| 

اليوم، وبعد مرور 20 عاماً على وجودنا في بيتنا الكائن بالقرب من البحر، ما زالت هناك رعشة خوفٍ تحاصرني وأنا على وشك الاستيقاظ صباحاً، حين أسمع أصوات الغربان التي تحيط بالبيوت في منطقتنا. وككل يومٍ منذ 20 عاماً، ما زلت أخفّف رعب الخزعبلات هذه حين أتذكر جملة أبي يوم هاتفته في صباحٍ ما لأشكي له أن غراباً وقف على شباك بيتنا: «أنا بحب الغراب حبيبتي. تخافيش». وكانت هذه الجملة أقوى في التأثير وأنجح في الأثر من كل محاولات تذكيري لنفسي في كل صباح بأننا شعبٌ له تاريخ من الخزعبلات والخرافات، وليس علينا اليوم في القرن الواحد والعشرين أن نصدقها. يعني، بحاول أقنع نفسي!
لا أقفز من سريري في الصباح، ليس لأني أحب النوم كثيراً، وإنما كوني، منذ عامٍ تقريباً، قررت أن أعمل صحافية مستقلة وبشكل حرّ. وبالتالي، بتّ أرتب أوقات عملي كما أشاء بحاول، برضه. وصرت أستثمر وقتي ما بين البيت وبين مقهى الكائن بالقرب منه، أو مقهى آخر في عكّا القديمة، أو كيفما أحبّ أن أسميها: عكّا الحقيقية. ولقد استيقظت اليوم عند الساعة التاسعة صباحاً، وكعادتي قبل أن أغسل وجهي، أمسكت بهاتفي الذكي النائم إلى جانبي، وفتحت تطبيقات «فايسبوك» و«تويتر» و«واتساب» و«انستجرام» و«جيميل» كي أطمئن إلى العالم البعيد عني جغرافياً، والممنوعة من الوصول إليه غالباً، لكنه يعيش في غرفتي العكّية الصغيرة أكثر مما تعيش فيها تفاصيل بلدة تبعد عن عكّا 15 كلم فقط.
بيتنا قريبٌ من شاطئ البحر، لكنه يقع خارج أسوار عكّا وهو قريب منها في آن، إذ يقع في المنطقة المسماة اليوم بـ«عكّا الجديدة»، وتحديداً بالقرب من شارع «الغربي» وإحدى دور السينما القديمة التي هُدمت في ما بعد وشُيّدت مكانها مبانٍ سكنية. يطلّ شباك البيت الرئيسي إلى جنوب عكّا، فيشرف على بعض البيوت ومئذنة جامع أحمد باشا الجزار وسقف قلعة ظاهر العمر الزيداني الذي حكم عكّا منذ العام 1744 لغاية العام 1775. فقد بنى قلعته على أساسات صليبية في العام 1751، واستخدمها لاحقاً أحمد باشا الجزار، ثم تحولت إلى سجنٍ إبان الانتداب البريطاني في فلسطين، وأُعدم فيها ثوار «ثورة البراق» الثلاثة في العام 1936: فؤاد حجازي، عطا الزير ومحمد جمجوم. وقد رثاهم الشاعر الفلسطيني نوح إبراهيم في قصيدته المشهورة: «من سجن عكا وطلعت جنازة / محمد جمجوم وفؤاد حجازي / جازي عليهم يا شعبي جازي / المندوب السامي وربعه عموما».
أما أحد شبابيك غرفتي، التي أقضي فيها معظم وقتي للعمل والحياة، فيطلّ إلى شمال عكّا وفلسطين، لكن بعض البيوت أغلقت الأفق الذي كان يطل على جبل رأس الناقورة وجنوب لبنان. وحين أنظر من الشباك غرباً، أرى مقطعاً صغيراً من البحر القريب، الذي يبتعد عن البيت مسافة تقل عن دقيقة عند مشيها على الأقدام.
بعدما أنهيت هذا الصباح المهام التي ألقيتها على نفسي، وصلتني رسالةٌ من صديقتي هبة، وهي من قلنسوة، وتقيم في يافا. تفيد الرسالة بأنها في زيارةٍ إلى عكّا مع عائلتها، وتريد أن تسرق بضع الدقائق لشرب القهوة معي. نزلت من البيت، وخرجت من البناية باتجاه اليمين، أي باتجاه البحر، والتقينا في المقهى المطلّ على البحر وسور عكّا وحيفا وجبلها. لكني قررت أن نجلس حيث تكون وجوههنا باتجاه البحر لا باتجاه حيفا. وأخبرت هبة بسخرية مبطنة عن تاريخ طويل من الصراع العكّي- الحيفاوي: «في نكتة بايخة اخترعها أهل حيفا بتقول إنه أحلى إشي في عكّا هو منظر حيفا»، وأكملت حديثي قائلة: «لازم يضلّ أهل حيفا يتذكروا إنه حيفا الحديثة عمرها 250 سنة.. وأصلاً كل هالبيوت، يعني منظر حيفا، هي جديدة.. بس الجبل هو القديم.. قال أحلى إشي منظر حيفا قال..»، وضحكنا قليلاً.
