| 

بدأت في التسعينيات عمليات جلب الأجانب، الآسيويين والأفارقة، إلى إسرائيل بغرض العمل فيها. ومنذ ذلك الوقت، لم تنقطع التهديدات الموجهة ضدهم.
تحوّلت القضية على مدار السنوات إلى واحدة من أكثر القضايا سخونة في الرأي العام الإسرائيلي. إجراءات وقوانين كثيرة ساهمت في ذلك، منها قانون منع التسلل، وإقامة وحدة تنفيذية لوزارة الإسكان تهتم بشؤون اللاجئين والأجانب عرفت باسم «وحدة عوز»، بالإضافة إلى القانون الهادف إلى نقل العمال الأجانب في تل أبيب من المركز إلى الضواحي الفقيرة. مجموع ذلك كله جعل من قضية اللجوء موضوعاً مركزياً، حجزت له مساحةٌ في صلب الشعر الشرقيّ في إسرائيل.

«بيت أشباح»

شكّلت هذه الأفكار بعضاً مما كتب في افتتاحية مجلة «داكا» الإسرائيلية، وهي دورية تعرّف نفسها بوصفها «دورية للشعر والنقد». وتضيف الافتتاحية إلى ما تقدّم: «عمليات الطرد الجماعي من قلب تل أبيب تحولت إلى موضوع اعتيادي. يتم هنا استيراد العمال ممن لا أسماء لهم بشكل جماعي فقط من أجل تحويلهم بعد سنوات قليلة إلى هدف للطرد. الوجود مصاب بالخوف العميق من التسلل، الاختلاط، الانفتاح، فتصبح الحياة حصينة ومغلقة... والشعر، كعملية يومية، هو ما يمكنه تحويل وجود المنفى إلى وحي، بيت، هوية. التوتر بين المنفى وبين الوحي، تعدد اللغات المنطوقة أو التي يتم إسكاتها، الكاشفة والساترة، يشبه السراب الذي يزور المكان المعروف البيت الذي يتحول لبيت أشباح، البيوغرافيا الأكثر شخصية التي توقظ العفاريت من سباتها، والتي نحيا معها في حميمية كاملة».
لكن قضية العمال الأجانب ليست بالطبع هي الشرخ الوحيد الذي يمزّق الجسد الإسرائيلي، فهناك أيضاً قضية اليهود ذوي الأصول الشرقية، إذ يشكون من التمييز ضدهم في المجتمع الذي أريد له أن يكون أبيض وأوروبياً. فكتبت الناقدة كتيسعا عالون مؤخراً كتاباً بعنوان «سوسنة الثورة السوداء» عن الشعر الذي يكتبه في إسرائيل شعراء شباب من أصول عربية وإسلامية. ونشر موقع «هاعوكتس» ذو التوجه اليساري، فصلاً من كتابها بعنوان «أجانب في البيت: صورة مهاجري العمل في الشعر الشرقي الشاب»، تقول عالون فيه إن الشعر الذي كتبه يهود شرقيون يُظهر اهتماماً بمهاجري العمل، ما يكشف عن حساسية الخطاب الشرقي المعاصر للمجموعات الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي.
فقد بدأ ظهور مهاجري العمل في إسرائيل في التسعينيات، مع الإتيان بهم هناك كقوة عمل رخيصة، إلا أن وعي هؤلاء العمال الذي أخذ يتبلور مع مرور السنوات، طرح معضلات اجتماعية قاسية كما تقول الكاتبة. فتسأل مثلاً: «هل نطرد من إسرائيل من بنوا فيها حياتهم على مدار سنوات طويلة وربوا أطفالاً من متحدثي العبرية ممن يرون أنفسهم إسرائيليين في كل شيء؟ وهل من الملائم أن نمكنهم من حياة تشاركية كاملة تقوم على المواطنة؟». ويقول يوسي يونا، أستاذ الفلسفة وأحد مؤسسي «القوس الديمقراطي الشرقي»، وهي حركة اجتماعية تهدف للمناداة بحقوق اليهود من ذوي الأصول الشرقية، إن «شكل العمالة في إسرائيل هو عدواني بشكل ليس له مثيل في الدولة المتقدمة، وإنه يهدف إلى منع التوطين المستقبلي، ويضيف أن دولة إسرائيل ليست لديها سياسة هجرة وإنما «علياه»»، وهو مصطلح يشير إلى الحج وإلى الهجرة بمعناها الديني العنصري.

