| 

50 عاماً مرّت على تأسيس «منظمة التحرير الفلسطينية»، التي تبدو اليوم في مواجهة استحقاقات بالغة التعقيد، في الوقت الذي لا يخفي فيه الشارع الفلسطيني الحاجة إلى إحداث ورشة في أداء «المنظمة» للدور المطلوب منها. إن الاحتلال الإسرائيلي وممارساته كما ملف الانقسام، هما أبرز تحديين تواجههما «المنظمة» اليوم، ويضيف إليهما الكتّاب والمحللون تحدّياً أساسياً آخر: تجديد بنية «المنظمة»، تقوية مؤسساتها، والارتقاء بدورها على شتى الصعد.
وعلى الرغم من اللقاء الذي جمع بين وفدٍ يمثل «المنظمة» وآخر يمثّل قيادة «حماس» في قطاع غزّة، عُقد في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، وانتهى بما اصطلح على تسميته بـ«إعلان غزة» الذي أشهر إنهاء الانقسام، إلا أن الشارع الفلسطيني بقي متشككاً إزاء فرص نجاح المخرج من الانقسام.. وستثبت الأسابيع المقبلة مدى واقعيته.

الولادة عربية

تأسيس «المنظمة» كان فكرةً عربية. إذ يشير العديد من المصادر التاريخية إلى أن «جامعة الدول العربية» التي أنشئت في العام 1945، اتخذت قرارً يقضي بأن يكون لفلسطين مندوب يمثلها في «الجامعة»، وكانت فلسطين حينها تحت الانتداب البريطاني.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن فلسطين ظلّت ممثلة في «الجامعة العربية» حتى ما بعد نكبة 1948، حيث تعاقب على تمثيلها موسى العلمي، وأحمد حلمي عبد الباقي، وأحمد الشقيري. ومع انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول في العاصمة المصرية القاهرة بتاريخ 13-1-1964، استجابةً لدعوة من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لمواجهة رغبة اسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن، تم إصدار قرار يقضي بإنشاء كيان فلسطيني يعبّر عن إرادة الشعب الفلسطيني، وهيئة تطالب بحقوقه لتمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره.
وكلّف المؤتمر الشقيري، بصفته ممثل فلسطين في الجامعة، بالاتصال بالدول الأعضاء وأبناء الشعب الفلسطيني، بغية الوصول إلى القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني.
ويشير الباحث د. محسن محمد صالح في كتابه «القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة»، إلى أن «الشقيري لم يقم بتقديم تقرير للجامعة حول السبل المقترحة، لقناعته بأنه سيـــــــــــكون عرضة لمزيد من المدارسة والتأجيل، فقرر وضع البلاد العربية أمام الأمر الواقع، فقام بدعم مصري بإنشاء المنظمة، حيث انعقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس بتاريخ 28-5-1964، بحضور 422 ممثلاً عن الفلسطينيين، برعاية العاهل الأردني الراحل الملك حسين، وأعلن ميلاد المنظمة رسمياً».
ويلفت صالح في كتابه إلى أن المجلس صادق على الميثاق القومي الفلسطيني، الذي أكد على الكفاح المسلح لتحرير كل فلسطين، وعدم التنازل عن أي جزء منها. وانتخب الشقيري رئيساً للمنظمة التي قرّرت تشكيل «جيش التحرير الفلسطيني».
واستمر الشقيري في منصبه إلى أن حلت هزيمـــــــــــــة العام 1967، عنــــــدما استطاعت الدولة العبرية قهر الجيوش العربية واحتلال باقي فلسطين، لتتصاعد وتيرة العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقاً من الأردن ولبنان، حيث بنت التنظيمات الفدائية قواعد واسعة لها.
وتوضح بيانات تاريخية، أن هذه الهزيمة قد حطّت من مــــــــــكانة الأنظمة العربية، اضافة إلى المنظمة لاعتبارات تتعلق بارتباطها بهـــــــــذه الأنظمة، وتنامي الخلافات بين هذه التنظيمات وعلى رأسها «حركة فتــــــــــح»، وقيادة «المنظمة» ممثلةً بالشقيري. فطالب عدد من أعــــــــــــضاء لجنــــــــــتها التنفيذية (أعلى هيئة قيادية بالمنظمة) باستقالته بتاريخ 14-12-1964، ما دفع بالشقيري في نهاية الأمر إلى الاســـــــــتقالة في الرابع والعشرين من الشهر ذاته، ليتسلم يحيى حمودة رئاسة اللـــجنة التنفيــــــذية لفترة مؤقتة.

