| 

«النادي الثقافي الفلسطيني»، تأسّس للمرة الأولى في جامعة بيروت العربية في العام 1993، ليضمّ عدداً من الشباب الفلسطينيين، المستقلين والمنتسبين إلى تنظيمات سياسية فلسطينية، كما ضمّ لبنانيين مهتمين بالقضية الفلسطينية، ليعوّض غياب العمل السياسي والثقافي للفلسطينيين في الحياة الجامعية وخارجها.
في العام 2014، أصبح هذا النادي أمّاً لستة نوادٍ في كل من «جامعة بيروت العربية» (ومقره مخيم مار الياس حالياً)، «الجامعة الأميركية في بيروت»، «الجامعة اللبنانية الأميركية»، «الجامعة اللبنانية الدولية»، ومخيم البداوي (ويسمى أيضاً «النادي الثقافي الفلسطيني العربي»)، ومخيم شاتيلا. هذه الحركة المستقلة، وإن كانت ثقافية الإسم والمضمون، إلا أنها تعمل على المستوى السياسي من خلال التوعية على قضية فلسطين، وصولاً إلى تشكّلها كبديل عن العمل السياسي الفلسطيني على مستوى الجامعات، والعمل النقابي خارجها (كما هي الحال في مخيم البدواي) على حد سواء.
تسعى هذه المقالة لتقديم تجربة «النادي الثقافي الفلسطيني» بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، في جامعته الأم «بيروت العربية»، والتفرّعات التي نشأت منه إثر منع النشاطات في الجامعة.
 

الأم: «بيروت العربية»


في العام 1993، كانت قد مرّت سنتان على عقد اتفاق الطائف نهايةً للحرب الأهلية اللبنانية، وبدأت بوادر اتفاقية أوسلو تلوح، وفي ظل غياب العمل السياسي الفلسطيني خارج المخيمات الفلسطينية، تشكّلت العوامل التي أسهمت في إنشاء بديل ثقافي سياسي يعالج تراجع العمل الفلسطيني في لبنان. كانت «جامعة بيروت العربية» في ذلك الوقت أرضية ملائمة لعملٍ فلسطينيٍ خارج المخيمات، قادرة على استيعاب مبادرة تتسع للجميع، بما في ذلك أبناء التنظيمات الفلسطينية، للعمل تحت مظلة مستقلة تمثل الكل من دون انحياز إلى طرف أو آخر. فانطلق «النادي الثقافي» من هناك ليضمّ معظم الفلسطينيين في الجامعة آنذاك، بين مستقلين وتنظيميين، وليصبح من بينهم أسماء ذات شأن في العمل المؤسسي والسياسي الفلسطيني في يومنا هذا.
استمر عمل النادي الثقافي الفلسطيني في «جامعة بيروت العربية» بشكل فعلي داخل محيط الجامعة خلال الفترة الممتدة ما بين العامين 1993 و2007، واستطاع بجهود الجامعيين إلى أن يأخذ شكلاً تنظيمياً. فللنادي رئيس ومسؤولو لجان (ثقافية، فنية، إعلامية...) مُنتخبون بشكلٍ دوري من قبل أعضاء النادي الذي تجاوز عددهم العشرات، يتوزعون بين اللجان بحسب اهتماماتهم وقدراتهم على الإبداع والعمل، بتمويل ثابت يؤمنه رفعت النمر بشكل أساسي، كما أصدقاء للنادي بشكل ثانوي غير ثابت. وكانت لكل لجنة مهمة خاصة، فهي تُعدّ الأنشطة التي اختلفت بين ندوات ثقافية وسياسية، معارض صور، حفلات فنية وفرقة دبكة (فرقة جفرا، تحديداً) ونشرة تصدر بشكل دوري، بالتنسيق بين مجمل اللجان.
في العام 2007، أجبر النادي الثقافي في «بيروت العربية» إلى الخروج من باحة الجامعة بعد قرارٍ إداري منها بوجوب منع النشاطات السياسية والثقافية والوطنية فيها، إثر الأحداث الأمنية التي عرفت بأحداث «الجامعة العربية»، ما استوجب على النادي اللجوء إلى مركزٍ مستقل في مخيم مار الياس لا يزال يُسيّر عمل نادي «العربية» من هناك. ورغم الانتقال، حافظ النادي على اسمه وشكله وهويته، لجانه الإدارية و«فرقة جفرا للغناء والدبكة»، ولكنه لم يستطع الحفاظ على مئات المنتسبين إليه خلال السنوات العديدة الماضية، وإن كان فعلياً يضمّ طلاباً وخريجين للجامعة، إذ يتوزعون بين مخيمات مارإلياس، شاتيلا وبرج البراجنة. يُذكر أن مركز «النادي» قد تعرّض أيضاً لعددٍ من الحوادث خلال فترة وجوده داخل مخيم مار الياس في محاولة لتقويض عمله داخل المخيم.

