| 

يشدّ الفدائي الفلسطيني عبد الإله الأتيري (أبو خليل) بعقارب ساعته إلى الخامسة والنصف من صباح يوم الخميس في 21 آذار 1968، في قرية «الكرامة» في الأغوار الأردنية، المتاخمة للحدود الفلسطينية. يحرق سيجارته الأولى قبل عشر ستليها، في محاولةٍ لإغراء الذاكرة بالعودة إلى معركة خاضها وانتصر فيها رفاقه الفدائيون والجيش الأردني وتشكيلات «جيش التحرير الفلسطيني»، في مثل هذا الشهر. والرجل (65 عاماً) الذي يقيم اليوم في مدينة نابلس مع عائلته منذ عودته إلى الأراضي الفلسطينية في العام 2006، كان قد أسر خلال المعركة بعد انتهاء ذخيرته، وحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أعوام في سجون الاحتلال، أبعد إثرها إلى خارج الوطن.
يصف أبو خليل حياة الفدائيين اليومية آنذاك بالمتواضعة: «كانت علاقتهم مع الأهالي في منطقة الكرامة على وئام، يساعدون المزارعين في حقولهم مقابل الحصول على بعض الخضار. غلب اللون الكاكي على لباسهم البسيط، وغذاؤهم اليومي تكوّن من العدس والبطاطا والبيض والسردين. لم تكن اللحوم من قائمة الطعام الرئيسة».
وعن تسليحهم، يقول أبو خليل: «اعتمدنا على ما تحصل عليه دوريات مهمتها جلب بقايا العتاد الذي تركه الجيش السوري في الجولان بعد حرب العام 1967. ومن أنواع السلاح المستخدم، أذكر رشاش بورسعيد المصري والعدد القليل من رشاش الكلاشنكوف ومتنوع من القنابل الهجومية والدفاعية، بالإضافة إلى الألغام التي تم تفكيكها من خلف الجيوش العربية عقب حرب 67. وامتلك الفدائيون عدداً بسيطاً من مدافع الهاون عيار 120 ملم وقذائف الـ آر بي جي».
أبو خليل الذي تقاعد من العمل في السلطة الفلسطينية برتبة لواء، قرّر إنشاء مزرعة للأبقار حتى فرضت عليه عمليةٌ في القلب منعته نهائياً من الاستمرار في العمل: «أفضل وقت قضيته خلال هذه السنوات كان في مزرعة الأبقار، فهي تعطي ولا تخون».
 

الاستعداد


ووفقاً لأبي خليل، بدأت استعدادات الفدائيين الذين ينتمون بمعظمهم إلى «حركة فتح» وقوات التحرير الشعبية، قبل خمسة أيام من المعركة. أجروا جلسات لتقدير الموقف، بعد ورود معلومات استخبارية من الضفّة ترجّح أن إسرائيل ستشن المعركة لا محالة، «إلا أن إصرار الفدائيين الذين كان نصفهم متخرجي جامعات «الأزهر» و«عين شمس» و«القاهرة»، على الشهادة، كان له الأثر الأكبر في الصمود حتى النصر».
يتابع: «كانت أعمارنا تتراوح ما بين 18 و30 عاماً. حينها، لم نكن نعرف الرتب العسكرية، ولم يكن لدينا ما يسمى بالرواتب أو الاستحقاقات المالية أو المكاتب الفخمة والسيارات السوداء.. كنا فدائيين فقط». أبو خليل يقول إن الفدائيين راقبوا التحركات الإسرائيلية عبر المناظير، واستعانوا بالمعلومات التي كانت زودتهم بها مجموعات الرصد في الضفة، كما راقبوا عبر الحدود المكشوفة تحركات جيش الاحتلال قبل أيام من المعركة. إلى ذلك، استفادوا من المعلومات الاستخبارية «التي كانت تصلنا من الجيش الأردني، وكان رئيس أركانه حينها مشهور حديثة. وكان حديثة متأثراً بهزيمة عام 67 وينتظر يوم الملاقاة، فكان للمدفعية الأردنية وجيش التحرير أثرٌ واضح في تدمير عدد كبير من الدبابات، ما أدى إلى إعاقتهم بشكل فعلي».
الفدائي أبو خليل الذي ينتمي لحركة فتح يرى أن «تكامل عمل الجيش النظامي العربي مع الفدائيين الحقيقيين أمن الانتصار. لقد دُمّرت معسكراتنا المتواضعة لكنها لم تسقط، وتمكنّا من هزيمتهم بحمولة طائرةٍ من الأسلحة الخفيفة التي أرسلها لنا الرئيس جمال عبد الناصر في كانون الأول من العام 1967 أي قبل نحو ثلاثة شهور من وقوع المعركة».

