| 

انشغلَ الباحثون والمهتمون بالرواية التاريخية الفلسطينية، بحفظ أكثر ما يُمكن من الذاكرة نقلاً عن ألسنة مَن عايشوا النكبة في العام 1948، كما ساهمت بعض المؤسسات الفلسطينية في الداخل والشتات برصد التفاصيل وتوثيق التاريخ ما قبل النكبة مرورًا بالنكبة وأحداثها. لكنّ قلّةً هم المهتمون بالبحث في تأثير النكبة والتهجير على الواقع الفلسطيني في فترة ما بعد النكبة وصولاً إلى يومنا هذا.
إذ لم ينشغل الباحثون في محاولة فهم التغييرات الاجتماعية، النفسية والجسدية على الفلسطيني الذي حَملَ المعاناة، والمشاهِد القاسية التي ظلّت محفورة في الذاكرة، منذ النكبة، ومنها تجربة الفلسطيني في أراضي العام 1948 مع فرض الحكم العسكري وقسوته، مباشرةً بعد إحلال الاحتلال الصهيوني.

الإذاعات العربية في مواجهة القوانين!

بعد تمكن العصابات الصهيونية من القضاء على جيش الإنقاذ والسيطرة على البلاد، قامت السلطات المسؤولة بعزل الجماهير العربية في الداخل المحتلّ (أراضي الـ 48) عن التواصل المباشر مع الشعوب العربية، وبقيت الوسيلة الوحيدة للتواصل هي الاستماع إلى الإذاعات العربية، بينما بدت الهوية الجديدة التي تحمل الطابع الإسرائيلي، كجسمٍ لا صلة تربطه بالفلسطيني الذي فُرضت عليه قوانين لم يكُن جاهزًا لتلقيها. ومع الوقت، ساهمت الحركة الناصرية في مصر، عبر الإذاعات، في إحداث التواصل، رغم البُعد. ما ساهَم في رفع المعنويات، وطمأنة الشعور بالانتماء إلى الأمة العربية.
في المقابل، كان الفلسطيني في الداخل يتلقى بثّاً آخر مبنيا على أساس القوانين التي صنعت الحياة وقتها. ومن القوانين التي أثرت في الواقع الفلسطيني بعد النكبة:
1) فرض الحكم العسكري على المناطق التي تقطنها أغلبية عربية كالجليل والمثلث والنقب (1948-1966)، بهدف تقييد الحراك الفلسطيني، وتفريغ أحياء وقرى نصف مهجورة، وتقسيم السكان وفِق ما تراهُ الدولة مناسبًا، بالإضافة إلى وقف تسلّل اللاجئين الراغبين بالعودة من الدول العربية. كما استُغل هذا القرار للإعلان عن مناطق عسكرية مُغلَقة، ما أتاح للجيش مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها.
2) قانون «أملاك الغائبين»، أُقرّ في العام 1950: يُبيح لدائرة أراضي إسرائيل الاستيلاء على أملاك الفلسطينيين المُهجّرين، أو الذين تركوا بيوتهم (حتى وإن كانت المسافة الفاصلة بين صاحِب البيت المُبعد لا تبعُد عن البيت مسافة 5 دقائق)، كما حدث في حي العجمي في مدينة يافا.
3) قانون «حيازة الأراضي»: وهو قانون يُتيح للدولة العبرية الاستيلاء على أراضٍ لم يثبت ملكيتها لأحد، وإن كان زارعها قد استصلحها مدة طويلة.
4) قانون التقادُم.
5) التطبيق الانتقالي لقوانين الطوارئ (1948).
هكذا، ابتلعت الدولة العبرية الأملاك الفلسطينية، وغيّرت التركيبة الاجتماعية مِن إقطاعية وبرجوازية تعتمد على الزراعة والأرض، إلى طبقة فقيرة ومتوسطة. وأتى ارتكابها للمجازر، كما في كفر قاسم، لإرهاب المزيد من الفلسطينيين وتهجيرهم. وقد وضع الاحتلال القبائل البدوية في النقب على رأس أجندة الترحيل، لكنّ تدخل الأمم المتحدة في حينه حال دون تنفيذ القرار الساعي لتعزيز وجود «دولة يهودية فقط»، خالية مِن العرب، على ضوء إقامة «حركة الأرض الفلسطينية».
فكيف كانت هذه الأيام على ناسها؟

