| 

على حاجز الطيبة قرب طولكرم وفي ساعات مبكرة من النهار، ثمّة حياة من نوع آخر. رجالٌ ونساء وأطفال، جنودٌ وموظفون، بيعٌ وشراء، مَرْكبات مدنية وعسكرية، تقنيات حديثة وعربات خيل، أضواء كثيفة ودروب معتمة، رائحة جوّيّة منعشة وحموضة تنبعث من المكان، أصوات مختلطة كثيرة، بشرية وغير بشرية، ومن الطبيعي أن تسمعَ على مقربة من الحاجز هدير سيارةٍ عسكرية أو نهيــــــــــق حمــــــار، يمكنك أن تفهم المُرادَ من أصوات الناس عن بُعـــــــد حتى لو أنـــــــــــك لم تسمع اللفظة نفسها، الازدواجية والثنـــــــــــائية في لـــــــــــــــــــــــغة الناس هناك تجِدُ مجالاً خصباً لها. يرتاحُ التناقضُ اللغوي والبشري، ويمدّ رجليه في معبر الطيبة.
صَمّموا ممراً واحداً للدخول إلى المعبر لحصر العابرين، وتسييرهم نحو وجهة واحدة... أبي أيضاً كان يمارس الطريقة ذاتها لتمرير العجول إلى الشاحنة، ومؤخراً أضاف ميزاناً إلكترونياً في مؤخرة الشاحنة، يمرّ عليه العجل في رحلته القصيرة إلى المسلخ، ويتم قياس وزنه. تعمّدوا تصميم الممرّ بشكلٍ لولبي، فهو بهذه الحالة يتّسع لأكبر عدد من العمّال، ويسهل حشرهم في مساحة صغيرة، ويسهل أيضاً على كاميرات المراقبة أن تجحظهم بعيونها المتعددة الأشكال، ويكونوا تحت مرماها، هل الماركسية أيضاَ تنظر إلى دورة الحياة على أنها تسير بشكل لولبي؟ ممرّ واحد مُحَدّد بجدرانٍ من الشبك المقوّى، ومسقوف بالشبك أيضاً لأن بعض العمال يحاولون أن يتقدموا في الدور، فـ(يتعربشون) على الجدار المشبك، ويعتلون فوق رؤوس العمال ويقفزون من مسربهم المتأخر إلى المسرب المتقدم في الممر.
- وين وين بدك متعربش؟
- مثل القرد بحديقة حيوانات
- هسّة بَنْزِلّكْ وَلى، طبّق.
عدد كبير من العمال يتوافدون على الحاجز في وقت واحد، يحتشدون ويملأون الممر باكتظاظ، وكلّهُم مضطرون للوصول إلى أماكن عملهم في أراضي 48 في الوقت المحدد، فأرباب العمل وهم أبناء عمومتنا حريصون جداً على كل دقيقة عمل، ساعة العمال تسير بسرعة ولكن زمن المعبر يسير ببطء ثقيل. المسألة الأكثر أهمية لدى كل عامل وفيها اختبار وتحدّ كبير لرجولته، هي منع الآخرين من أخذ دوره في الصف.
ثمة مسربٌ فرعي قصير المسافة للنساء يؤدي إلى بوابة الدخول نفسها، فتختلط النساء بالرجال في مجرى واحد، يحتاط العمال من الاقتراب كثيراً من النساء، خوفاً من أي اندفاع مفاجئ من الخلف، فيصطدم أحدهم بإحداهنّ، وعندها سَتصرخ وتلعَن لحية أبيه، أو سيتلقّى درساً في الأخلاق: «اعتبر إنو أختك بهالموقف هذا، بتحب حدا يطبّ فيها؟». يتمتم العامل: «ما حدا جَبَرِكْ تيجي هون».
هناك عند المعبر أصوات كثيرة مختلطة: ضجيج العمال في الممرات، مكبرات الصوت التي يستخدمها الموظفون الجالسون في حجرات المراقبة المنتشرة داخل الحاجز وعلى أطرافه، شتائم وصيحات تنطلق من العمال، بسبب التزاحم والاعتداءات المتكررة على الدور في المسرب من بعض الغوغائيين، تُطلَقُ الشتيمة للعموم ولكنها في الحقيقة تكون موجّهة لشخص بعينه. الباعة في الخارج يروّجون للأطعمة المصفوفة على البسطات، والعمال يشترون فطورهم بصمت وعلى عجلة من أمرهم، وليس غريباً أن تعثر على بائع كباب في ذلك الصباح الباكر، وأطفالٌ صغار خرجوا من بيوتهم قبيل الفجر، يبيعون القهوة والحليب، ثم يعودون إلى المدرسة قبيل الساعة الثامنة. يعبق المسرب بزفرات النَفَس الصباحي الممزوج برائحة التبغ والفلافل، ترى على وجوه العمّال وأجسادهم صوراً متنوعة للكآبة والشقاء، والقلق، والتذمّر، هناك في ممرّ العبور يتجسّد البؤس في صورة إنسان، وستتأكد أن للبؤس رائحة يمكن أن تشمّها فعلاً بأنفك.
