| 

في كتابه «الثقافة والإمبريالية»، يحدّثنا الراحل إدوارد سعيد عن محاولته القيام ببحث جغرافي في التجربة التاريخية من خلال السرد، وهو ما يقود - بطبيعة الحال - إلى رؤية الرواية مساحيًا كسلسلة من الأحداث تتوالى في اتساعات «المكان» الجغرافية. فالاستعمار مثلا هو واقعةُ يستحضرها «جوزيف كونراد» في روايته «قلب الظلام» التي تناولتها أطروحة الدكتوراه لإدوارد سعيد - كامتداد وانتشار مكاني في غزو للقارة الأفريقية. وهي امتدادٌ للمركزية البيضاء على جغرافيا بعيدة عنها، مساحات لا بد من كشفها، معرفتها، تسميتها، رسم خرائط لها، تخيّلها، وغيرها من طرائق نحت «المكان» في الوعي وإدراكه، وتنبني أحداث الرواية عن طريق «فلاش باك»، باعتباره استرجاعات تضيء الوراء في الذاكرة. وكان لا بد لذلك التواشج السردي الذاكراتي من أن يحل في المكان/الجغرافيا، وأن يشكله ويهندسه مَن امتلك الجغرافيا.
ماذا لو سئل الفلسطيني عن «مكانه» و«جغرافيته»؟ أين كانت لتعود به استرجاعاته الذاكراتية في روايته؟ وماذا لو نظرنا إلى المكان الفلسطيني الآن، وعكسنا العملية التي ينظر بها سعيد إلى التجربة التاريخية، وبحثنا عن نص/ سرد المكان الفلسطيني فلسطين من البحر إلى النهر-، ماذا ترنا سنرى؟ ماذا كانت لتقول لنا رام الله، يافا، حيفا، عكا والقرى المهجرة كإقرث واللجون وبرعم والعباسية والغابسية والخالصة وقاقون والطنطورية وغيرها؟ وما المسافة بين كل تلك الأمكنة، و«الفلاش باك» الفلسطيني عنها؟ ماذا حلّ في تلك المسافة الزمنية والمكانية في سرد المكان عن نفسه وإدراك الفلسطيني لمكانه المسلوب؟
وإذا كان تحليل النص المكاني وتأمله استباحةً له، فعلى الأقل قراءته تاريخيًا/زمنيًا لا بد من أن تعني شيئًا في تأمل الإدراك الفلسطيني، اتجاه الفلسطيني ومأساته ومعاناته.

