| 

وصف إدوارد سعيد اتفاقية أوسلو إبّان توقيعها بين «منظمة التحرير الفلسطينيّة» و«دولة إسرائيل» بأنّها «اتفاقية فرساي فلسطينيّة». وعلى الرغم من موضوعيّة توصيف سعيد، إلا أنّ فارقاً محورياً في وعي الموقِّع المهزوم يفرض تمييزاً بين الحادثتين: في فرساي، كانت ألمانيا تدرك أنّها توقع اتفاقية استسلام، في حين أن قيادة «منظمة التحرير» كانت تعتقد بأنّها تحقق إنجازاً غير مسبوق. لقد بدت «منظمة التحرير» وكأنها كذبت الكذبة وصدّقتها، كما صدّقها معها، بعد تمنِّع دام ردحًا من الزمن، أشرس خصومها متمثلاً في «حركة المقاومة الإسلاميّة حماس».

«كلا، إنه لنا!»

سُوِّقت أوسلو للفلسطينيين في الضفِّة الغربيّة وقطاع غزَّة على أنّها انتصارٌ ونقلٌ للمعركة إلى داخل الجغرافيا الفلسطينيّة. ومع عودة مَن سمحت إسرائيل لهم بالعودة، وبعد نسجهم تحالفات سياسيّة وتجاريّة مع عائلات غزّة وأغنيائها، بدأت الخطوات العمليّة لتحقيق «الحكم الذاتي». كانت النشوة تعتري الكادر البشري لمشروع أوسلو من كبيره حتّى صغيره. لخَّص ذلك مشهد وقوف ياسر عرفات على شرفة منزله السّاحلي في غزّة وقوله: «الله، أكاد لا أصدّق.. هذا البحر لنا».
بعد سنواتٍ جرى فيها - بسياسات دوليّة محسوبة - ضمان شمول سجلات الرواتب لأكبر قدر ممكن من فلسطينيي الأرض المحتلّة وحقن أكبر كمّ ممكن من خطاب السيادة والمنجزات الوطنيّة في عقلهم الجمعي، عبَّرت حركة «حماس» عن رغبتها بحصّة من الكعكة، معلنةً في العام 2005 مشاركتها في انتخابات المجلس التشريعي رافعة شعار «يد تبني، ويد تقاوم1». فازت «حماس» في هذه الانتخابات بأغلبيّة ساحقة، ومن ثمّ حسمت فوزها عسكرياً وشرعت تكشط، على مراحل، أجهزة السلطة الأمنيّة ووزاراتها وكامل تجلّياتها في «الفضاء العام»، وتنسج تحالفات طبقيّة وعشائريّة جديدة تؤسس لفترة حكمها. كأنّ بـ«حماس» تقف على نفس الشّرفة التي وقف عليها عرفات قائلة: «كلا، هذا البحر لنا نحن!».
كان حسم «حماس» العسكري في غزّة فوزاً جلياً في المنافسة على تسيّد الزنازين التي وافقت إسرائيل على أن نرفع عليها علم فلسطين ونغنّي فيها، تحت مراقبة الكاميرات، «فدائي» و«يا ظريف الطّول». لم تتأخر «حماس» في استثمار الفوز من أجل إعادة تصميم الزنازين، إذ أزالت، دون إبطاء، نصب الجنديّ المجهول من وسط مدينة غزّة، واستبدلت اسم حي «تلّ الهوى» الذي كان يضم منتدى الرئاسة ومقر الأمن الوقائي باسم «تل الإسلام». أمّا موقع «قوّات الـ17»2 على طريق البحر فصار اسمه «موقع الشّهيد عبد العزيز الرّنتيسي». قائمةٌ طويلة من عمليات إعادة التسمية وإعادة التعريف أرادت «حماس» من خلالها أن تسيطر على «الفضاء العام». ولكن، عن أيّ «فضاء عام» نتحدّث؟ هل منحت اتفاقية أوسلو الفلسطينيين فضاءً عامًا؟

