في بداية العام الأكاديمي 2010 - 2011 عُيّن خليل هندي رئيساً لجامعة "بير زيت"، الجامعة الأهم والأشهر فلسطينياً. هندي المولود في قرية الطنطورة في حيفا في سنة 1944، عاش مع عائلته لاجئاً منذ سنة 1948 حتى سنة 1962 في مدينة طولكرم في فلسطين. حصل على منحة دراسية انتقل في إثرها إلى لبنان للدراسة. وعاش في إنجلترا من سنة 1971 حتى 2002 حين بدأ العمل في "الجامعة الأميركية في بيروت".
ويحمل هندي شهادة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من "الجامعة الأميركية في بيروت"، والماجستير في الهندسة الإلكترونية من جامعة "مانشستر"، والدكتوراه في الهندسة الإلكترونية من جامعة "مانشستر"، والدكتوراه العليا في العلوم الإدارية من جامعة "برونل".
هيئة التحرير في "مجلة الدراسات الفلسطينية" التقت هندي أثناء زيارته لبيروت، وأجرت معه حوارا مفتوحا وبلا قيود، عن الشخص والوطن والسياسة والمجتمع والحياة الأكاديمية.
في ما يلي مقتطفات من الحوار، تتناول وضع "بير زيت" خصوصا والجامعات عموما، ودور التعليم الجامعي في المجتمع. أما المقابلة كاملة فنشرت في العدد 98 من المجلة (ربيع 2014).


حاوره: الياس خوري، ميشال نوفل، خالد فرّاج، أنيس محسن

÷ (..) جامعة «بير زيت» كبيرة ولديها سمعة جيدة كجامعة فلسطينية، ولها تاريخ مجيد علمياً وسياسياً، فهي خرّجت كوادر الانتفاضة الأولى، وكثيراً من الكوادر الفلسطينية وما زالت. أنت الرئيس الرابع (..) هلاّ تحدثنا عن الجامعة...؟
} (...) في تقديري أن نجاح خريجي «بير زيت» في أداء أدوار قيادية في مناحي الحياة كافة يعود إلى أن الجامعة تبنّت النموذج المعروف بالتعليم الليبرالي (liberal arts)، إذ مهما يكن اختصاص الخريج من «بير زيت»، فإنه يتلقى في الجامعة تربية عامة (general education) تجعله مطلاً على الدنيا ويعرف عن الكثير ويتمتع بسعة الأفق وبتفكير نقدي وقدرة على التعلم، وكلها أمور تؤهل للقيادة والفعل والتأثير.
للأسف، قبل تسلمي منصبي بزمن، بدأ ذلك يتغير. طغى التعليم التقني من دون ثقافة عامة، فأصبح الخريجون الآن أقرب إلى ما تنتجه جامعات منطقتنا العربية التي تعتمد الحشو والتلقين (...).
كذلك أصبح الإرث الوطني مشوهاً وغير عقلاني. كمثال، دعا برنامج الماجستير في الدراسات الدولية القنصل البريطاني لإعطاء محاضرة بشأن العلاقات الفلسطينية - البريطانية خلال الأعوام الخمسين الماضية. فنُظّمت تظاهرة في الجامعة وطُرد الرجل بدعوى أن بريطانيا دولة استعمارية وصاحبة وعد بلفور. كيف يكون تكوين طلبة دراسات دولية إن لم تتح لهم فرصة الحوار مع سياسيين ودبلوماسيين دوليين من شتى الدول؟! مثال آخر هو زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. كان يريد الاجتماع بأساتذة وطلبة من جامعة «بير زيت»، فأصدرت الكتل الطلابية بياناً يخوّن كل مَن يجتمع به. أليس من الأفضل أن نُسمِع زعيم دولة كبرى كفرنسا ما نريد؟!
÷ هل يمكن إصلاح الوضع برأيك؟
} ممكن، والأمر ليس مستحيلاً، لكنه يصطدم أيضاً بالاتجاهات الدينية في الجامعة التي يعتقد أصحابها أن الثقافة العامة تشجع على الإلحاد، ويرون أن تدريس الأفكار العلمانية والاشتراكية والليبرالية والفلسفات المختلفة أمر بغيض مشبوه. عندما يحتج بعضهم، أقول لولا الجو التعددي الليبرالي، بالمعنى الحميد للكلمة، لربما وُوجهتم بالقمع.
