| 

كلّما تجاور الشرف والغضب، خرج مشهدٌ عصيٌّ على الهضم، لا يؤسس لشيء، وإنما هو يستند إلى الخراب الاجتماعي الذي نحيا داخله، ويعزّز استمراريته. وتلك التجربة تكرّرت مؤخراً في الحيّز الثقافي تحديداً، أي في خط الدفاع الأخير عن التغيير، خلال «النقاش» العام الذي استهدف فيلم «يرموك» للفنان الفلسطيني محمد بكري (1953).
ظهر هذا التجاور بين الشرف والغضب في كامل فصول تجربة الفيلم القصير، بدءاً من مضمونه الذي شوهد أساساً على موقع «يوتيوب» خلال الشهر الماضي، مروراً بالحرب الصغيرة التي أثارها بين نخب الشباب السوري والفلسطيني المثقف والمتمكّن من «وسائل التواصل الاجتماعي»، وصولاً إلى التبرير الختامي الذي أقدم عليه المخرج قبل سحب الفيلم عن «يوتيوب».
 

الفيلم، محور الغضب


محمد بكري هو فنان فلسطيني، من قرية البعنة الواقعة بالقرب من عكّا، اشتهر له عرضٌ مسرحيّ منفرد (1986) عن نص «المتشائل» لإميل حبيبي يحمل العنوان ذاته، كما إخراجه لفيلم «جنين جنين» (2002). وهو إذ أثار غضب المؤسسات الإسرائيلية واستجلب لنفسه إجراءاتها مراراً، تراه لم يراكم في أذهان العرب ما يقيه شرّ إما التخوين أو الإهانة، وقد عاد عليه بهما وبامتياز فيلم «يرموك» (2014).
ظهر «يرموك» على موقع «يوتيوب» خلال الشهر الماضي، ثم سُحب عنه إثر الحملة الشعبية التي هاجمته وما تلاها من تبريرٍ أقدم عليه بكري، يفيد بأن الفيلم سُرق قبل جهوزه للعرض بفعل فاعلٍ كارهٍ له حاقدٍ عليه. إثر التبرير المؤامراتي هذا، الذي لم يجب على بنود «الهجوم» العام وإنما استبدل ثورة الغضب بثورة غضب شبيهة، جيّرها ضد الكيديات الشخصية، وسحب الفيلم عن «يوتيوب»، واختفى «نقاش» المسألة، وكأن شيئاً لم يكن.
الفيلم مدّته ثماني دقائق، كتبه وأخرجه بكري، وأدّى فيه دور البطولة إلى جانب العديد من أفراد عائلته، وصوّره في قريته في فلسطين. كأنه أقفل على نفسه تماماً ليخرج منها ما يعتمل فيها، أو ما يفترض أن يعتمل في نفس الرجل العربيّ اليوم. ولوضع المسألة في سياقها العام، فتح بكري فيلمه بعبارةٍ تقول: «جرّاء الأحداث الدامية التي اندلعت في سوريا منذ العام 2011، تشرّد مئات الآلاف، وعضّهم القهر والجوع»، وختمه بجملةٍ أخرى تضعه «برسم الأمّة العربية». أما قصّته فقد سعت لوضع الشرف برسم الغضب. وقد نجحت في ذلك.
غرفةٌ معتمة فيها عائلة، أب وأم وأطفال، بنات وصبيان، يجلسون إلى الأرض في نصف دائرة، يعضّهم الصمت والجوع. جوّ الفيلم داكن جداً، وسيبقى كذلك بينما الأب المهزوم ينقل ابنته بالسيارة إلى مكانٍ بالقرب من جدارٍ يشبه جدار الفصل الإسرائيلي، لـ«يفحصها» رجلٌ مرافقٌ لآخرٍ خليجيّ ينتظره في السيارة. يكشف الرجل على الفتاة، يُنزل «سعرها» من «1000» إلى «500»، تحت انكسار الأب. يبيعها، ويعود بالفاكهة وبمزيدٍ من الهزيمة إلى عائلته، فيبادر أحد صبيانها إلى اللهو بالموز، بفقرٍ وكآبة، بعدما انسحب الأب من الصورة، وبقيت الأم مع بناتها على جوعهنّ والأسى.
يقول الفيلم إذاً إن الموت الكثيف والدمار الهائل والجوع المفروض هي وقائع لا تكفي وحدها لتدلّ على راهننا. وإنما هي دربٌ تقود إلى مصيبة، وليست هي المصيبة بحدّ ذاتها. حتى بيع الإبنة ليس بحدّ ذاته المصيبة الكبرى، وإنما بيعها لمن سيمارس الجنس معها تحديداً، وليس لمن سيبيع أعضاءها مثلاً أو يشغّلها استعباداً. المصيبة هي وضعٌ يضطر الرجل فيه على أن يختار بيع «شرفه»، بإرادته المحاصرة.