أي فضاء عامٍ هذا؟

يصير الفضاء فضاءً عاماً بعد استيفائه عدّة شروط أهمُّها أن يكون الوصول غير المشروط إليه ممكنًا بالمعنى الفيزيائيّ، والاجتماعي، والرّمزي. كما تتحدد الرّحابة والجدوى الاجتماعية لهذا الفضاء إذا ما اقترن التحكّم به بخدمة المصلحة العامّة. وإذا كان انتفاء الشرط الأوّل أكثر وضوحًا في الضفّة الغربيّة المقسّمة بمئات الحواجز الإسرائيليّة، فإنّ انتفاء الشرط الثّاني يتجلّى بنسبة أكبر في قطاع غزّة الذي «تأكل فيه إسرائيل» وتجلي «حماس» الأطباق.
لكن، في كلتا الحالتين، يمكن القول إنّ أوسلو لم تنتج لا فضاءً عامًا ولا سيادة حسب تعريف توماس هوبز لها باعتبارها قدرة بنّاءة على فرض المعاني (لا تشويه المعاني، كما في حالة أوسلو). بل إنّ اتفاقيّة أوسلو وتبعاتها قد قللت من فرص الفلسطينيين وقدرتهم على خلق فضاء عام مرحليّ نقديّ، من خلال جهود مدروسة في الداخل والخارج حاولت ولا تزال تسعى لدفن الموروث النضاليّ غير الرّسمي في الأرض المحتلة، وعبر تشويش الفكر الأوسلويّ على اللازمة المنطقيّة التي تعرّف الفضاء العام تحت الاحتلال من خلال غيابه، والاشتباك مع المحتلّ وسياساته بغية خلقه، تراكميًا، عبر فعل الانتفاضة والتحرير.
ما نجحت الاتفاقية في خلقه في هذا الصدد كان حالة مشوّهة ذات طابع مزدوج: تسمية وإعادة تسمية حكوميّة للسيطرة على «فضاء عام» ليس موجودًا، واحتجاجات قاصرة، ذات نكهة ليبراليّة، على تلك التعديّات على حق النّاس بالانتفاع من فضاء عام مفرَّغ ومحايد. تستمرّ هذه الحال المشوّه في فرض نفسها على قطاع غزّة، ومناطق «أ»3 في الضفّة الغربيّة، وينتهي على إثرها علمُ فلسطين الذين كانت تعاقب إسرائيل كلَّ من يتجرّأ على رفعه بالحبس ستّة أشهر، بأن يصبح قطعة تافهة من القماش مرفوعة على عدد متزايد من المؤسسات والوزارات والبلديّات والمقارّ الأمنيّة.

مسيرة خرجت بلا تصريح

دخلت حركة «حماس» هذه المنظومة الأوسلويّة كحركة مقاومة فلسطينيّة معارضة تنشط في بيئة محفوفة بالمخاطر، وتساهم في خلق المساحة النقديّة العامة. إذ يخرج مسلّحوها المقنّعون من تحت الأرض ليفرضوا ضغطًاً حقيقيًا على مسارات التسوية وعلى إسرائيل، فانتهت إلى سلطة اكتسبت مع مرور الوقت واتّساع رقعة التورّط في وحل الكذبة الأوسلويّة، عقليّة المقايضة والرّبح والخسارة. لم يعد يخرج مسلّحو «حماس» من تحت الأرض، بل من فوقها، غير مقنعين، مرتدين زيّ الشرطة الرسمي، وهدفهم في غير مرّة أن يفضّوا مسيرة خرجت من دون تصريح.
شمل الضرر وهنا تأخذ المصيبة أبعادًا أكبر - الشقّ المقاوم من «الحركة»، إذ لم يعد مشهد الآلاف من مسلحي «كتائب القسّام» في شوارع غزّة مشهدًا يشتبك إلا مع نفسه. تجلّى تورُّط الجزء الذي لا يزال متمايزًا نسبيًا في «حماس» عن مشروع الحكم مع افتتاح «كتائب عز الدين القسّام» لميدان الشهيد ابراهيم المقادمة في شارع الجلاء بغزّة. إذ احتوى الميدان مجسّمًا لصاروخ M-75 الذي استخدمته «حماس» في توسيع دائرة النّار المضادّة لتشمل تل أبيب في عدوان «عمود السحاب» في العام 2012.