 

 

التوسّع شمالاً


قبل ذلك بكثير، وتحديداً في العام 1996، خرج «النادي الثقافي الفلسطيني» من محيط «الجامعة العربية» للمرة الأولى، وإن بمبادرة من أحد خريجيها (أسامة العلي)، لينتقل إلى «الجامعة اللبنانية» في طرابلس، ويعود تدريجياً إلى أحضان مخيمي البداوي ونهر البارد في شمال لبنان تحت اسم «النادي الثقافي الفلسطيني العربي» في العام 1997.
هدفت هذه الخطوة إلى الحفاظ على اسم النادي الثقافي، ونقل تجربة العمل الشبابي الفلسطيني داخل الجامعات وخارجها، مع استمرار هذا العمل داخل «بيروت العربية» في تلك الفترة.
مع دخوله إلى المخيمات، لم يعد يقتصر عمل النادي الثقافي العربي على الفئات العمرية لطلاب الجامعة، فهذا الدخول أوجب تغييراً جذريّاً في الفئات العمرية التي يضمّها أو يعمل لأجلها: كقطاع الطلاب الثانويين، قطاع الجامعيين (الجامعة اللبنانية في طرابلس، جامعة البلمند، والجامعة العربية في طرابلس)، قطاع الخريجين، قطاع الأساتذة، وخلية الطفل الفلسطيني. وكذلك باتت اللجان تحوي أعضاءً من مختلف القطاعات، تعمل في مناطق داخل المخيمات وخارجها. وتم ذلك كله مع الحفاظ على وجود رئيس وأعضاء هيئة إدارية مُنتخبين بشكل دوري من قبل جميع أعضاء النادي، خلال جمعيات عمومية.
عمل النادي في منطقة الشمال اخترق العمل النقابي أيضاً، وأصبح له دور فاعل على مستوى الأساتذة في مدارس «الأونروا» داخل مخيمي البداوي ونهر البارد من خلال قطاع المعلمين. يعمل مستقلاً، يبادر، ويخوض التحالفات. وهو اليوم يقود مبادرة باتجاه «اتحاد المعلمين» بسبب قرار «الأونروا» بزيادة رواتب الموظفين فيها، وهي زيادة لا تشمل الأساتذة العاملين في مدارس «الوكالة». فتراه يصدر بيانات ويسعى لتشكيل قوة ضغط على إدارة «الأونروا»، بحيث تتم زيادة رواتب الأساتذة، أكانوا من أعضاء النادي أو لا.
تجدر الإشارة إلى أن النادي اليوم في شمال لبنان يمتلك مركزاً دائماً، وقد أنشأ موقعاً إلكترونياً وأرشيفاً منظّماً يحفظ تاريخ النادي منذ نشوئه في العام 1997 وحتى اليوم.