«الكاذب الأكثر وعياً وموهبة»

إن الارتباط وثيق أيضاً بين الشعراء الشباب من ذوي الأصول الشرقية في إسرائيل وبين العمال الأجانب. فالشعر الشرقي، «الذي يتسم في أساسه بالزعيق والاحتجاج»، كما تقول الكاتبة عالون، يشعر بوضوح كيف أن مهاجري العمل تحولوا ليصبحوا الطبقة الأكثر عرضةً للاستغلال من قبل الجميع في المجتمع الإسرائيلي الرأسمالي والفظّ. واقع حياة العمال الأجانب مرتبط بالتدنّي الذي يشعر به الشعراء الشرقيون أنفسهم كشرقيين، وبالأعمال «السوداء» أو «المتدنية» التي ارتبطت غالباً بالشرقيين، وشكّلت مساحة واسعة لقصائد احتجاجية كثيرة. وتتوقف الكاتبة عند قصيدة «الدخول مجاناً» لنافيت برئيل (الكادر رقم 1)، وهي شاعرة شابة من أصولٍ ليبية. بحسب تحليل الكاتبة، تنطلق القصيدة من زمان ومكان محددين: ليلة رأس السنة في شقة الأب. الممرضة الرائعة، واسمها ميرا، تبدو إسرائيلية، تفهم وتتحدث العبرية وتشارك في الحوار. ولكن القصيدة تسعى إلى تمزيق جدار «الأسرية»، ولا تنسى ولو للحظة أن الحديث هو عن علاقات قوة واضحة. الببغاء في القصيدة، والذي يبدو وكأنه بلا صوت يخصه، يعكس الحقيقة بنظرته الحزينة: ميرا هي عبدة، جارية تم إبعاد أطفالها عنها بسبب إملاءات الاقتصاد العالمي. وفي كتابهما «المرأة العالمية»، تشير الأميركيتان بربرا أرنرايخ وآرلي راسل هوخشيلد إلى أن هذا الواقع الاقتصادي يتيح للمرأة في العالم الثالث الخيار بين السكن مع أطفالها الفقراء أو ربح المال بعيداً عنهم. وعلى خلاف مشغليها الأثرياء في العالم الأول، فهي غير قادرة على تأمين الحياة مع عائلتها وإطعامها في الوقت عينه.
تحلّل الكاتبة عالون مضمون قصيدة «غير مهم» للشاعرة يوديت شحر أيضاً (الكادر رقم 2)، والتي توجهها لعامل بناء صيني. العمال الأجانب هم بمثابة «جسد غريب» في الحيز العام، جسد آخر، له لون مختلف وبنيان وجه مختلف. «عيناك مائلتان أكثر من اللازم / الشعر سميك ومترب أكثر من اللازم». الجسد المختلف يحمل تهديداً يتم الشعور به أيضاً على مستوى جسد الفرد. الأخروية العرقية يتم التعبير عنها بشكلها المباشر والفج مع «المخاطر الجسمانية». في الخيال الجمعي، الذي يتجلى في تشبيه الأمّة بجسدٍ واحد ناسُها هم أعضاؤه، يبدو مهاجرو العمل كجسدٍ أجنبي تسلّل إلى جسد الأمة الطاهرة ولوّثه. فيتواجد مهاجرو العمل في وضع رمزي يشبه وضع «المغتصبين»، ويتحول الجسد لموضوع الحمولة الشعورية العائلية التي تُوجّه ضده بمعاني الخوف والاحتقار اللذين يعملان بشكل متداخل، كما يبدو من قصيدة شَحَر.
لكن صورة العامل الأجنبي تحتوي على تناقضات أيضاً. فالميكانيكية التي تميز أداءه كخادم في بيت يهودي ضمن الطقس الديني رأس السنة مثلاً، تضطر العمال الأجانب للخضوع إلى إملاءات الثقافة المحلية. وهذه الميكانيكية الظاهرية تناقض الصورة النمطية التي تميل لإعطاء «حيوية زائدة» لمهاجري العمل، حتى يصبح ممكناً أن يُنسب إليهم تهديد فعلي ليس فقط في أماكن العمل، وإنما في الحياة ذاتها، كونهم قتلة ومغتصبين بالقوة وليس بالفعل. في الواقع، هناك تناقضات داخلية عميقة تميز علاقة أبناء الغرب بأبناء الحضارات «البدائية»، وعالم الصور النمطية يميل للتركيز على الأطراف. فتستشهد الكاتبة عالون بما كتبه الهنديّ هومي بابا عندما يقول: «الأسْوَد هو المتوحش (آكل البشر)، ولكنه أيضاً الأكثر نبلاً وطاعة بين جميع الخدم (من يقدّم الأكل)، وهو تجسُّد الجنسانية الغريزية غير المكبوحة ولكن كطفلٍ دائماً، هو ساحر، بدائي، ضيق العقل، ولكنه أيضاً الكاذب الأكثر وعياً وموهبة».
في النهاية، تطرح الكاتبة سؤالها الأساسي: من أين تنبع حساسية اليهود الشرقيين تجاه مهاجري العمل؟ وتحاول الإجابة: «هل حدث هذا لرغبتهم في إعلاء الطبقة/ الطائفة الشرقية، عن طريق استخدام هؤلاء المهاجرين بوصفهم مرآة، لكونهم جماعة أخرى تم إضعافها؟ أم من خلال أحساسيس اجتماعية عميقة تطالب بالعدل الاجتماعي للجميع؟».
الإجابة غير سهلة، لكن المطبوعات الأدبية المنشورة خلال العقد الأخير في إسرائيل تشير إلى زيادة الرغبة لدى الأدباء الشباب في كتابة أدب احتجاجي بالمعنى الاجتماعي، وفي تحدي المفاهيم الذي تصم هذا النوع من الأدب بـالقِدم والمباشرة. ويتزامن ذلك مع تزايد تباهي الأدباء من أصول شرقية بهويتهم «اليهودية / العربية» المركبة، بعد أن كانت هذه الهوية مصدر خجل لآبائهم على مدار عقود. لهذا ربما، يصبح مجاز إسرائيل كـ«مصهر»، تنمدج فيه جميع الطوائف من جميع البلدان في أكثر لحظاته هشاشة الآن، ويصبح نقد «الحلم الإسرائيلي»، أكثر سهولة من ذي قبل.