 

 

بداية المعركة


يستحضر أبو خليل إلى واقعه بداية «معركة الكرامة»، بالقول: «مئات الطائرات الإسرائيلية تُسقط حممها ونار جهنم على معسكراتنا. وخلال نصف ساعة من بدء غارات الطائرات، كانت الدبابات الإسرائيلية، بأشكال وأنواع مختلفة، تغرس جنازيرها في أرض المعسكر». حينها، «كنا ننام بأحذيتنا العسكرية، وعلى أجسادنا الأحزمة الناسفة، استعداداً لقدومهم. وتمكّنا من إعاقتهم بما لدينا من أسلحة خفيفة، عبر الاشتباك معهم وجهاً لوجه، وكانت الأوامر العسكرية لنا تقضي بأن كل ضابط في موقعه هو قائد المعركة، وله حرية التصرّف».
يتابع أبو خليل: «حمل عدد من الفدائيين الألغام والأحزمة الناسفة وفجروا أنفسهم بالدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت معسكراتهم، وكان الفدائي في الهواء الطلق، بينما يحتمي الجنود الإسرائيليون داخل الدبابات». أما الجيش الأردني الذي كان أعاد تنشيط كتائبه المدفعية القتالية فقد كان دوره «أساسياً في دخول دوريات الفدائيين إلى الضفة. والأوامر العسكرية مفتوحة لـ«قوات الحجاب» الأردنية بفتح النار على الجيش الإسرائيلي في حال اشتبك مع الفدائيين، وهذه كانت أسبقية».
الجيش الإسرائيلي الذي كان منتشياً بالنصر في حرب العام 1967، وضع ثلاث فرق عسكرية غرب النهر، محميةً بغطاء كامل من الطائرات المقاتلة والمروحيات. أمامه، ثلاثة أهداف يريد تحقيقها وفق الأتيري، هي: «سحق الفدائيين والإجهاز عليهم بشكل نهائي، وضرب الجيش الأردني، وكسر إرادة الأمة من خلال إجبار الأردن على إبرام اتفاق صلح مع إسرائيل، يشمل عدم السماح للفدائيين بالتواجد شرقي النهر».
النصائح التي كانت تأتي للفدائيين أفادت بأن «لا قدرة لهم على قتال جيش إسرائيل المنتصر على الجيوش العربية قبل نحو سبعة شهور من بدء معركة الكرامة، لم يؤخذ بها»، وصفها أبو خليل بـ«الفارغة». يقول: «كان لـ ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو صبري صيدم قرار إما بالصمود أو المجابهة، لكن في معركة الكرامة خالفنا النظم العسكرية، إذ كانت لدينا رغبة بكسر مقولة الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر، بما لدينا من سلاح وخطط بسيطة».
عندما وقعت معركة الكرامة، كان أبو خليل في العشرين من عمره. وكان قد أتم في القاهرة دورة عسكرية متخصصة بالمتفجرات والأسلحة. عمل آمر مدفعية «هاون» عيار 60 82 ملم، في قاعدة «أبو الشريف هواش» بمعسكر الكرامة، ورأى بالقرب منه استشهاد رفاقه الفدائيين تيسير هواش وعبد المطلب الدنبك، وربحي محمد حامد.