قصة مواطنٍ عاديّ

التقيتُ محمود السالم (أبو يوسف) في بيتٍ عكّاوي، طرازه يدمج بين القديم والمعاصر، يدخله نسيم الهواء. وقد ولد الحاج محمود في مدينة عكا، بتاريخ 13 كانون الثاني العام 1937. وفي العام 1945، ترك الوالد منزله القريب من البيت الحالي، عائدًا إلى بيتٍ كان يملكه من ذي قبل، في حي المبلّطة، في عكا القديمة. بيت ضخم بناه جدّ جدّه سنة 1770 في عهد ظاهر العمر، لقبه «بيت الأفندية»، ولد فيه قاسم السالم الذي كان رئيسًا لبلدية عكا أيام الأتراك، وابنه محمد قاسم السالم الذي كان عضوًا ونائبًا ورئيسًا لبلدية عكا، ووالد الحاج محمود: يوسف أفندي السالم.
تشدّ ذاكرة محمود يوسف السالم قبل النكبة إلى أصدقاء وأصحاب في الحارة، كان يقضي جُل وقته معهم، ويرافقونه إلى قرية الغابسية، حيث أرضُ والده الذي كان متزوجًا من سيدتين، أمه في عكا، وزوجة أبيه من الغابسية. وفي كلا البيتين، كان يشعر بأنه «معزّز مُكرّم، لكن للغابسية نكهة مختلفة». فهي قرية وصل عدد سكانها قبل النكبة إلى 683 فردًا، في منطقةٍ وُصفت بالجنة، لحلاوة منظرها. وترتفع القرية عن سطح البحر 75 مترًا، ويقول محمود السالم انّ هناك «مياهًا تحت أرضها، تُعطي ذبذبات كهربائية على وجه الأرض». تلة الغابسية تُسمّى اليوم بالينابيع الخمسة الفوارة: عين العسل، عين مفشوخ، جعتون، وبير ماء شرقي الغابسية.
بعد النكبة، وبعد منع سكان الغابسية مِن دخول بيوتهم وحصاد القمح والصلاة في جامعها، توجّه الوالد يوسف السالم إلى المحاكم الإسرائيلية مباشرةً بعد احتلال القرية، فأقرّت المحكمة بملكية الحاج أبي محمود في الغابسية، وسُمح له باستعادتها. ولا يزال أبو يوسف يستذكر الأرض المُثمرة التي كانت بملكية أهلها، يزرعون الخضر والحمضيات والتفاح والزيتون والتين والصبر، ويستغلون الأراضي.
عندما اقتربت العصابات اليهودية المسلّحة لتحتلّ الغابسية، عقد أحد زعماء القرية المشهورين - الذي كان بطلاً لثورة 1936 ثم شارك في إخمادها وتعاون مع الانكليز واليهود - اتفاقًا سريًا مع ما يسمى «شيروت يديعوت» يقضي بعدم تهجير أهل القرية، أو المسّ فيهم وبممتلكاتهم. لكنّ حدثًا مهمًا غيّر وجهة الفرقة العسكرية، فقد قُتل قائدها بين الغابسية والكابري، وانتقامًا له قُتلت احدى النساء، وفقدت طفلها البالغ من العمر سنتين. بعد ثلاثة أشهر، عاد أهل القرية بقرارٍ من المحكمة العليا، ومعهم عدد كبير من اللاجئين. لكن في سنة 1950، والتي نسميها «سنة الثلجة»، وبعدما أعدّ الحاج يوسف السالم وأهل القرية الأرض للزراعة، طردهم الجيش من جديد، رغم الاعتراف الرسمي بالقرية. طردوا كي تستولي المستوطنات والكيبوتسات على الأراضي الواسعة والخصبة. في العام 1952، أصدر رئيس الوزراء الأسبق دايفيد بن غوريون قرارًا بهدم القرى الفلسطينية المهجّر سكانها منذ النكبة. وفعلاً، هدمت القرية سنة 1954 عن بكرة أبيها، ما عدا الجامع القائم فيها حتى اليوم.
يقول أبو يوسف: «سيطر اليهود على الجليل بالكامل، ومنعوا دخول مالكيها الأصليين، وأصدروا قانونًا هو «الغائب الحاضر»، ما يعني أن تسكُن بعيدًا عن أرضك أو بيتك مسافة قصيرة، لكن لا يمكنك الاقتراب منهما، إذ تتحول الملكية للصهاينة، بموجب قانون طُبق على معظم البلدات العربية بعد النكبة».
ويشرح التتمات: «هرب أخي وعمي وبنات عمي إلى لبنان، وبقينا عائلة السالم بيتين فقط. لم نتواصل مع أعزائنا لمدة طويلة، وقد توفي أخي بينما التقينا بأبناء أخي في قبرص، وأحدهما يقيم في بيروت بينما يقيم الآخر في كوبا. ومؤخرًا، صرنا نلتقيهما في عمّان. كان الإسرائيليون يعرفون أننا نلتقي بأقاربنا في الخارج، فكيف لا يعرفون وهم أصلاً يراقبون هواتفنا، ومن منطقة الجليل تحديدًا حيثُ تقع قربنا مستوطنة «شومرات»، وفيها مكان مركزي للتنصت على المكالمات والذبذبات الصوتية؟ كون غسان كنفاني، الكاتب الشهيد، قريب العائلة، كانوا دائمًا يستدعونني للتحقيق، لكنني لم أكن أجيبهم عن أية تفاصيل». يتابع: «غسان كنفاني هو ابن ابنة عمي، وقد زرتُ شقيقته وشقيقه في بلاد الشام، والتقيت بشقيقه مروان كنفاني في أكثر من مرّة، وهو يقيم في مصر، ويحمل الجنسية الأميركية».
ورغم قرار الملكية الذي جاء لمصلحتهم مرتين، فإنّ الواقع جاء معاكسًا: «أعيد لنا من أصل 500 دونم كانت بملكنا، خمسون دونمًا تقع قرب قرية كفر ياسيف. وبسبب المحاكم التي استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة، والتكلفة المادية الكبيرة، فإنّ الحياة جعلتنا ننخفض إلى ما دون المستوى الممكن. بعدما كنتُ إقطاعيًا، صِرْتُ عاملاً، وأنا واحدٌ من العمال في إسرائيل».