الأمر سيان بالنسبة إلى التيارات غير الدينية. مثلاً قبل مدة، كان حزب «التحرير الإسلامي» يقيم نشاطاً تضمّن محاضرة، فأبدى بعض الطلبة استياءهم وجاءوا كي يطلبوا مني إيقاف النشاط لأن في الكلام الذي كان يقال إهانة للنساء. أنا شخصياً أعتقد أن في كلام «حزب التحرير» كثيراً من الإهانة للنساء، لكن حرية التعبير في الجو الجامعي تقتضي السماح حتى لأكثر الناس تطرفاً بإبداء آرائهم، وعلى الآخرين مقارعتهم بالحجة. وإذا ما رضخت الجامعة وحرمت «حزب التحرير» من الكلام، فسيأتي مَن يطالب بمنع «فتح» أو «حماس» أو غيرهما. الوضع معقد كثيراً لأن التعددية الثقافية ليست متأصلة فينا.
÷ مؤخراً دارت معركة بين طلاب جامعة «بير زيت» وبين الإدارة بسبب الأقساط والرسوم، هلاّ أطلعتنا على أسبابها؟
} إن النموذج الاقتصادي للجامعات الفلسطينية غير مستدام، لأن 70 إلى 80% من العائدات هي عبارة عن أقساط، و70 إلى 80% من النفقات هي على شكل رواتب وأجور، بينما الأقساط منخفضة جداً (...) عندما تكون الأقساط منخفضة جداً، فإن ذلك يشكّل معونة مالية للأغنياء والفقراء على حد سواء. ما حاولناه هو تصحيح الوضع بزيادة الأقساط، وفي الوقت نفسه زيادة المعونة المالية، كي يدفع مَن يستطيع، أما مَن لا يستطيع، فيتلقى معونة مالية تمكّنه من الاستمرار في الدراسة في الجامعة (...) ومع الأسف، باءت هذه المحاولة بالفشل، إذ نجمت عنها مشكلات وسجالات أدت إلى إغلاق الجامعة قرابة شهر.
÷ هل جرّبت أن تتفق مع الطلاب؟
} الطلاب المنتمون إلى الفصائل يقولون إن هذه ليست مشكلتنا ـ لقد استشرت في المجتمع الفلسطيني ثقافة الاتكالية ـ وهم يرون أن العالم ملزم بنا، وعند أي مطالبة للناس بدفع الضرائب أو الأقساط الجامعية، يكون الجواب العفوي: لماذا ندفع، على الدولة أن تقدم كل شيء وعلى المجتمع الدولي أن يقدم كل شيء.. ألم تجرب مع الأوروبيين أو مع الخليجيين؟ الناس يطالبون بالحلول السحرية الآتية من الخارج، والقوى السياسية تريد دائماً أن يتم الأمر من طريق التسويات.
÷ أوليس مجلس الطلبة شريكاً؟ ألا يوجد ممثل لمجلس الطلبة في إدارة الجامعة؟
} هذه من الأشياء الناقصة التي يجب تصحيحها. قبل أن تحدث الأزمة الأخيرة قررنا أن يضم المجلس الأكاديمي، وهو من المجالس المؤثرة، ممثلين عن الطلبة، إذ يوجد ممثلون عن الطلبة في مجالس الدوائر ومجالس الكليات، لكن ليس في المستويات الأعلى في هيئات الجامعة.
ما هو التزام الحكومة الفلسطينية تجاه الجامعات؟
على الورق، نظام التعليم العالي الجامعي الفلسطيني متقدم ويجب الحفاظ عليه لأن أغلبية الجامعات هي جامعات عامة، بمعنى أنها غير ربحية ومستقلة عن السلطة ويديرها مجلس أمناء مستقل، لكنها مؤهلة للدعم الحكومي، والحكومة لا تتدخل مباشرة في شؤونها.
ووفق النظام التعليمي هذا، هناك نوعان من الجامعات: الجامعات الحكومية التي تدار مباشرة من وزارة التعليم العالي وموظفوها تابعون مباشرة للوزارة؛ وجامعات خاصة ربحيّة. الآن الاتجاه السائد في أوساط السلطة يقول بضرورة «إزاحة الجامعات العامة عن كاهل الحكومة» بتحويلها إلى جامعات خاصة ربحية. يقول آخرون إن على الجامعات أن تكون كلها حكومية، وعندها تعرف الحكومة كيف تديرها. أنا من الأشخاص الذين يقاومون الاتجاهين.
÷ لديكم مشكلة عامة مثل كل الجامعات: مشكلة ميزانيات وتمويل. كيف ترى سبل الخروج من هذه المشكلة: كرئيس جامعة وأكاديمي ومثقف... ثم ما هو دور التعليم العام الجامعي في المجتمع؟
} (...) يجب أن يكون هناك نوع من التوافق المجتمعي على دور الجامعات. الآن لا يوجد أي نوع من الحوار بشأن هذا الموضوع ولا يوجد توافق مجتمعي. هناك اتجاهان: الأول يعتبر أن الجامعات مصنع للشهادات أو مؤسسات تدريبية تزود الناس بالمهارات كي يجدوا عملاً؛ الثاني يرى أن الجامعة ليست دورة تدريب ولا مصنع شهادات. أنا مع التوجه الثاني، وأرى أن دور الجامعة هو، فضلاً عن تخريج الكادر التقني، حماية العقلانية في المجتمع من طريق الإنتاج الفكري والثقافي والفني والعلمي، ومن دون التغاضي عن متطلبات سوق العمل.
(...) هذه هي العناصر التي أحاول أن أدخلها في النقاش المجتمعي بشأن دور الجامعات في فلسطين. لكن لفلسطين وضعها الخاص، وضمن الوضع الخاص هذا هناك عنصران آخران يجب أن يدخلا في دور الجامعة: الأول هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل تنفيذ مخططه الكبير بالاستيلاء على الأرض كافة ـ عبر المفاهيم القديمة التي ترى الفلسطينيين حطابين وسقائين، أي أنهم في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي. وكي نتلافى هذا المصير، على المجتمع أن يهتم بالتعليم العالي؛ الثاني إبقاء الخريجين في الوطن (...).
ومن الأدوار التي يجب أن تضطلع بها الجامعات في فلسطين، الاهتمام بالعلوم الاجتماعية. فلسطين هي مختبر هائل للعلوم الاجتماعية، لكن الإنتاج العلمي الفلسطيني في هذا الحقل ضئيل ومتواضع، وربما يعود ذلك، في جانب منه، إلى الدور الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية «السياساتية» التي تتكاثر في البلد. فهي تعهد إلى أساتذة العلوم الاجتماعية بوضع أوراق «سياساتية» سريعة لا تقوم على البحث الجدي، في مقابل مبالغ مالية مجزية (...).
÷ (...) هل تفكرون باستقطاب أساتذة وطلاب من فلسطينيي 48؟
} (...) هناك توجه الآن لاستقطاب طلاب من الـ 48. عندما أتيت إلى الجامعة لم تكن هناك خطة لذلك. عملنا على ذلك ولا نزال. في الأردن هناك عشرات آلاف الطلبة من 48، أمّا في «بيرزيت» فإن العدد لا يزال متواضعاً، ربما أقل من 30، مع أن شهادة «بير زيت» معترف بها في إسرائيل وتلقى التقدير، ولا سيما من الروابط المهنية والجمعيات العلمية.
أمّا بالنسبة إلى الأساتذة من 48، فلدينا حفنة من الأكاديميين المميزين نعتز بهم. قبل سنة 2000، كان عددهم كبيراً نسبياً... بعد ذلك أصبح التنقل من الضفة الغربية وإليها صعباً جداً، فقلّ العدد. وربما كان هناك سبب آخر هو أن الجامعات في إسرائيل أصبحت أكثر انفتاحاً على استقطاب أكاديميين فلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية، وشروط العمل هناك أفضل.
باختصار، ليس الوضع من هذه الناحية مرضياً، لكننا نحاول. وقد أنشأنا مشروع الماجستير للدراسات الإسرائيلية، ونسعى لتوفير التمويل له، فإن نجحنا، كان هذا البرنامج مجالاً رحباً للتعاون مع أساتذة من الـ 48 (...).
أمّا تأثير الجامعات الإسرائيلية في جامعة «بير زيت» فمعدوم. الجميع متفق على مقاطعة الجامعات الإسرائيلية التزاماً بالمقاطعة الأكاديمية العالمية لإسرائيل، لكن هناك ســـجالاً بشــــــأن اســــــتقبال الأكاديميين الأجانب في «بير زيت» إن زاروا أيــــــضاً جامعة إسرائيلية، لأن بعضنا يرى أن من الخطأ أن نعــــزل أنفسنا عن العالم. كثيرون من الزوار يأتون إلى «بير زيت» لشعورهم بالذنب إن هم زاروا جامعة إسرائيلية ولم يزوروا جامعة فلسطينية، وبعضهم يتلقى النصح من أساتذة إسرائيليين بضرورة زيارة «بير زيت»..

الموقع الإلكتروني لـ«مؤسسة الدراسات الفلسطينية»:
http://www.palestine-studies.org/ar_index.asp