-   | 

«لا يستطيعون تجريمنا وسرقة وانتزاع هويتنا الحقيقة واستقلاليتنا، ولن يقدروا على منعنا من أن نكون مسيّسين لتحويلنا إلى روبوهات ممنهجة مطيعة للقانون، ولن يستطيعوا أبداً تجريم نضالنا من أجل الحرية».
(بوبي ساندز)
يصادف 17 من شهر نيسان الحالي الذكرى 40 ليوم الأسير الفلسطيني، الذي أقرّه «المجلس الوطني الفلسطيني» في دورته العاشرة في القاهرة في العام 1974، تقديراً لنضال الأسرى وتضحياتهم، ودعماً لحقهم في الحرية. وقد حدث ذلك إثر أطلاق سراح الأسير محمود بكر حجازي في 28 كانون الثاني 1971، في عملية التبادل الأولى التي جرت بين «حركة فتح» وحكومة الاحتلال، وبمبدأ الرأس بالرأس. ويعتبر حجازي الأسير الأول في الثورة الفلسطينية التي انطلقت في مطلع العام 1965، إذ اعتقل في 18 كانون الثاني 1965. وينظم الفلسطينيون سنوياً مختلف أشكال الاحتفال والتضامن لإحياء الذكرى التي باتت «مقدّسة» لديهم، لأنها تحمل جرحاً مؤلماً ظلّ مفتوحاً على مدار التاريخ الفلسطيني. جرحٌ يحمل الألم والفخر، ألم الحنين للحرية، وفخر الاستمرار في النضال من أجلها.

من انتداب إلى استعمار

تعرّض الشعب الفلسطيني منذ بداية القرن العشرين لأشد أنواع التنكيل والقهر من قبل المحتل، بداية بالانتداب البريطاني وحتى الحكم العسكري الإسرائيلي. فعمل المحتل على تفتيت بنية المجتمع الفلسطيني من خلال ملاحقة النشطاء السياسيين والمثقفين فيه، لمنعهم من أداء دورهم الطبيعي في توعية المجتمع والعمل على تماسكه وتحضيره لمعركة التحرّر. ومارس المحتل سياسة الاعتقال والإبعاد والاغتيال وغيرها الكثير بحق كل من شكّل خطراً على مشـــــاريعه. وحــــظرت التنظـــــــيمات السياسية الفلسطينية، وقتلت الثوار واعتـــــقلت الآلاف منهم، ولم تسمح بتكوين بنية سياســـــــية في المجتمع الفلسطيني تصقل هويته وتـــــــترجم تطلعاتها في تحقيق استــقلاله الـــــذاتي على أرضـــــــه.
إذ بموجب الأوامر العسكرية، حظر على 150 ألف فلسطيني الانتظام في أحزاب سياسية فلسطينية تناهض المشروع الصهيوني، وأخذت تشن عمليات اعتقال في صفوف المقاومين منهم. فاعتقلت ما بين نكبة 1948 ونكسة حزيران 1967 قرابة 12000 شخص، كانوا من الفلسطينيين والعرب، غالبيتهم من المدنين، ونقلوا إلى سجون عتليت، صرفند، إجليل ومعتقل حيفا.
فكان السجن مساحة محاطة بالأسلاك الشائكة، داخلها عدة أكواخ خشبية معدة لاستقبال 10 معتقلين، كما سمحت السلــــطات البريطانية للمعتقل باستقبال زائر واحد كل أســــــبوع يراه من وراء الأسلاك، وسمح بشراء المأكولات من متعهد قريب. وكان المعتقلون يهربون رسائــــــل ومقالات يكتبونها من داخل المعتقل إلى الخارج لنــــشرها، في محاولة للحفاظ على التواصل مع الجمـــــاهير في الخارج التي كانت غارقة أيامهــــا في خــــضم الثــــورة.
طالت هذه الاعتقالات الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، والمدرسين الذين رفضوا أسرلة التعليم، والأطفال الذين رفضوا تـأدية تحية العلم الإسرائيلي، والقيادات القروية التي رفضت الخضوع للمساومات والابتزاز، والكتاب والشعراء الذين تمسكوا بعروبتهم وقيم النضال والفداء، والمناضلين السياسيين الذين عملوا على إعادة تنظيم المجتمع سياسياً للنهوض في وجه نتائج النكبة.