عدت إلى البيت بعد لقائي مع هبة، وكانت أمي تجهز وجبة الأسبوع العكّية: السمك. كان قد أحضر لنا صديق أبي، عمّي حنا، سمك بوري وقرّاص اصطاده بالأمس. وعلى الرغم من أني أحب الشمس أكثر من العواصف والمطر، وكنت قد عبرت عن مللي من الطقس مؤخراً، إلا أن فرحة الصيادين العكّيين بعد العاصفة وموج البحر العالي، تخفّف عني قليلاً الرغبة بأن تختفي العاصفة. فهذا الطقس، كما يعرف أهل مدن البحر، هو نعمة للصيادين.. حيث يصل السمك نتيجة للأمواج لا إلى الشاطئ فقط، إنما إلى عتبات البيوت أيضاً.
على سيرة السمك.. قبل أيام، دخل أبي إلى المستشفى في حيفا لبعض الوقت. كنا نجلس أنا وأخي في المساحة المخصصة للتدخين، ويجلس أبي قبالتنا إلى كرسي. كان ذلك يوم سبت، والمستشفى شبه فارغ من الزائرين لا من المرضى. في أثناء حديثنا، دخلت مجموعة من الشباب ومعهم رجلٌ في سن أبي تقريباً. أنا رأيتهم وأبي كان يسمع حديثهم، إذ جلسوا خلفه. المهم، بعد لحظات، التفت أبي إليهم وقال مبتسماً: «كيفك خيّا؟ والله عرفتك إنك من عكّا عشان بتحكوا عن السمك وعشان حكيت عن سمكة الزعرة». تبادلا أبي وصديقه السلام، وسأل كلٌّ الثاني عن حاله، ومن ثم عاد أبي ليتحدث إلينا أنا وأخي، وغالباً لم يفهم أخي، مثلي تماماً، ماذا حصل قبل دقائق. فشرح لنا أبي: «عرفته لما قال «زعرة»، عشان بس إحنا العكاوية منقول «زعرة» لسمكة المليطة الصغيرة».
اليوم الخميس، والساعة الآن الرابعة والنصف مساءً. أمامي نصف ساعة كي أصل إلى مقر «مؤسسة الأسوار» في ميناء عكّا، ونصف ساعة هي المدة التي أحتاجها كي أصل إلى حيفا. إذ يمكنني أن أتجول في أرجاء عكّا كلها خلال نصف ساعةٍ لا أكثر. لا يحتاج أي مشوار في عكّا إلى أكثر من 10 دقائق في السيارة أو نصف ساعة مشياً على الأقدام. والمسافة بين بيتنا والميناء هي تقريباً 15 دقيقة سيراً. لكني اليوم، قررت أن أقود السيارة إلى «مؤسسة الأسوار» حيث تقام دورة «عَ الطاقة / مطلّ إلى عكّا»، وهي دورة تدريبية عن تاريخ عكّا منذ الفترة الكنعانية مروراً بالفترة الإسلامية الأولى، ثم الصليبية، ثم ظاهر العُمر الزيداني وأحمد باشا الجزار، وصولاً إلى يومنا هذا في ظلّ الاستعمار الصهيوني لفلسطين.
ركبت السيارة باتجاه مدخل عكّا من جهة جامع الجزّار، مروراً بشارع صلاح الدين الأيوبي، ومن ثم خان الشواردة، إلى أن وصلت إلى الميناء. إلا أني لم أجد موقفاً للسيارة والساعة تقترب من الخامسة. خرجت من الميناء مروراً مرة أخرى بخان الشواردة وشارع صلاح الدين وسور عكّا الشرقي فطريق الشاطئ الغربي كي أصل إلى حيّ الفاخورة، حيث ركنت السيارة. صعدت الدرج الطويل في الحــــــيّ الذي يقـــــع في آخــــــره شــــــباك البيــت الذي عاش فيه جدي سليمان وجدتي بدرية وأبي وأخوانه وأخواته لسنوات طويلة، والمهدد اليوم بأن يُشترى والعائلة التي تسكنه مهددة بالتهجير، كحال بيوت عديدة في عكّا التي تعاني وأهلها من مخطط نكبة ثانية.
أنظر إلى الشباك وأمرّ بجانب باب ساحة البيت وأطمئن إلى أنه لا يزال مفتوحاً، فيمكنني أن أدخل لألقي السلام على أصوات الناس التي ما زالت تعيش فيه، وأعرف بأن الخوف الذي يحاصرني في هذه اللحظة، الخوف من أن يصل اليوم الذي أجد فيه هذا الباب مغلقاً، هو ليس خوف خرافات ناتج عن أصوات الغربان صباحاً.. لأن الغربان التي تحوم فوق شاطئ البحر أرحم من الغربان التي لم تشبع بعد من سرقة البيوت.