ماسورة حديديّة

لا تكمن المشكلة في أنّ المجسّم لصاروخٍ في «ميدان عام». فالمشكلة أنّ مجسّم الصاروخ هذا لا يفيد الفكرة وراء الصّاروخ، كما يهين الصّاروخ بحدّ ذاته إذ ينقله من حيّز الاشتباك مع العدو إلى منظومة احتفاء وإحكام قبضة على فضاء عام مُخترع. إنّها نسخة كربونيّة من الإهانات التي تقوم بها سلطة أوسلو لإرث الشّهداء النضاليّ عندما تسمّي شوارع بأسمائهم في الضفّة الغربيّة المحتلّة. فمثلما يمكن في ظلّ التنسيق الأمني لجيب الإسرائيلي أن «يتمختر» في شارع يحمل اسم «يحيى عيّاش» أو «دلال المغربي»، يمكن للمواطن الغزّاوي أن يشاهد مجسمًا صاروخيًا في مستهل شارع الجلاء، وصورة ضخمة لأمير قطر التي تربطها علاقات تعاون وتنسيق مع إسرائيل في نهايته. هذا، طبعًا، والعين الإسرائيليّة تَرقب كلّ شيء.
في مؤلَّفها «هل يمكن للصورة أن تقتل؟»، كتبت ماري جوزيه موندزين: «الصورة الوحيدة التي تملك قوّة تحويل العنف إلى حريّة نقديّة هي الصورة التي تجسّد. الصورة المجسّدة تشتمل على ثلاثة عناصر لا غنى لأحدها عن الآخر: ما هو مرئي، وما هو غير مرئي، والنظرة التي تشكل صلب العلاقة بينهما». في حالة مجسّم الصّاروخ في غزّة، يغيب التجسيد الذي تتحدث عنه موندزين ويقتصر ما هو مرئيّ على ماسورة حديديّة (الوصف الذي استخدمه عبّاس لصواريخ المقاومة الفلسطينيّة)، وتكشّف إضافيّ لثنائيّة سلطة/مقاومة التي تعصف بـ«حماس» مشروعًا وفكرًا وممارسة.
تذكّر قدرة المشروع الأوسلويّ في الدوران حول نفسه واستيعاب مساحات جديدة وابتلاع دراماتيكيّ للمزيد من الرافضين والمنتقدين وتزويدهم بوهم الحكم والإمساك بزمام الأمور، بما قاله ديفيد هارفي عن الرأسماليّة: «إنّها في حالة حركة دائمة وتجدّد مستمرّ من خلال عمليّات الهدم الخلاق». تتكشّف عمليّات الهدم الخلاق هذه، في حالة أوسلو وقطاع غزّة، مع كل دورة تخريج ضبّاط، وكلّ حملة ضبط مجتمعيّ، ومع هذا الصاروخ الذي وضعوه في «ميدان عام».

هوامش:

1 بالإضافة إلى شعار «الإسلام هو الحل»، رفعت «كتلة التغيير والإصلاح» التابعة لـ«حماس» عدّة شعارات انتخابيّة كان من ضمنها: «يد تبني ويد تقاوم»، «نعم لحماية برنامج المقاومة» و«نعم لإعادة بناء ما خلّفه الاحتلال».
2 تأسست «قوّات الـ17» في سبعينيات القرن الماضي لحماية ياسر عرفات وشخصيّات قياديّة أخرى من «منظمة التحرير الفلسطينية». انتقلت القوّة من عمّان إلى بيروت، ومن ثمّ صارت جهازًا أمنيًا تابعًا لرئيس السلطة الفلسطينيّة بعد توقيع «اتفاقية أوسلو». بعد وفاة عرفات، استبدل محمود عباس اسم هذا الجهاز بـ«قوات حرس الرئاسة».
3 قًسّمت الضفّة الغربية، بحسب اتفاقية أوسلو، إلى ثلاث مناطق. مناطق «أ» وهي الخاضعة لسيطرة فلسطينيّة، ومناطق «ب» الخاضعة لسيطرة فلسطينية إسرائيليّة، ومناطق «ج» الخاضعة لسيطرة إسرائيليّة خالصة.