سياسات الكبح

استفادت إسرائيل من تجربتها في فرض الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل طوال 19 عاماً، ووظّفتها وطوّرت سياساتها وإجراءاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستكمال مشروعها الاستعماري. وخلال أيام الحرب الخمسة في العام 1967، هجّرت قوات جيش الاحتلال قرابة 460 ألف فلسطيني وهدمت عشرات القرى واحتلت كامل فلسطين.
فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر عسكرية على الضفة الغربية وقطاع غزة. وبموجب هذه الأوامر، حظرت كل أنواع النشاطات السياسية والنقابية والثقافية، ومنعت الكتب وأغلقت الصحف والمجلات، وختمت بالشمع الأحمر مقار المؤسسات الأهلية، وقمعت التظاهرات الرافضة للاحتلال، وزجّ المشاركون بها في السجون.
أنشئت سجون غير تلك التي ورثها الاحتلال الإسرائيلي عن الاحتلال البريطاني، فافتتح السجن المركزي ليهودا والسامرة (سجن جنيد) في 2-7-1984، خاض سجناؤه الـ 673 إضراباً مفتوحاً عن الطعام في 26-9-1984 لتحسين ظروف اعتقالهم. وفي سنة 1982، أنشئ سجن الفارعة بناء على اقتراح من رئيس أركان جيش الاحتلال وقتها رافائيل ايتان، على بعد عشرين كيلومتراً شمال شرق نابلس، بالقرب من مخيم فارعة للاجئين. كما ارتفع سجن نفحة في وسط صحراء النقب في أيار 1980، ونقل إليه في البداية ثمانية وسبعون أسيراً فلسطينياً.
رفض الفلسطينيون سياسات الدمج والصهر والتبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وأخذوا في الحفاظ على مؤسساتهم التعليمية والدينية وبناء مؤسساتهم الاجتماعية والتعاونيات الاقتصادية والمؤسسات الصحية والمراكز الثقافية والرياضية والنقابية، وممارسة تنظيمهم السياسي من خلال هذه المؤسسات، وبالتواصل أحياناً مع قيادة «منظمة التحرير الفلسطينية» في الخارج.
لكن قوات الاحتلال لجأت إلى جـــــــــملة من السياسات لكبح العمل السياسي الفلســـطيني، فنفذت حملات الاعتقال بحق القيادات السياسية والنقابية والمجتمعية، وحاكمتهم أمـــــــــام المحاكم العسكرية التي أنشئت عقب العام 1967، والتي لا تعترف للفلسطينيين بحقوقهم كمدنيين محميين بموجب اتفاقيات القانون الدولي الإنســــــاني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة وسائر اتـــــــفاقيات حقوق الإنسان. وبرز الاعتقال بموجب أوامر الاعتقال الإداري التي يصـــــدرها القائد العسكــــــري للــــــمنطقة، استناداً على ملف سري من دون تهمة ومحاكمة، تجدّد دورياً من دون تحديد سقف زمني لها.
كما تعرّض المناضلون في تلك الحقبة لجملة من المضايقات: الاستدعاءات المتكررة، التوقيف على ذمة التحقيق لأيام وأسابيع وأحياناً أشهر تحت مسمّى «الاعتقال الاحترازي» لمنع المناضلين من المشاركة في أحياء المناسبات الوطنية. ولم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بالاعتقال بل مارس أيضاً سياسة الطرد مباشرة بعد 1967. وثمة تقديرات بأن عدد المطرودين وصل إلى ألفين حتى نهاية الثمانينيات، وركز الطرد على الزعماء السياسيين وأصحاب النفوذ الاجتماعي. فقد طرد في العام 1973 رئيس بلدية البيرة عبد الجواد صالح وعضو الهيئة الإسلامية في القدس عبد المحسن أبو ميزر، كما تعرض للطرد كل من د. تيسير العاروري وأبو علي شاهين.
وطالت الاعتقالات الزعماء السياسيين المنتخبين. فقد اعتقل رئيس بلدية بيت جالا د.حمزة النتشية، وهدد رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة بالطرد، الذي نجا لاحقاً من محاولة اغتيال تسببت ببتر ساقيه. ولم يقف الاحتلال عند ذلك، بل عزله من منصبه في العام 1982، هو وسواه من القادة المحسوبين على «منظمة التحرير الفلسطينية». وتعرض معتقلو «الجبهة الوطنية» من أمثال سليمان النجاب، حسني حداد، غسان حرب، عبد المجيد حمدان وخليل حجازي، لأقصى أنــــوع التعذيب بسبب نشاطهم السياسي، وكذلك حال شيوعين آخرين.

«لجعل المقاوم كياناً معزولاً»