 

 

المقايضة الأخيرة


استحمل العربي، وتحديداً اللاجئ والفقير، الموت الكثيف والدمار الهائل والجوع المفروض بنسبٍ متفاوتة على مرّ تاريخنا الحديث. وأحياناً، استحملها كأسلوب حياة وليس كواقع حربيّ فحسب. وقد تجلّلت هذه العقود من الزمن بشعارات تحكي عن أهمية الحفاظ على الشرف، مهما تضخّم حجم الخسائر. ولعبة الشرف هذه داخلية، تقع داخل المجتمع، تغذيها الدساتير والقوانين، أيّ الأنظمة، عبر التركيز على حق الرجل العربي بالسيادة عليها. فيضحي الشرف على مرّ العقود المتراكمة، مفهوماً تعريفه جامد ومطّاط في آن، يشتد ضيقاً كلما اشتدت العقود قسوةً وتراكم خلالها الموت والدمار والجوع، يُنزله الرجل العربي بمحيطه الأقرب، لا يمسّ حياة الأنظمة به، وإنما يغذّي العنف العام بالعنف الخاص، وينفّس الغضب العام والخاص في جسدٍ تقدّمه له الأنظمة ككبش فدائها، تكرّماً وليس اضطراراً حتى.
الشرف هو مفهومٌ يُنزله الرجل بعائلته، بينما الأنظمة تنزل به وبعائلته ما شاءت من براميل متفجرة. فلما تنهمر البراميل، تراه ينكسر كبطل تراجيدي مهزوم، يبادر إلى «انتحار» شرفه في مقايضة أخيرة هدفها الحفاظ على آخر رمقٍ لدوره كـ«ربّ» أسرة، أي إطعامها، بينما المرأة/الأم تسند خدّها على كفّها، تنتظر مبادرته، وتنتظره.
وهي إذا كانت صورةً عن الردح الأكبر من الواقع العربي، إلا أنها تُسقط عمداً وعادةً مشاهد كثيرة جداً من هذا الواقع، تنحرها لتحفظ نسيج هذه النهاية التراجيدية للبطل المهزوم حتى «شرفه». وهو نسيجٌ تشجّع استمراريته الأنظمة، ويُبقي هذا الرجل أسير قلقه على «شرفه»، حتى في عزّ السعادة. فهو قلقٌ لأن شرفه يقيم في جسدٍ آخر، مهما ملّكه الدين والدولة عليه من سلطات، سيبقى آخر. وهو قَلقٌ يمنحه السلطة على هذا الآخر، فيصبح عالقاً بين قوة السلطة ووطأة ضياعها، أكان «الضياع» إرادياً كما في الفيلم أو لا إرادياً فتليه جرائم الشرف.
أما ما يسقطه نسيج هذه الحدوتة الحاكمة فهو مشهد المرأة لمّا تزيل خدّها عن كفّها، ومشهد الإبنة لمّا تكون يومياً في هذا «الزواج». هناك قصة أخرى، غير قصته، لا تقلّ عن قصته مأساوية، وبالتأكيد هي لا تقل عن نضاله نضالاً، إن كان النضال من أجل الوجود أو الحرية. ولمّا انكسر الرجل كثيراً وهو يبيع ابنته، كان يقول بفشل المنظومة التي ينتجها هذا النسيج. وكاد نقد الفيلم أن يستشعر هذا الفشل، لكن حفلة الشرف تستجلب الغضب، والغضب يفوز على ما عداه من إمكانيات، فلا تتطوّر فكرةٌ لنا، وإنما تقع مذبحةٌ للأفراد وأفكارهم. وقد وقعت، ولم يستفد منها أحدٌ.. باستثناء النظام «المستقرّ»، إن في المجتمع أو في إدارته، إن هنا أو هناك.
إن منظومة الشرف هذه لا تنفك تحاصر صاحبها. وهي مفصّلة على هذا القياس، ولهذا الغرض، بينما الحياة تنمو خارجها نحو مفاهيم أشدّ اقتناعاً بالإنسان، أشدّ اقتراباً منه، اشدّ احتراماً له. فالبديل عن مفهوم «الشرف» الذي بات موازياً فعلياً في مجتمعاتنا للجريمة، هو التفكير الواقعي بالرغبة والقدرة فالعدالة والنمو نحوها. في كل مجال من مجالات الحياة، يتطور الإنسان لأنه يفكّر ويناقش ويعتمد الصيغ الأنسب بدلاً من تلك التي إما ضاق بها أو ضاقت به، إما تبدّل زمانها أو تبدّلت وسائل الإنتاج، ... وللتغيير أسبابٌ كثيرة، أبرزها الحياة. خارجه، تكون المياه «راكدة»، و«مستنقع». حياة البحر والنهر تقوم على تغيير المياه الدائم. فيبقى النهر نهراً والبحر بحراً، لكن مياهه تتغيّر.