 

 

 

 

الدخول إلى شاتيلا


في العام 2003، وبمبادرة أيضاً من مجموعة خريجين من «جامعة بيروت العربية»، انتقلت التجربة إلى مخيم شاتيلا. يختلف هذا النادي عن غيره من الأندية، فنطاق عمله ضيّق لا يتعدّى حدود المخيم بشكل أساسي، ويتعداها أحياناً في أنشطة بمناسبات معينة. يضمّ فئة عمرية لا تتجاوز الثلاثين من العمر، ولديه لجان ثابتة (فنية، ثقافية، إعلامية ومالية) لا تنبثق عنها أي قطاعات، تمويله ذاتي وقد يلجأ إلى تمويلات بسيطة تخدم نشاطاً بعينه وتنتهي معه، ويجمع عدداً لا يتجاوز العشرات من المنتسبين. رغم ذلك، تمكّن النادي في شاتيلا من تحقيق صدى على مستوى العمل الشعبي داخل المخيمات، وذلك من خلال أنشطة عدّة أتت لتخدم المخيم كطلاء الجدران، عقد الندوات، وتنظيم نشاطات ثقافية وفنية وسياسية.
ولكن، بقي عمله مقيداً بسبب وجود تنظيمات سياسية فاعلة داخل المخيم، ولعل أكثر الأنشطة التي لاقت محاربة شرسة، على الرغم من نجاحها الباهر على المستوى الشعبي، كان «مهرجان صيف شاتيلا العام 2010» الذي استضاف الفنان الفلسطيني الراحل أبو عرب. فالنادي لم يدخل في أي تحالفٍ مع أي تنظيم، واشترط على رئيسه وأعضاء هيئته الإدارية المنتخبين أن يكونوا مستقلين غير منتسبين لأي تنظيم سياسي، واشترط أيضاً على أعضاء الهيئة العامة من المنتسبين إلى تنظيمات سياسية عدم الانحياز إلى فصيل في أي نشاط. فكان له معرض لمجسمات صواريخ استخدمتها المقاومة الفلسطينية في حربي غزة، ومبادرة في إحياء الذكرى الستين للنكبة، وحفلات عدة للراب الفلسطيني (فرقة كتيبة 5 من مخيم برج البراجنة، والمغني «مقاطعة» الذي استضافه النادي من رام الله في الضفة الغربية)، ومبادرة لإعادة انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني ليكون الممثل الشرعي لجميع الفلسطينيين في الداخل والشتات تحت عنوان «خرق جدار الصمت»، ما استفزّ عدداً من الحزبيين داخل المخيم.

 

 

 

 

تقييم التجربة بين الجامعة والمخيم


في استعادة للتجربة، يجد المرء أن «جامعة بيروت العربية» التي جمعت بين لبنانيين وفلسطينيين وعرب من جنسيات أخرى، سمحت بالتعدّد داخل أنديتها، ومن ضمنها «النادي الثقافي الفلسطيني». فمنذ انطلاقته في العام 1993، تمكّن النادي من أن يجمع بين جنسيات مختلفة، وانتماءات سياسية وحزبية عدة، بهدف العمل على قواعد مشتركة لاقت إجماعاً فلسطينياً - لبنانياً - عربياً عليها طوال فترة تواجده داخل الجامعة، ومنها «الاعتراف بكامل التراب الوطني الفلسطيني» و«عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم» و«إحياء الثقافة والتراث الفلسطيني والتوعية إليه».
لم تختلف هذه القواعد وغيرها مع خروج النادي باتجاه مخيمات البداوي وشاتيلا ومار الياس على فترات متقطعة، ولكن، على الرغم من قدرته على جذب المئات من المنتسبين إليها وخاصة في مخيمي البداوي ونهر البارد، إلا أنه لم يستطع جذب إلا قلة من غير الفلسطينيين، قلة من اللبنانيين على وجه الخصوص، بسبب وجود مراكز دائمة للأندية داخل المخيمات الثالثة تعمل على المستوى المحلي المخيماتي بشكل أساسي، وتتخطاه إلى خارج حدود المخيم في نشاطات محدودة تكاد لا تطال إلا من يبحثون قصداً عما هو فلسطيني خارج المخيم.
«النادي من المخيم من أجل المخيم»، قاعدة لم تستطع الأندية تخطيها منذ خروجها من «بيروت العربية» لسببين: الأول يعود إلى نظرة البعض من اللبنانيين تجاه المخيم إذ تحول دون دخولهم إليه والعمل من أجل القاطنين فيه، والثاني يعود إلى عقلية بعض أبناء المخيم من الذين لا يُبدون تقبلاً لما هو غير فلسطيني، حتى ولو كان يريد العمل من أجل المخيم. يتفاوت عدد غير الفلسطينيين بين نادٍ وآخر، ولكنه يبقى ضئيلاً بشكل عام إذا ما قورن بتلك الأعداد خلال وجود النادي في «بيروت العربية» قبل العام 2007؟ وكأن وجود النادي في الجامعة سهّل على الكثيرين الانتساب إليه.