الهويّة الإسرائيلية: «مجبَر أخاك»

يشرح أبو يوسف اليوميات التالية للنكبة: «مباشرة بعد النكبة، تمّ فرض الحكم العسكري، ومُنعنا بموجبه الخروج إلى خارج الأسوار، حتى أنّ عكا خلت من كيلو لحمة، لمدة سنتين». يتابع: «في العام 1951، تركتُ المدينة وخرجت إلى احد الكيبوتسات اليهودية لأتابع تعليمي، فدرست اللغة العبرية والتاريخ، وعملتُ 5 ساعات تعليمية و5 ساعات عمل، وأصلاً جاء انتقالي إلى الكيبوتس برغبةٍ من والدي بإبعادي عن مكان الخطر، أي مدينة عكا، حيثُ كنت ورفاقي في حينه نقوم بجمع القنابل التي يتدرب الجيش عليها في نهاريا. كنتُ شقيًا. وحين انفجرت القنبلة وأصابت عيني، قرر والدي ترحيلي، لأتعلم وأتدرب على سوق التراكتور. وبقيتُ في الكيبوتس مدة 10 أعوام، حتى سنوات الستين. عندها، انضممت إلى طاقم مصنع طمبور، وتدرجتُ في الوظائف حتى صرتُ مديرًا، وشغلتُ هذا المنصب بين العامين 1960 و2000».
هو يحمل الهوية الإسرائيلية: «دار نقاش طويل حول هويتنا، فاليهود لم يرغبوا بإعطائنا الجنسية الإسرائيلية، لكنّ المحكمة أقرّت بضرورة منحنا الهوية والصفة الإسرائيليتين. جاءت البداية ببطاقة إغاثة، لتمويل العائلات المحتاجة، ونحنُ من بينها، واستخرجوا لنا بعدها بطاقات هوية».
لكن، هل كانَ الأمرُ يحتاج إلى استصدار هويات إسرائيلية؟
يقول أبو يوسف: «نحنُ حتى اليوم لا نؤمن بها. لكن، هل كان مِن الأجدر بنا أن نخسر بيتنا ونصبح لاجئين؟ أم أن نبقى في بيوتنا ونحافظ عليها، شرط إلصاق صفة معينة بنا؟ وهي الصفة قد تزول أو لا تزول».
ويُقارن أبو يوسف بين حكم الانكليز والأتراك والإسرائيليين، قائلاً: «تتحمل الانكليز والأتراك لأنك تعرف أنّها فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وسيعودون إلى بلادهم. أما الإسرائيليون فلن يبرحوا المكان.. وما داموا يطالبون بـ«دولة يهودية»، فإنّ خيرًا لن يحصل في هذه البلاد».
وعن تقبّل إسرائيل للفلسطينيين، وإصدارها بطاقات هوية لهم، يقول الحاج محمود السالم: «هم لا يتقبلوننا، بل إننا أقرب إلى الشوكة في حلوقهم يحاولون بلعها». ويختم بالقول: «هناك محاولات خفية لمساومتي على البيت، لكني لن أبيع، فبيتي هو روحي. تعوّدنا على البيت، هذا ملكي، حصتي من البلد، ولن أستغني عنه أبدًا... في المقابل، أنا عربي فلسطيني داخل بلادي، ولا يهمني أي شيء آخر. ليس مهمًا أن تكون الهوية حمراء أو صفراء».