اندلعت شرارة الانتفاضة الشعبية الأولى في التاسع من كانون الأول في العام 1987، وعمّت التظاهرات شوارع قرى ومخيمات ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وأدركت دولة الاحـــــتلال أن ســـــياستها القـــمعية السابقة لم تأت ثمارها، ففتـــــحت نيران بنادقها ونشرت جنودها في كل أنـــــحاء الــــضفة والقـــــــطاع، واعـــتمدت ســــياسات العقاب الجمــــــاعي عبر الاعتــــــــقالات الجـــــماعية لآلاف الفلسطينيــــــين من مختلف الأعمار، ذكوراً وإناثـــــاً، وامتلأت السجون.
سعت إسرائيل من وراء حملات الاعتقال إلى ضرب البنى التنظيمية للفصائل، وتجنيد عملاء للعمل مع الاحتلال. وتعرّض كافة المعتقلين لصنوف متطورة من التعذيب الجسدي والنفسي هدفت إلى تغيير قناعاتهم وتحييدهم عن دائرة الفعل المقاوم للاحتلال.
سعت دولة الاحتلال من خلال الاعتقال إلى تدمير العقيدة أو القضية التي تحفّز الفلسطيني للكفاح، وضرب المرجعيات القيادية التي يتماهى معها الشعب وينتمي إليها ويتحصّن بها، وتحطيم الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها الفلسطيني، لجعل المقاوم كياناً فردياً معزولاً قابلاً للتحكم فيه والنيل منه، وتدمير الأسرة كمكون رئيسي للمجتمع الفلسطيني.
وتجلّى قمع الحركات السياسية الفلسطينية في إبعاد قيادات الحركات الإسلامية التي نشطت في الانتفاضة الأولى إلى معتقل مرج زهور في 17 كانون الأول 1992، إثر عملية خطف الرقيب أول نسيم توليدانو من قبل حـــــركة «حمــــــاس» وقتله. إذ شنت القوات الإسرائيلية بعدها حملة اعــتقالات طالت حوالي ألفي عضو في حركـــــتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، جرى بعدها إبــــــعاد 411 منهم إلى معتقل «مرج الزهور» جنوب لبنان لتفتيت البـــــــنية الحزبية للحركات الإسلامية وسحق قدرتها على مقاومة الاحتلال وتحـــطيم التواصــــل بين خلاياها العــــــسكرية والتنظيمــــــــية، لمنعها من أداء دورهـــــا الســـياسي والعســــــكري عـلى حد سواء.
ومنذ العام 1967 إلى اليوم، تكون قوات الاحتلال قد اعتقلت أكثر من ثمانمئة ألف فلسطيني بينهم أكثر من خمسين ألفاً اعتقلوا بموجب أوامر الاعتقال الإداري من دون تهمة أو محاكمة. ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أضيف عشرة آلاف طفل فلسطيني إلى المعتقلين. وعقــــب انتـــــــخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، اعتقلت إسرائيل أكثر من 55 نائباً من أعضاء المجلس البالغ عددهم 120 نائباً، منهم الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» أحمد سعدات، وعشرات النواب من حركة «حماس»، كما رئيس المجلس التشريعي. وحكمت على قيادات سياسية أخرى بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة الانتماء التنظيمي.
ومن خلال أكثر من 1700 أمر عسكري، واصلت قوات الاحتلال ومؤسساتــــــها إحكام القبضة العسكرية على الأرض الفلسطينية وأهــــــلها، حيث تجرّم هذه الأوامر العسكرية كل نواحـــــي الحياة الفلسطينية، السياسية والاقتصادية والاجــــــتماعية والثقافية. وبموجبها، يتم اعتقال آلاف الفلــــــسطينيين سنوياً، والسيــــطرة عـــــلى مواردهم الطبيعية، واقتلاعهم من أرضهم، وبناء المســـــتوطنات عليها تحقيقاً لجوهر المشروع الصهيوني.

"أقــلّ من شعب"

يقول الأسير وليد دقة في دراسته «صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب»، 2010، إن إسرائيل منذ العام 2004 أنجزت نظامًا علميًا شاملاً وخطيرًا، يعتمد أحدث النظريات في الهندسة البشرية وعلم نفس الجماعات، بغية صهر الوعي الفلسطيني بتفكيك قيمه الجامعة.
ويعتبر وليد دقة أن المؤسسة الإسرائيلية أرادت في البداية من عملية «صهر الوعي» جعل فكرة المقاومة فكرة مكلفة من خلال جملة من الإجراءات التي تهدف إلى تحويل الأسير الفلسطيني من ذاتٍ فاعلة لها شخصيتها وقناعاتها إلى موضوع سلبي متلق يقوم بالأساس على حاجات مادية يتلقاها وفقاً لإرادة السجان. فتتحول حالة الأسر بالتدريج إلى جوهر حياته واهتمامه اليومي، فلا يتحول إلى ذات يدرك من خلالها واقعه ونفسه ويفكر بمصيره أو مصير رفاقه.
ويضيف دقة: «إننا أمام مجموعة من النظم والمستويات المتناغمة، السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يمثل «صهر الوعي» واحدًا من أهم أهدافها. فيمثل هذا النظام الإسرائيلي بكليته حالة من حالات الإبادة السياسية تهدف إلى التالي: عملية تفكيك مستمرة للبنية التحتية لمقولة الشعب، عبر الإجهاز على القيم الجامعة للشعب الفلسطيني، لا سيما قواه وفئاته الحاملة والمدافعة عن هذه القيم كالأسرى بصفتهم الطليعة النضالية، هكذا ليغدو الشعب الفلسطيني أقل من شعب وفوق الإبادة المادية».

باحثان في مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان