| 

كانت الساعة الخامسة والنصف من عصر يوم السابع عشر من نيسان 2014، على سطح «بيت النجادة» في حيّ الحليصة، المطلّ على حيفا من كافة الجهات. اجتمع أصدقاء وصديقات مجد كيّال لرؤية «العائد إلى حيفا» والاحتفال معه بخروجه من الاعتقال والتحقيقات التي دامت 5 أيام في سجن «الجلمة» بعد عودته من بيروت. وسط الفرحة وأصوات الحاضرين والحاضرات، انتبهتُ للحظةٍ إلى أهمية الموقف كلّه، ضمن معادلة البيت ومع الاقتراب من فترة إحياء ذكرى سقوط حيفا.. حيث كان «بيت النجادة» آخر المباني التي قاومت في ابان الاحتلال الصهيوني مدينة حيفا. لا يوجد مشهدٌ أفضل من هذا الموقف الطبيعي لسرد حكاية حيفا، في ذكرى سقوطها السادسة والستين.

«كيف كان؟»

منذ حوالي 18 عاماً، تنظّم نشاطات وأمسيات عديدة إحياءً لذكرى سقوط مدينة حيفا، ما بين الواحد والعشرين والثاني والعشرين من نيسان في كل عام. وتتنوّع النشاطات بين محاضرات وندوات وعروض أفلام وفقرات موسيقية وفنّية ومعارض صور وجولات في المدينة، خاصةً في منطقةٍ تُسمى «حيفا الجديدة»، بناها ظاهر العُمر الزيداني، وهي تقنياً المدينة التي عاشت داخل الأسوار القديمة، وكذلك محيطها. وبسبب تفكيك الأسوار، ومن ثم هدمْ «حيفا الجديدة»/ القديمة بأوامرٍ من دايفيد بن غوريون، تعتمد جولات التعريف بالمدينة ومعالمها على الكثير من الخيال الذاتي المرتكز على سرد الرواية. هذا الخيال الذي يبنيه كل فلسطيني لم يعش ما قبل احتلال العام 1948، حين يجب عليه أن يجيب عن السؤال: «كيف كان شكل المكان؟».
والإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بفترةٍ زمنية سنوية محدّدة، بل هي بمثابة بحثٍ دائم يمضي فيه جيلٌ من الفلسطينيين والفلسطينيات يعيش في حيفا، أكان ينتمي إليها، لاجئاً فيها، أو انتقل إليها بسبب الدراسة ومن ثم العمل. وإحياء ذكرى سقوط حيفا، في جزءٍ كبير منه، هو البحث عن وجه المـــــــكان قبل الخطوة الأولى في مسار محاولات حرقه المستمرة. وبالتالي، الكشف عنه ونقل القصة بأساليب سردية تصبّ أيضاً في سيرورة تطوير الهُوية. والأهــــــــم، هو أن بوصلة هذا النهج موجهة صراحةً نحو التشديد على أمل العودة.

امتلاك الزمان واستعادة المكان

خلال إحياء ذكرى سقوط حيفا في هذا العام، أقامت «الورشة - مساحة فنّية»، الواقعة في جادة الكرمل (حيّ الألمانية)، أمسية ثقافية وفنّية تروي قصة حيفا، وتضمنت مداخلة للسيدة زهرة خمرة الحيفاوية، وهي التي عاشت احتلال حيفا ومجازره وروت ما شاهدته عندها، بالإضافة إلى قصائد عن حيفا للشاعر علي مواسي، وقصائد للشاعرة سمر عبد الجابر عن علاقتها بحيفا كلاجئة خارجها وعن جدها المهجّر منها، ثم فقرة غنائية مع الفنان علاء عزام ومداخلة للباحث والمؤرخ د. جوني منصور حول «البوابة الشرقية» لمدينة حيفا، والتي تُسمى كذلك «بوابة عكّا». وكانت قد سبقت الأمسية جولة تاريخية مع بلال درباس. كما أقامت «المحطة - تعاونيّة شبابيّة فلسطينية»، في شارع يافا، ندوة بعنوان «وادي السيّاح وحي المحطّة - لمحات عن المكان» مع فراس حلو، حيث انطلق الحضور بعدها في جولةٍ مسائية تاريخية.
في حديث مع المؤرخ والباحث د. جوني منصور حول أهمية إحياء ذكرى سقوط حيفا في نيسان سنوياً، وكيف يترجم هذا الطقس إلى أسلوب حياة داخل المدينة، قال: «إحياء الذكرى يعزّز الذاكرة الجماعية لأهل المدينة، أولاً. ويعزّز فكرة أن المدينة ما زالت قائمة بتاريخها ومعالمها وأحداثها الماضية العالقة في ذاكرة الناس. وإن لم تكن عالقة، فدورنا يكمن في التذكير فيها. الأمر الثاني هو منع الاحتلال - كحدث تاريخي من أن ينسينا العلاقة بيننا وبين مدينتنا، هذه العلاقة الوجدانية المليئة بالحسّ الإنساني، حيث يرتبط الإنسان بالمكان من خلال الزمان. الأمر الثالث هو حمل رسائل، فلا نعيش سكان فندق في المدينة.. نحن نحمل رسائل وننقلها إلى الناس، هذه المدينة ليست للإقامة فقط، وهذا يُترجم من خلال حياتنا في السياسة والثقافة والمقاهي والأسواق».
يتطرق د. جوني منصور إلى علاقة الإنسان الفلسطيني بمكانه في الحاضر، حيث تجري عملية بناء متصلة بالماضي والتاريخ. وهنا، تصب كل فكرة نهج الحياة الرافض لدور الضحية والبكاء على الأطلال من جهة، والخلق والإبداع والابتكار من اجل إعادة تفاصيل من الحياة إلى المكان، حتى من خلال مبادرات فنّية أو افتراضية.. وعلى سبيل المثال، يمكن التوقّف قليلاً عند مبادرة إنشاء تعاونية شبابية فلسطينية تحمل الاسم «المحطة»، في الوقت الذي يواجه فيه «حي المحطة» في حيفا كما «وادي السياح» والعديد من أحياء حيفا، مشاريع تهجير مستمرة منذ 66 عاماً، بما يعنيه ذلك من تأكيد التمسّك بهوية المكان والعمل على تطويرها. مثالٌ آخر يكمن في استرجاع الفضاء، من خلال استخدامه وإعادة تعريفه، كما حصل خلال «معركة الأمعاء الخاوية» في العام 2012 التي شهدت إضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال عن الطعام. إذ اعتصمت حينها وبالتزامن مع «المعركة»، مجموعةٌ من الشباب الفلسطيني في ساحة في «جادة الكرمل» (الحيّ الألماني)، وأضربت عن الطعام تضامناً مع الأسرى، ونظّمت لهذا الغرض تظاهرات يومية. عندها، أطلق على ساحة الاعتصام الاسم «ساحة الأسير»، حيث تحولت منذ ذلك الحين إلى ملتقى دائم للتظاهرات الفلسطينية في حيفا حول قضايا سياسية متعددة.

«سيلفي» العودة

بالعودة إلى ذكرى سقوط حيفا، كانت قد بادرت قبل عام كل من «جمعية الشباب العرب - بلدنا»، «جمعية التطوير الاجتماعي» و«الورشة - مساحة فنّية»، إلى تنظيم أمسية لإحياء الذكرى. عندها، تميّزت الأمسية بأمرين: الأول، هو معرض صور فوتوغرافية من «حي وادي الصليب» المهجور، التقطت مشاهد حياتية لأطفال داخل بيوت الحيّ المهجورة بهدف إحيائها من جديد فنّياً. أما نقطة التميّز الثانية فأبرزها حوارٌ أجري عبر السكايب مع المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، ابنة مدينة حيفا والتي تهجرت منها في العام 1948، حيث قالت خلال حديثها: «لما بشوف العلم الفلسطيني مرفوع بحيفا بستبشر خير.. لما بشوفكوا إنتو، بستبشر خير وبيعلى الأمل إنه إحنا بدنا نرجع. لكن هاد بضل كلام عاطفي.. العمل بدو يكون إلو رؤية واضحة إنه إحنا منرفض الأسرلة، وجواز السفر ما بيحدّد الانتماء أبداً».
إن للسكايب والانترنت دوراً هاماً في التواصل الفلسطيني، خاصة بالنسبة إلى فلسطينيي الأراضي المحتلة في العام 1948، التي تشهد صعوبة استثنائية في التواصل مع المحيط العربي الطبيعي. فأتاح الفضاء الإلكتروني مساحة للتواصل الشخصي والإنساني، بعيداً عن عناوين الأخبار والأدب والأغنية، والأهم، بعيداً عن معادلة «القدسية والشيطنة» التي واكبت لسنوات تعريف فلسطينيي الداخل لأسباب عديدة.
وإحدى نتائج هذا التواصل الذي أتاحه الإنترنت، كانت إعادة اللاجئين إلى مكانهم الأصلي افتراضياً، من خلال أصواتهم، أغانيهم، صورهم، رسوماتهم، نصوصهم الأدبية والشعرية.. أو خلال الحديث عنهم في سهرةٍ في بارٍ صغير.. أو، ببساطة، حين تطبع فتاة صورة حبيبها اللاجئ، وتلصقها على حائط منزل جدّه المهجّر منه هنا، وتلتقط لها وله صورة «سيلفي» مع البيت.. علماً بانهما تعارفا يوماً عن طريق برنامج «المسنجر». ترسل الصورة في ما بعد عبر الإيميل، وتكتب له: «إلى أن نلتقي، ونلتقط «سيلفي» حقيقية على حائط المنزل في حيفا».
هي فكرةٌ يكرّرها العديد، بــــــــــلا كليشيهات ولا ابتذال، بل كحقيقة.. فمن يدرك أن إحــــــياء ذكرى مكان ليس بالحديث عن تفاصيل ماضٍ فقـــط، وأن الحياة هي عملية ربط بين التاريخ والوجود النابض في الحاضر، يدرك جيداً أن سكة القطار التي تصل حيفا بدرعا، راجعة.