاستعماري على أرضه. وقد بدأت الحملة بمشاركة تدوينات قصيرة تحتوي أولاً على الجملة التالية: «عَ فكرة، في إشي غلط»، تليها مشاركة المصطلح المغلوط، فالمصطلح الأكثر دقة فلسطينياً. على سبيل المثال: «عَ فكرة في إشي غلط. منقول «القدس المحتلة» ومش «القدس الشرقية والقدس الغربية». القدس واحدة لا تتجزأ. #احكيها ــ فلسطيني». كما عملت المجموعة على فيديو قصير للحملة نُشر عبر موقع يوتيوب(٢).
إن هذه الحملة مهمة، وموضوعها ضروري، خاصة في ظلّ مخططات استعمارية عديدة ومستمرة لطمس الذاكرة والهُوية العربية الفلسطينية من جهة، وفي ظلّ تخاذل القيادات الفلسطينية والتنازلات التي تقدمها من جهة أخرى. وكانت قد تُرجمت أهمية الحملة بالنسبة إلى الناس ــ بحسب معايير الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ــ من خلال سرعة متابعة الصفحة، وعدد المتابعين لها الذي وصل في الساعات الأولى لإنشائها إلى أكثر من 2000 متابع/ة (تضم الصفحة اليوم أكثر من 5000). وإذا كانت الأرقام لا تعبر دائماً عن الحالة العامة، وبالتالي لا تعطي تقييماً دقيقاً لتعاطي وتفاعل الناس مع هذه القضية، إلا انها تبقى بلا شك قادرة على الإشارة إلى اهتمام بالموضوع المطروح وضرورة تسليط الضوء عليه.
من المقلق أن ينحصر النشاط حول قضية المصطلحات على الفضاء الإلكتروني، أو أن ينحصر فقط في حملة واحدة على أهميتها، فلا تجد لها محاور عمل أخرى خارج شاشة اللاب توب. لكن هذه القضية، كقضايا عديدة، هي مسؤولية كلّ منا، سواء كان في بيته أم بين أهله وأصدقائه أم في محيطه عموماً. وبشكل خاص، هي مسؤولية تقع على عاتق وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، لكي تخدم أجندة الإنسان الفلسطيني والأرض فقط، وهي تتجسد بجزء منها في المصطلحات المستخدمة... على أمل أن تترسخ حملة المصطلحات هذه في توجّه أوسع ذي رؤية تحررية وطنية شعارها: «احكيها فلسطيني... لا تصالح، قاوم!».

(1) https://www.facebook.com/e7kehaFalasteeni
(2) http://www.youtube.com/watch?v=Vx4kcezyYL4