رام الله في زمن رأس المال

لعل الأولى بالمقاربة هي «رام الله» باعتبارها مدينة «تدّعي» تمثيل الفلسطيني «المحرر» بـ«حكمه الذاتي» في السرد الحداثي المعولم. وهو ما لا يتاح لفلسطينيي الداخل المحتل، إذ لا يزال هؤلاء عبئًا على حداثة الدولة الإسرائيلية، باعتبارها نموذجًا إمبرياليًا للدولة الحديثة وامتدادًا لنموذجها الاستعماري (بعض مؤرخي اليسار الإسرئيلي الجدد، وعلماء الاجتماع كباروخ كمرلنغ يرفضون استخدام مصطلح «كولونيالية» في سردياتهم الأكاديمية، لتداعياته السلبية بنيويًا على العقل الإسرائيلي، واستدعاءاته الأكاديمية). «نص» رام الله المكاني في سيرورته، ورام الله «المدينة الوردية»سابقًا، و«سويسرا الأردن» في القرن التاسع عشر، لا بد أن يحمل دلالات عن العقل الفلسطيني وكيف يدرك مكانيًا ذاته وموقعه من الآخر والكون، ويكتب سرديته، ومدينته. فـ«رام الله» التي تعيش زمن رأس المال العربي والفلسطيني المكدس رأسيًا/مركزيًا، تعبر عن ذلك بـ«الأبراج»، تلك الأبنية التي لا وظيفة ولا معنى لها إلا «الربح» والاندماج مع المنظومة الرأسمالية الاستهلاكية، موغلة في قبح بصري، يتضادّ مباشرة مع تاريخ المكان (باعتباره نصًا)، محولا «المكان» إلى «فراغ»، لرأس المال الحق في صبّ ما يريد من «العلامات» و«الدلالات» فيه (إحداها «العلامات التجارية»)، وتشكيله كما يريد هو.
تتوالى السطوح المكانية/المعمارية/المدينية في رام الله سرديًا بشكل ينتج حسًا في جانبه يستدعي ذاكرة الأشياء والأشخاص، إلا أنه يشكل إدراكنا لهم، تقول رواية «رام الله الشقراء» لعبّاد يحيى: «عن تسميات الميادين والشوارع في رام الله، إليكَ ملاحظاتي: اسم جورج حبش يطلق على دوار في أفخم أحياء المدينة، ويطلق اسم أبو جهاد خليل الوزير ويحيى عيّاش على شارعين يعبران مجمع وزارات سلطة أوسلو، وشارع إدوارد سعيد أصغر شارع في المدينة، وباتجاه واحد أيضًا» (!). إن تراكب تلك الأمكنة يتجاوزها إلى عمق إدراكي، فنجد أنفسنا أمام حبكة مكانية لرواية واقعية نسير نحن في زمانها ومكانها، إسمها «رام الله».
وإن كانت رام الله تدّعي التحرّر وتسوّق نفسها نموذجًا للمدينة الفلسطينية المرغوبة واللاحقة بالحداثة والتحضّر والتحرّر، إلا أنها لا تزال محتلة (في الوعي وعلى الأرض). وبالتالي، فإن قراءتها لا تتم خارج السياق الاحتلالي/الكولونيالي، باعتباره سياقًا جغرافيًا يغير طوبوغرافيا المكان (الطبوغرافيا تمثيل دقيق لسطح الأرض بعناصره الطبيعية والبشرية). ففي الضفّة الغربية، المستوطنات (المستوطنات تعتبر خرقًا للمادة 49 من ميثاق جنيف لحقوق الإنسان)، هي المسطح المكاني من الجغرافيا الممنوع على السكان الأصليين، حتى ولو كانوا هم من بنوه بأيديهم، مسيجة بحمايات وأسلاك شائكة، هي مسطحًا لسردٍ مكاني، يمنع أي سرد مكاني فلسطيني من أن يتجاوز مساحته، هو في حالة قطيعة حصرية وحصار لباقي مسطحات ذلك المكان من قرى ومخيمات، مستفيدًا من تشكيلتين من علاقات القوى: الفصل المكانيّ لمناطق إسرائيلية وأخرى فلسطينية، وتمييز قانوني وإداري بين الفلسطيني والإسرائيلي لمصلحة الأخير، عن طريق السيطرة على المكان والجسد الفلسطينيّين. وهنا، يغدو المكان الفلسطينيّ مكانًا لا محاصرًا فقط، ولكنه «مكان منقرض» لا سرد له، فلا «ذات» له، وهو واقع تحت سيطرة المكان الإسرائيلي الأعلى منه معنًى وواقعًا.

متلازمة «ستوكهولم» المكانية

المكان الفلسطيني لا يستطيع الحديث عن ذاته الفلسطينية، ولا أن يتمدد حيث هو من دون أن يسمح له المُسطح الإسرائيلي المُحاصِر له، وسلطته عليه وعلى خطاب الذات الفلسطينية بذلك. فمستوطنة «بيت إيل»، التي يعني اسمها «بيت الرب» تشير إلى مكان له قداسته، وإذ لا يعرّف المقدس إلا بالمدنس، باتت تسمية المستوطنة بالمقدّس، امتلاكًا وأستحواذًا له، كجزء من خطاب الشعب المختار من «الله» اتجاه الأغيار بدناستهم وتخلفهم و«لا»حداثتهم. ما ترسخ تشكيلا في الوعي الجمعي للفلسطيني وتعريفه لذاته، في مواجهة الآخر تاريخيًا/مكانيًا في الجغرافيا التي نُفي واقتلع منها هو، إذ ثمة لحظة موضوعية هامة وهي لحظة «الفقدان» الأول عام 1948 والتي تمت باسم المخيال الديني المقدس ونحته للجغرافيا، وكيف رأى الله أرضًا و«بنى» عليها بيته وقرر منحه لشعبه المختار (كما قال محمود درويش «في أعالي الكلام»)، تلك اللحظة التي استدعت مقاومة الفلسطيني ومراوحته بين استعادة «المكان» و«فقدانه».
في مرحلة تالية على ذلك، تطور السرد المعماري المكاني في رام الله مدينة «روابي» نموذجًا - (كما هو موضح في الصورة) فبات يشي بأن «فقدان المكان» الفلسطيني (التي كانت أوضح تظاهره عام 1984) بات في ذاته خاصية فلسطينية تَعرِف الذات بها نفسها، وليس «المكان» المفقود هو ما يميز الفلسطيني بما يحمل من دلالة «عمرانية» بالتعبير الخلودني نسبة لابن خلدون - وهو ما قد انتُزع منه بالقوة، فكانت «رام الله» هنا امتدادًا للفقدان، بعدما بات «وطن» الفلسطيني «حقيبة سفر»، يحملها معه أينما كان لا «مكان» لها. ما أوصل المكان الفلسطيني إلى حالة أقرب ما تكون لمتلازمة ستوكهولم مكانية، جعلته بحصاره وانقراضه امتدادًا خطابيًا للمكان الإسرائيلي/المستوطنة، ما حوَّلَ المكان الإسرائيلي لجزء عضوي من السرد الفلسطيني، حتى في فكرة بناء المسكن الفلسطيني، الذي يعتبر جزءًا هوياتيًا فلسطينيًا.

غسيل تلك العلاقة..

إن ما أنتجته اتفاقيات السلام/المفاوضات من سردية «ذاتية» فلسطينية في مدن «الحكم الذاتي»، إنما جاءت كخطوة تالية على تحقق فكرة «طمس» المكان/الذات الفلسطيني الـ«ما قبل النكبة» في داخل الأراضي المحتلة (أنظر/ي الصورة الثالثة عن سردية يافا المكانية). فالمجتمع الإسرائيلي يقدم نفسه باعتباره مجتمعًا «عبر تاريخي» موجود منذ آلاف السنين معبرًا عن اليهود، نافيًا الفلسطيني من مكانه وزمانه التاريخيين، إذ أن الأرض/المكان «بلا شعب». وهنا يتضح السياق الكولونيالي في تحويل المكان إلى جزء من سرديته عن طريق التخيل والبناء (بالحذف و/أو الإضافة) والخطاب، منتجًا «مدنًا مختلطة» وجاعلا من مدينة «صفد» وجهة سياحية، و«رام الله» نموذجًا لمدينة محررة بالقبول الإسرائيلي/المفاوضات أو «المقاومة السلمية»، وجاعلا الوحدة المكانية التي أنتجها ذلك المجتمع الكولونيالي: المستوطنة، مقبولة لدى الذات الفلسطينية وإليها ترنو في تعريف «بيتها» (باعتبار ما للبيت والمقبرة من دلالات في الوعي الإنساني)، وهي التي قامت على نفي الفلسطيني من أرضه/مكانه بالمذابح أو التهجير القسري، وأحلت محله أفرادًا آخرين.
إن هذا النسق الذي شكل سردية «رام الله» ونموذجها: «مدينة روابي»، يضمن بقاء نخبة برجوازية فلسطينية «لزجة» تعتاش على ديمومة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ يمكن تتبع آثار رأس المال السياسي وعلاقاته مع الاحتلال، وأثر ذلك على الوعي الفلسطيني في التعامل مع أرضه/مكانه/ذاته المحررة، وغسيل تلك العلاقة مع الإسرائيلي، التي باتت عضوية فلسطينيًا.
في «رام الله الشقراء»، يقول السارد: «كنت أتساءل وأنا أرى فندق الموفنبيك بنجماته الخمس يتعالى على حدود مخيم الأمعري، هل فكر أصحابه ومسؤولو السلطة بمشاعر أبناء النكبة وهم يرون التحفة السويسرية تكتمل عند تخومهم المتهالكة؟!». لا يمثل هنا الموفنبيك مجرد مبنىً مكانيًا في المدينة بقدر ما يمثل حوارًا بين «سطح» الوعي الفلسطيني و«قاعه»، السطح المراد ليبراليًا و واقتصاديًا ومفاوضاتيًا، والقاع الموجود في عقل كل لاجئ ومنفي مكانيًا وجسديًا عن مكانه/أرضه. فتتم قراءة هذا المسطح المعماري والحوار معه ضمن عمق السؤال الفلسطيني عن وجوده ونفيه ونكبته ومكانه، إذ أن التعاقب المكاني لسطوح تعرّف بالأسوار والقضبان والحراسات والمداخل والإضاءات، معبرة عن «ملكية خاصة» لهذه المشاريع والأبراج، لا يمكن أن تكون امتدادًا للفلسطيني الذي انتزعت ملكيته لهويته ووطنه وأرضه، وحتى مخيمه المؤبد برسم «المؤقت» والعودة.
إذا كان «المكان» أي «مكان» - يتحدد من «إمكانياته» و/أو «ممكناته» بحسب دلالة الجذر اللغوي، فأي «مكان» ممكن مع المُحتل إلا مُحتلا؟!

كاتب وباحث فلسطيني