 

 

 

 

النقاش الموقوت


الفيلم يستأهل كثيف النقد. ومأزق الشرف الذي واجهه «الرجل العربي» يستأهل التفكير. وكذلك هي المقاربة التي تتلطى خلف مخيم اليرموك لتحكي عن بلاد العرب اليوم، وقد وُجد في فلسطين صدىً لها ولأحوالها المهزومة والمقاوِمة. لكن انفجاراً وقع في النقاش فأحاله، على اختلاف المقالات النقدية والتعليقات الافتراضية، عجيناً سامّاً من الكلمات العنيفة تنتج قراءتين طاغيتين للفيلم، واحدة أخلاقية والثانية سياسية. وأتت القراءة الفنية كرصاصة الرحمة تُطلق على «يرموك»، إذ تمت مقاربتها بغرض تجريده من كامل حقّه بالوجود خارج حيّز الإدانة التامّة له.
في القراءة الأخلاقية للفيلم، قيل إن اليرموك تحديداً لم يشهد حالات كهذه، لم يبع الرجال بناتهن، وما الفيلم إلا سعي لتشويه سمعة اليرموك ونضال أهله. في القراءة السياسية، قيل إن الفيلم يعفو عن المجرم (النظام) عبر تجهيله، وإبراز موقع «الخليجي» من القصة بطريقة عنصرية. أما فنياً فأتى النقد حرفيّ. انتقدوا التناقض البصري بين اليرموك وبين الأرض التي صُوّر الفيلم فيها، وانتقدوا قرار الرجل ببيع الإبنة بدلاً من بيع ما يمتلكه من أشياء ظهرت في الفيلم، كالسيارة مثلاً. كذلك، انتقدوا خيار الفاكهة يعود بها الرجل إلى بيتٍ جائع، بدلاً من ابتياع مواد غذائية تصمد في وجه الزمن.
«تسطيحي، مقزز، انهزامي، مبتذل، تشويه، غبي، سذاجة، سفالة، إستشراقي، يراضي إسرائيل، تفاهة، قوننة الخيانة والمؤامرة، كيف نغفر، الإذلال، ...». هذا بعضٌ من فيض الكلمات التوصيفية للدقائق الثماني التي «ارتكبها» محمد بكري. سادت النقاش، فخرج الرجل بتبريرٍ لفيلمه يشبه الهجوم عليه، ألقى بواسطته التهم على كتف آخرٍ: «الضجيج والغضب ناتجان عن تحريض من جهة شخص يصفّي معي حسابات شخصية، وهو من حرض عليّ وقام بنشر الفيلم وهو ما زال غير جاهز للنشر». وبقي النقاش جامداً في تعثّره حدّ عقمه.
«لم يحصل هذا في اليرموك»، في مقابل «لم يكن الفيلم جاهزاً للنشر»..
وحيث «حصل هذا»، خارج اليرموك، هل كان فعلاً ينتقص من ممارسيه فحسب، هل شكّل انتشار الخبر مجرّد إدانة لأخلاقهم، وهي دون مستوى أخلاق أهل اليرموك؟ إن فيلم «نحن مو هيك» الوثائقي اللبناني لكارول منصور، قارب هذه المسألة برويّة، وطرح السؤال على أمّ تتجهزّ لـ«بيع» ابنتيها ليس لحصد المال وإنما لتأمين مستقبلهما في ظل عجزها هي وزوجها عن ذلك. أمام ذاك المشهد، شعر المرء بأن مأزق الشرف قابلٌ للتفكيك، لا ليستحيل البيع عادةً أو يدخل ضمن حيّز «المتقبّل» من الأحداث، وإنما من أجل الفهم والنمو.
الإدانة لم تعد علينا بشيء، لا أهل اليرموك استفادوا، ولا أهل فلسطين استفادوا، ولا النظام تضرّر، ولا النخبة الفكرية في المجتمع واجهت مأزقاً من مآزقنا الفكرية. هي حالة الطوارئ تسكننا، فنبادر إلى إلغاء الحركة، منع التجوّل في حيّز البال، من أجل البقاء. كأن أصحاب الرأي قفزوا عن مقاعدهم أمام الفيلم، ليدوسوا بأحذيتهم هذه التجربة الفنية بسرعة قصوى وبعنفٍ كبير، لا يريــــــــدونها، يريـــــــدون أن يلغوا وجودها. ما يستحضر السجن، الاعتقال، التخوين، المحرّمات، الرقابة، تسوية الصوت الناشز بالأرض، تسوية الأرض بذاتها، لنكون عجيناً واحداً من البشر بفكرةٍ واحدة عمّا يجري حولنا ولنا. عجـــــــــينٌ لا يحتمل الاختلاف أو الخطأ، لا يكتفي بالنقد وإنما يحتاج الإلغاء، وهــــــــــذا مرعبٌ.
تلك هي الحال التي تربينا في ظلّها، وتلك هي الحال التي نأتمر بها حين نستشعر الخطر، حتى ولو كنا من تلك النخبة التي تمتلك زوايا معتمة تحيا فيها خارج منظومات السلطة الاجتماعية، وتمارس فيها بعضاً من حريتها في الخفاء. أمام هذا الفيلم، تراها إما تصمت أو تساهم في إعلاء شأن المقاربة السياسية للفيلم على حساب تلك الأخلاقية. لكنها لا تثور صراحةً ضد الأخلاقي، لا تضعه تحت المجهر وتستغل الفرصة لتباشر سكّة تهشيم المحرّم القمعي. لم ينتج شباب هذه النخبة خطاباً مغايراً، وإنما أبقوه معهم دفين الزوايا المعتمة.
لقد استأهل الفيلم نقاشاً، لا لكونه جيّداً أو مسيئاً، فنياً أو لجهة خطابه، وإنما لما حواه من أفكارٍ نعرف عمق تجذّرها في المجتمع العربي، أيّاً كانت أراضيه. ولقد خسرنا هذه الفرصة، مرةً أخرى، كوننا ثرنا لأجل شرف أهل اليرموك ضد من «دنّس شرفه». هكذا، كعشيرةٍ هائجة.
إنها النتيجة المكرّرة ذاتها لفيلمٍ مكرّر بدوره. لم يتغيّر في التجربة شيءٌ، مع أن كل شيء من حولنا يرجونا كي نغيّر فينا شيئاً ما..