«فتح» في «المنظمة»

في أعقاب الحرب واستقالة الشقيري، «حركة فتح» تزعمت المطالبة بتجديد «المنظمة»، ورفعت شعار استبدال قادة الكفاح المسلح بـ «ثوار المكاتب»، وأصبحت في تقدير عبد الناصر «أخلص» الجماعات الفلسطينية، وأقدرها على تولّي قيادة «المنظمة». ومع حلول كانون الثاني من العام 1968، دعت «فتح» إلى عقد مؤتمر عام في «القاهرة»، من أجل البحث في إقامة الوحدة الوطنية، وتدعيم الكفاح المسلح وتنميته، وتشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر وطني يضم جميع حركات المقاومة، والشخصيات المستقلة.
أسفر المؤتمر عن قرارات تتعلق بالوحدة الوطنية في المجال العسكري للفصائل المشاركة في المؤتمر، وألّفت «المنظمة» لجنة تحضيرية مكونة من أربعة أشخاص برئاسة حمودة مهمتها الاتصال بـ«فتح» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وبعد عدة اجتماعات، اتُّفق على تشكيل المجلس الوطني، الذي ضمّ 100 عضو حينها في هيئةٍ تُعتبر بمثابة برلمانٍ موسّع، لتدخل من خلاله كافة التنظيمات الفدائية إلى «المنظمة»، تمهيداً للدخول في اللجنة التنفيذية، ثم رئاستها في ما بعد.
وفي 10 تموز 1968، دخلت «فتح» إلى «المنظمة» خلال المجلس الوطني الرابع، كونه بات يشكّل أرضاً مشتركة مقبولة، وذلك بشرطَين:
الأول: ألاّ يعني دخولها إلى المنظمة، قبولها بالطريقة التي أنشئت بها، بصفتها ممثلة للكيان الفلسطيني بقرارات مؤتمر القمة العربي؛ لأن ذلك يجعلها منظمة قومية، مرتبطة بالواقع العربي الرسمي، ما يعكس تناقضاته عليها.
الثاني: أن تظل بما فيها قواتها «العاصفة»، محافظة على شخصيتها الاستقلالية، وتنظيماتها السرية، ومنطلقاتها الوطنية.
كما اشترطت أن يتضمن «المجلس الوطني» اشتراك الهيئات والمنظمات الفلسطينية كافة، واستقلاله الكامل عن جميع الحكومات العربية. وتقرر خلال تلك الدورة، أن ينتخب «المجلس الوطني» أعضاء اللجنة التنفيذية بدلاً من أن يسمّيهم رئيسها، الذي كان يجمع بين رئاستَي اللجنة والمجلس. فتقرر الفصل بين المنصبَين، وأصبحت اللجنة تنتخب رئيسها من ضمن أعضائها، ما اقترن بتعديل اسم «الميثاق القومي الفلسطيني»، إلى «الميثاق الوطني الفلسطيني».
وقرر المجلس أيضاً استمرار اللجنة التنفيذية التي يرأسها حمودة بممارسة صلاحياتها، وإرجاء انتخاب لجنة جديدة إلى حين انعقاد الدورة الخامسة للمجلس الوطني في شباط 1969. وخلال تلك الدورة، انتخب حمودة رئيساً للمجلس، وانتخبت لجنة تنفيذية بالتزكية، ضمّت ممثلين عن «فتح»، و«الصاعقة»، و«المنظمة»، و«المستقلين»، وبادرت اللجنة إلى انتخاب ياسر عرفات رئيساً، وإبراهيم بكر نائباً له.
وتوضح مصادر تاريخية، أن وصول الفصائل الفدائية بقيادة «فتح» إلى قيادة «المنظمة» بحلول العام 1969، شكل دفقاً في نشاط «المنظمة»، والشعور الوطني عند الفلسطينيين، بالإضافة إلى التغييرات في الأجيال والقيادة.
شهد العام 1974، علامة فارقة في مسيرة المنظمة، عندما دعي عرفات لإلقاء خطاب في مقرّ الأمم المتحدة في مدينة «نيويورك» الأميركية، بعدما تم قبول «المنظمة» عضواً مراقباً في المنظمة الدولية. كما تم خلال العام نفسه إقرار ما يعرف بـ«برنامج النقاط العشر»، الذي يدعو إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محرّرة من فلسطين، والعمل الفاعل لإنشاء دولة علمانية ديموقراطية ثنائية القومية يتمتع فيها كل المواطنين بالمساواة والحقوق، وهو ما دفع ببعض القوى، من أبرزها الجبهة الشعبية، إلى تشكيل ما عرف بـ«جبهة الرفض».

