| 

عكا، المدينة التاريخية، كثيرون يحفظون اسمها، ويتمنوْن أن يزوروها، كي يتعطروا برائحة البحر فيها، وعبقِ الذكريات التي تركها الناس كما كبار الحاكمين القدامى وعلى رأسهم نابليون بونابرت، وظاهر العمر، وأحمد باشا الجزار، وكثيرون سواهم ممن سُجلت أسماؤهم في كُتب التاريخ. أما عكا اليوم، بناسِها، أهلها الذين هُجروا منها، وأهلها الذين بقوا فيها، فإنّ التاريخَ يكادُ يتجاوزهم ويُعرِّج على ماضيهم وإنسانيتهم، كمَن يراهم بلا اكتراث.
نتحدث هنا عن المدينة ذات المباني التاريخية الباقية منذ أكثر من 300 عام. أما السكان العرب الفلسطينيون في عكا، وعددهم لا يتجاوز الـ15 ألف نسمة، فإنهم يتوزعون بين: حيّ عكا القديمة (حوالي 5 آلاف نسمة)، وحيّ عكا الانتدابيّة - مركز المدينة (حي الرشاديّة)، والحيّ الشماليّ. وإذا كُنا نتناول واقع أهل عكا فإنّنا نتحدث عن بقعةٍ ضيّقة مكوّنة من سوقٍ قديم (عامر بالتجارة عموما)، وأزقة توصلك إلى بيوتٍ في قلبِ البلدة القديمة.
وقلب المدينة بمعظمه مقسّمٌ إلى عدة خانات أبرزها: خان الباشا، خان الشونة، خان الإفرنج، خان العمدان... وفي معظم هذه الخانات، تقيم عائلات في بيوت مستأجرة من شركة «عميدار» (الإسرائيلية) التي تتقاضى مبلغاً شهرياً من العكاويين. وهي، بالمقابل، تفرض عليهم قراراتها، ومِن بينها قرار بألا يتم تصليح البيت أو ترميمه إلا بمعرفة الشركة وموافقتها. وهي التي تأتي وتُعاين، وفي الغالب ترفُض.
ولعلّ الحديث عن الخانات، وعن المحاولة الأخيرة لبيع خان العمدان أو تأجيره وإخراج العكاويين العرب مِنه، هو بداية لكارثة شكلت أحد فصولها فاجعة نهاية عائلتين عربيتين في عكا. إذ قتل كلٌ من محمد بدر وزوجته حنان، والزوجان رايق ونجاح سرحان وطفلهما نصر الدين سرحان (6 سنوات)، في حادثة انفجار البيت في حي الشيخ عبد الله.
 

نهاية الفاجعة أم بدايتها؟


هذه المأساة هي جريمة قتل غير مباشرة، إذ نتجت من تفجير هوائيات (للهواتف الخلوية) منصوبة فوق أحد بيوت عكا القديمة، في عمارةٍ مكوّنة من خمسة طوابق. وهو حدث في قصة طويلة عمرها 17 عامًا، إذ استأجر صاحبُ البيت هوائيّا ليكسب منه المال، علماً أنه ليس الهوائيّ الوحيد في البلدة القديمة التي تنتشر فيها العشرات منه. ووفق الرواية التي تناقلها غالبية سكان الحي، فإنّ أهلُ الحي طالبوا على مر الزمن بإزالة هذا الهوائي، الذي أدى إلى إصابة شابين وفتاة بمرضٍ خطير، توفوا بسببه خلال السنة الأخيرة. ما زاد غضب الأهالي، فقرر بعض الشبان وضع حدٍ لهذه القصة، وهكذا سقط الهوائيّ، وهوت معه بناياتٌ عمرها مئات السنين، وفُجعت عكا برحيل خمسة مِن أهلها.
تقول سارة الجارحي (أم طالب): «سقطت قطعةٌ مِن القلب يوم تدمّر بيتنا الذي سكنتُه منذ 42 عامًا. تزوجتُ هُنا، وأنجبتُ هنا، ولم أعش يومًا في حياتي كهذا اليوم. ما ان انهال السقف حتى جاءتني قوة عجيبة لأدفع بأبي طالب كي ينهض من مكانه، قبل أن نموت جميعًا» وتشرح: «أنا غاضبة جدًا لأنّ موضوع الهوائيات ليس بجديد، نبهنا له قبل 17 عامًا، وحاولتُ منع وضعه، فقال لي الشخص الذي يركبه: أنتِ تغارين لأنني أتلقى النقود وأنتِ لا». أما البلدية فتدينها سارة بالقول: «البلدية ورئيسها يستهترون بنا، لو أن الأمر يخص الإسرائيليين اليهود لتحرّك الرئيس فورًا، وهو الذي سارعَ للسفر إلى تل أبيب، في اليوم ذاته، بدلاً من أن يساند المواطنين».
وردّاً على الاتهام، عقّب نائب رئيس بلدية عكا أدهم الجمل على الكارثة بالقول: «أؤكد لكِ أنّنا في البلدية بجميع أقسامها، عملنا منذ الدقيقة الأولى على الدعم ومساعدة العائلات، واستدعينا العاملين الاجتماعيين والاختصاصيين النفسيين، لتقديم المساعدة والدعم للطلبة في المدارس». وأنكر أن تكون البلدية تخطط لاستهداف العرب، مشيراً إلى أنّ التهميش والتمييز ضد العرب عمره عشرات السنوات ولم يبدأ اليوم، وبحسب قوله فإن «البلدية الحالية تسعى لجسر الهوة بين اليهود والعرب من خلال مشاريع تطويرية ستبدأ بتنفيذها على أرض الواقع، وقد كلفت مبالغ كبيرة». وأشارَ نائب الرئيس إلى أنّه «متمسكٌ بوطنيتي وفلسطينيتي إلى أبعد الحدود، ولن أرضى بتمرير مخططات من وراء ظهري».

 

 

الإهمال والمبادرة


في عكا، يكثُر اللوم على كل الجهات بلا استثناء، من المواطنين، أصحاب البيوت، الشركات الصهيونية التي تدير عكا: «عميدار»، «شركة تطوير عكا»، «بلدية عكا»، «الحكومة»، مراقب الدولة، أهل عكا، الأحزاب السياسية العربية، الإسرائيليين اليهود، ولم يسلم من المسؤولية سوى بحر عكا وسورها.
يشرح مدير جمعية «الياطر» للتنمية الثقافية والاجتماعية في عكا سامي هواري: «هناك محاولات جديّة للاستحواذ وللإهمال منها: ادّعاء شركة عميدار الحكومية الاسرائيلية ملكيتها لعدد من البيوت في المبنى المنهار، ومنعها ممثلي الاوقاف من جباية رسوم الايجارات، وعدم قيامها بترميم المبنى أو منع نصب هوائيات الهواتف الخلوية». ويتابع: «القضية الأكثر خطورة هي الإهمال المتعمد لخان العمدان، الذي يخضع منذ أكثر من 40 عاماً «لإدارة» شركة «التطوير» الحكومية. فبعد كل هذه السنين، هناك قرابة العشرة أوامر بإزالة الخطر في عدة مواقع في الخان، ولكن هذه الشركة لم تمتثل لأي منها ولم تجر أي ترميم، والخان والحال هذه، معرض للانهيار، كما حدث لموقع آخر تديره الشركة ذاتها وهو الحمام الصغير والمعروف بالشعبي».
يحكي الكثيرون من العرب في مدينة عكا عن الإهمال والفوضى اللذين يصبحان لغة التعامل عندما يتعلق الموضوع بالعرب من سكان المدينة، فلو أصابت هذه المأساة مواطنين إسرائيليين يهودا، لما تركَ رئيس البلدية مكان الحادثة وذهب في زيارة خاطفة في مدينة تل أبيب، للتمتع ببحرها. وتوضح الناشطة العكاوية نورا منصور أن «سبع عائلات فقدت ممتلكاتها وبيوتها التي تهدمت، رؤوسٌ حطّت في الأرض، انكسرت المعنويات لدى العائلات التي كانت آمنة في بيتها. اليوم، باتت هذه العائلات تستجدي المساعدة والخدمات. الأم التي اعتادت أن تحمل بطاقتها للعلاج، فقدت البطاقة، فطالبتها موظفة البلدية اليهودية بثمن العلاج. عائلاتٌ باتت تنام بحبوبٍ منوّمة. صورة الدمار والانهيار، أسقطت معها كل جميلٍ في الذاكرة الشخصية والجمعية. العكاويون قلقون على مستقبلهم، يخشون من عودةٍ مهزومة، ومن وعدٍ بالترميم لا أكثر. عائلة أحمد سعدي الوحيدة التي تملك «طابو» لبيتها الممنوعة مِن دخوله، لا يعرفون ماذا يفعلون لأنّ الطابو سيحرمهم من فرصة الترميم على حساب البلدية، التي ستساومهم في المبلغ الذي سيُدفع مقابل الترميم، أو تسرق البيت بالقوة أو بالحيلة».

 

 

 

 

قصةٌ خلف الكواليس


تشكو عكا مِن تطورٍ سريع في البلدة القديمة، حيث تمّ بناء الفنادق وبيوت الضيافة ومطاعم لا تنتمي إلى المكان ولا تشبهه، بيوتٌ حديثة بطرازٍ متطوّر، يلائم روح العصر، لكنه لا يلائم عكا القديمة التي يسودها الطابع التاريخي.
ووراء الكواليس، تبدو القصة أكثر قبولاً للتصديق، إذ تروي المصادر عن «مخطط لتحويل عكا القديمة إلى بلد سياحي، كما يافا، ليس فيها سكان، فارغة مِن أهلها، بيوت ضيافة، وفنادق، وساحات، ولا حياة ولا تاريخ ولا ذاكرة، وإغراءات متواصلة لشراء المزيد من البيوت».
في حال حدوث ذلك، ترى نورا منصور أن «الحل سيكون في التصدّي. وهنا، يأتي دور المؤسسة والسلطات في التصدي لكل مخططٍ وإسقاطه، بدعمٍ من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب. ينجح مشروع إسقاط هذه المخططات بتوحيد الأحزاب العربية وجميع القنوات المجتمعية، شرط التنسيق والدراسة».
وعلى الرغم من القلق، يرى الناشط العكاوي عبد برغوث أنّ «إسرائيل لن تنجح بتهجير أهل عكا الذين يعشقون بحرها، ويبدون متمسكين ببقائهم فيها. وتبقى الحاجة إلى دعم رؤوس أموال واستثمارات جدية تفك ضيقة سكان عكا العرب المحتاجين. والأمر الأهم هو التوعية والحراك الشبابي الذي كسر مشروع «برافر»، وسيكسر كل مشاريع التهويد التي تسعى لتحقيقها المؤسسة الإسرائيلية».