 

 

 

 

.. وبين بيروت والشمال أيضاً


لم يعش «النادي الثقافي الفلسطيني» خارج «جامعة بيروت العربية» تجارب مطابقة لتلك التي خبرها في حرمها، إن كان في مخيمات الشمال أو في شاتيلا. وحتى «نادي جامعة بيروت العربية» نفسه الذي خرج مجبراً من الجامعة في العام 2007 ليأخذ مركزاً دائماً له في مخيم مار الياس، لم يعد هو ذاته بمجرد دخوله إلى المخيم.
فخارج المخيم شيء وداخله شيء آخر. وهو أمرٌ مرتبط حكماً بالبيئة المحلية للمخيم وحاجاتها، بالإضافة إلى وجود التنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني فيه، ما ينتج تخبطات في التركبية الاجتماعية والسياسية والثقافية داخل مساحة لا تتجاوز بعض الكليومترات، هي المخيم.
الغايات برّرت الوسائل أحياناً، ولم تستطع أن تبرّرها في أحيان أخرى. والدفاع عن استقلالية «النادي الثقافي الفلسطيني» أصبحت بذلك مسألة نسبية تتفاوت بين نادٍ وآخر. على سبيل المثال، شكّلت الحاجات المُلحّة لقطاع المعلمين دافعاً قوياً لدى «النادي الثقافي الفلسطيني العــــــربي» في مخـــــــــيم البداوي للدخول في تحالــــفات مع أطياف سياســـــــية تغرّد بعيداً عن أهداف النادي وركائزه الأساســـــــــية. فشكّك البعض في التزامه البند الأساسي لديه وهو استقلالية النادي، بينما كان «النادي الثقــــــــافي الفلسطيني في شاتيلا» يدافع بشراســــــــــة عن استقلاليته أمام كل ما هو حزبي وسياسي بمناسبة أو من دون مناسبة، إن كان من ناحية الأعضاء المنتسبين لديه أو طبيعة الأنشطة التي قام بها. وفي الوقت ذاته أيضاً، تعرّض «النادي الثقافي الفلسطيني» في مخيم مار إلياس إلى إحراق مركزه بسبب خلافات متعلقة بالسياسة.
إن انتقال الأندية إلى المخــــــــــيمات الثلاثة خلق حاجة جديدة لديها، وهي الدفاع عن اســــــتقلاليتها. فأن يكون الفرد فلسطينياً ويعيش في المخيــــــــــــم، فهذا يعني تحصيلاً أنه ينتمي أو على الأقل يمـــــــــيل إلى فصيل سياسي. ما يدفع بكل من هو مســـــــتقل بأن يجــــــــــاهر باستقــــــــــــلاليته وأن يــــــــــدافع عنها، حتى في غيــــــــاب طرفٍ ثانٍ يحاربه علـى ذلك المــــــــبدأ.