زمن السلطة

مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان التي دخلت أتونها المقاومة الفلسطينية، وإثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، اضطرت «المنظمة» ومعها المقاتلين الفلسطينيين إلى الخروج نحــــــــو تونس، التي شــــــــكلت المحــــــــــطة الأخيرة قبل عودة قيادة «المنظمة» إلى الوطن المحتل فلسطين عقب توقيع اتفاق «أوسلو» في العام 1993، وما تمخض عنه من تـــــــــشكيل السلطة الوطنية الفلســــــــــطينية. وهـــــــكذا، في العام 1996، انتــــــــــخب عرفات رئيساً للسلطة، كما غيّرت «المنظمة» في العام ذاته بصورة رســـــــمية العبارات الموجودة في الميثاق الوطني، والداعية إلى القضاء على اسرائيل.
بتاريخ 14-12-1998، تم خلال اجتماع للمجلس الوطني عقد في قطاع غزة وحضره حينها الرئيس الأميركي بيل كلينتون، تم شطب 12 بنداً من أصل 30 من الميثاق، واحداث تغيير جزئي في 16 بنداً آخر، وهو ما وصف من قبل كثيرين في الساحة الفلسطينية بأنه «إلغاء للميثاق».
ومع اندلاع الانتفاضة الثانية في الأراضي الفلسطينية في العام 2000، ووفاة الرئيس عرفات في العام 2004، وانتخاب محمود عباس رئيساً للسلطة في العام 2005، تسلّم عباس قيادة المنظمة، ليكون الرئيس الرابع للجنتها التنفيذية.
وبالنسبة إلى الكثير من المتتبعين للشأن الفلسطيني، فإن قيام أول سلطة فلسطينية تمّ على حساب «المنظمة»، التي تراجع دورها بصورة كبيرة. والشارع الفلسطيني يبدي ما يشبه التوافق حول هذه النقطة، وإن كان يؤكّد أن من أبرز ما يُسجّل للمنظمة هو طابعها العلماني.