كاتب مصري وصاحب مدونة «هكذا تحدث كوهين»
http://hkzathdthcohen.blogspot.com

1-    الدخول مجاناً

نافيت برئيل

أكلنا سوياً تفاحاً بالعسل. الدخول مجاناً
إلى السنوات الحلوة والطيبة. ميرا من نيبال
فهمت حديثنا عن التدليل، مصلحة الضرائب، الكبد
المفروم. تذكرتُ اليوم أولادي كثيراً،
هكذا قالت بعبرية وصلتها بالتدريج مثل المياه الدافئة
في دش الطابق الأول. في سنّها، لم أكن أماً
لا أطعم أولادي في شقق العجائز البعيدة
حتى أتطور كدولة. أسعار الصرف ليست مثل تلك التي تغلق
وتفتح أمام الفردوس المفقود. بسهولة كنت أعرف أقل
مؤمنة نظراً لعدم وجود خيار، أجمد حياتي بين مهلة وأخرى.
التفاح ليس حلواً، العسل تعفن من الهواء، تبلور مثل رمل مبتل
شخص ما حبس في شرفته ببغاء كبيراً وحزيناً
أكدنا أننا سنأتي في الليل ونحرره
ونحرر عينه التي تخجل
من الصفير إلى المدينة بألحان العبيد.

2 - غير مهم

يوديت شَحَر

ومن يهتم أصلاً بأنك تتعفن في قميص
من قماش طويل الأكمام
في الطابور لمطعم كرلسبرج الروسي بحي بيتح تكفاه
بليلة رأس سنة يهودية مبخرة
تُمسكُ كيساً مزيتاً يحوي بقايا طائر
عيناك َمائلتان أكثر من اللازم
الشعر سميك ومترب أكثر من اللازم
وعندما نجفل فلا يمكن ألا نفكر في الحمّام
الذي تتشاركه، كما يشهدون عليك، الحمام الوسخ
أكيد وسخ
قل شكراً لأنك وجدت عملاً
يمكن التفكير في ما كان لديك هناك
كوخ، امرأة جافة، أطفال في الخارج
بقرة كنت تغتصبها، أي بقرة! دجاجة
العدد الأقصى من الدجاجات في الأعياد والمناسبات
دجاجات لها أسماء تثير الشك مثل عام الثعبان أو الكلب
قل شكرا لأن لديك عملاً
ويمكنك أكل الدجاج، البواقي
حتى بواقي الدجاج نسميها دجاجاً.
إذاً ولدت في الجانب غير الصحيح من العالم
بالنسبة لنا فهو قد وعدنا بـ«تفيض لبنا وعسلا»
تفيض بمرض السيلان، مما يجعلنا نفكر في القضيب المنكمش
بالبنطلون المبقع، كيف تدبر أمورك
أو لا تدبرها، بالتأكيد تذهب للعاهرات، وزوجتك
من زوجتك، من يهتــــم لأمــــــر زوجــــتك!
في ليلة رأس السنة اليهودية بمطعم كلسبرج الروسي، بحي بيتح تكفاه.