آراءٌ في راهنها

ترى المواطنة سيرين البرغوثي (21 عاماَ)، وهي طالبة جامعية من احدى قرى رام الله في وسط الضفة الغربية، أنه «لا توجد ديموقراطية في المنظمة». أما الصحافي فراس طنينة (36 عاما)، وهو من احدى قرى الخليل في جنوب الضفة ويعمل في رام الله، فيقول: «المنظمة لم تحافظ على شيء من عملها سوى اسمها، فدوائرها مهمشة، كما أن هناك خلافا حول شرعيتها». ويوضح: «اللجنة التنفيذية التي تشمل الفصائل، تضم أعضاء استقالوا من فصائلهم ورغم ذلك لا يزالون فيها، فكيف يعقل هذا؟».
أما سمر خالد (33 عاما)، وهي موظفة في مؤسسة أهلية برام الله، فترى أنه «للأسف، دور المنظمة ضعيف، وأداؤها كذلك.. جانب من ضعف المنظمة يعود إلى تردي حال الفصائل من جهة، والخلافات السياسية القائمة في الساحة الفلسطينية من جهة ثانية، وبالتالي ما لم يتغير الحال القائم، لا أعتقد أن بالإمكان تصويب وضع المنظمة».
وترى رئيسة «لجنة أهالي الأسرى» في محافظة رام الله والبيرة عطاف عبد الوهاب (49 عاماً)، أن هناك تقصيرا من المنظمة في التعاطي مع الملفات المختلفة، وفي مقدمتها قضية الأسرى. وتقول: «نحن نلمس مثلاً أن أعضاء اللجنة التنفيذية يتحدثون أمام الرئيس في اجتماعات القيادة بلغة معينة، وعندما يخرجون منها يتحدثون بلغة أخرى، ما يؤدي إلى بروز تناقض في الآراء».
أما الباحث عمر عساف، صاحب كتاب «الديموقراطية الفلسطينية بين الخطاب والممارسة في منظمة التحرير وأطرها 1964-1993» فيرى أنه «من الواضح أن المنظمة مستمرة بحكم الماضي، أي كجزء من تراثنا. وباعتقادي، فإن النظام السياسي برمّته، وتجسيده في «المنظمة»، ليس فقط الآن بل منذ فترة، بات عائقاً أمام البرنامج الوطني». ويوضح أن «شعار اصلاح المنظمة رفع منذ 40 عاما وتحديداً من داخل المنظمة ذاتها، لكن ذلك لم يحدث. فمثلاً، رغم أن دستور المنظمة، الأول والثاني والثالث، تحدث عن اجراء انتخابات للمجلس الوطني، لم يتم ذلك ولو لمرة واحدة، وحلّ محله بدايةً ما عرف بمركزية رئيس المنظمة الذي يختار أعضاء اللجنة التنفيذية، قبل أن يحلّ محل ذلك نظام الكوتا الفصائلية (المحاصصة)، ما أضفى صبغة من الهيمنة الفصائلية التي كرست في اطارها هيمنة الفصيل الواحد أي فتح».
ويتابع: «لعقود طويلة، كان يستمد هذا الوضع قوته مما عرف بالشرعية الثورية، أي شــــــــرعية الســــــلاح، لكن منذ 30 عاماً، أي منذ خروج المنظمة من بيروت وحتى الآن، فإن هذه الشرعية تتآكل تدريجياً. تتباعد فترات انعقاد المجلس الوطني، ومؤتمرات الاتحادات الشعبية، وتلك الخاصة بالفصائل. المنظمة شاخت.. ولا أدلّ على ذلك بأن متوسط أعمار أعضائها يقارب الـ70 عاماً».
لكن رغم كل شيء، يرى عساف، أن من أبرز إيجابيات المنظمة أنها أبرزت بشكل أو بآخر الشخصية الوطنية الفلسطينية يوم وُجدت مساعٍ لطـــــــــــــــــــــمسها وإذابتها، وبالتالي، استطاعت أن تشكّل مظلّة للعـــــــــــمل الوطني. وهو لا يخفي تأييده انضمام حركــــــــــتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إلى المنظمــــــة، وذلك ضمن صيغة تجمع الكل، شريطة تكريس الانتماء الفلسطيني بعيداً عن انتماء «حماس» العضوي لـ«الأخوان المسلمين»، ومع تشديد الحفاظ على علمانية المنظمة.