يصل العمّال إلى المعبر قبل ابتداء الدوام الرسمي للموظفين، ما يسبب الزحام والاكتظاظ هناك، وما يزيد الطين بلة، التزام الموظفين بتأدية تعليمات العمل بكامل حذافيرها، ولعل حرصهم ذاك ناتج عن خوفهم من المساءلة، وليس انتماء للمهنة ذاتها، يمارسون أعمالهم كالآلة التي يستخدمونها، عندما تنظر إلى المراقب تتصوره هو وبرجه وميكروفونه شيئاً واحداً، والحارس في الخارج يتحرك بالمصباح مثل الروبوت تماماً.
يزعق جهاز الفحص الآلي لأتفه الأسباب، فتسمع المراقب في حجرة المراقبة المرتفعة فوق رؤوس العمال، يرطن بكلام لا تعرف أنه موجّهٌ لك، ولكنك تفهم لغة الجهاز: وميضه وصوته، فتعرف أنه يتوجب عليك أن تتفقد ملابسك وجسمك جيداً، فتُخرِج أيّ شيء معدني كالنقود المعدنية، وعلّاقة المفاتيح، وقشاط البنطال، وغيرها، وتضعها كلها في الحقيبة أو الظرف ثم تضع تلك الأشياء كلها على درج خاص لفحصِها، تمهيداً لتمريرها عبر شريط متحرّك ينقلها إلى الأمام. وإذا ما زعق مرة أخرى، فإنك ستفهم أنه يقول لك: عسيم بعيوت = مشكلجيون. كيان قائم من الآلات والأجسام المتحركة والناطقة...
وكثيراً ما يسبّب تزاحم العمال وضغطهم على بعض، وقوع إصابات بينهم، شعرتُ بأن روحي خرجتْ من حلقي عندما تلقّتْ مؤخرة قَدَمي اليُمنى ضربة مؤلمة من القضيب السفلي الأفقي للباب الكهربائي الدوار، «المعّاطة» كما يسمّيه العمّال. فهو يشبه معّاطة الدجاج في الشكل والدوران. هل كانت أسماء بنت أبي بكر تعلم بهذه «المعّاطة» عندما قالت لابنها عبدالله بن الزبير: «وهل يضير الشاةَ سلخُها بعد ذبحها؟». كان يتوجب عليّ أن أنتبه جيداً عندما وَلجْتُ في «المعّاطة»، هذا الخطأ جعلني أنتبه جيداً لسائر الإجراءات والتعليمات داخل المعبر، فحفظتُ الإجراءات كلها، وأتقنت ما يجبُ عَليّ فعلُه، وكنتُ كالتلميذ الذي يتوجب عليه أن يحفظ دوره في المسرحية خوفاً من تأنيب المعلم، أو سخرية الزملاء.
بصوت أنثوي أشكنازي رنّان:
- ياد كشا = يد خشنة
قالت ذلك لعاملٍ انتهى للتوّ من عملية فحص بصمة اليد، وغادر شبّاك غرفتها الزجاجية منطلقاً إلى خارج الحاجز. بعضهم لم يكن يجيد تنفيذ التعليمات المطلوبة منه بدقّة، ما كان يُسبّب لها الانزعاج والتأفّف، والصراخ أحياناً. فوراً تذكرتُ تلك المجندة التي صوّتتْ عَليّ، وطلبتْ مني أن أكشفَ عن بطني من بُعْد عشرين متراً تقريباً قبل الوصول إليها عند الحاجز العسكري، وذلك لدواعي الفحص الأمني، حصل ذلك في عزّ انتفاضة الأقصى في العام 2002 على حاجز عسكري بين دير الغصون وشويكة على طريق طولكرم.
وبصوتٍ فيه عُلوّ ورنين، قالت للشاب الذي يخضع لعملية الفحص:
- «ما كرا لخا؟ أتا لو شُميع؟ تَزيزت أممغنيت عال مخونا كاما بعميم = ما بك؟ ألا تسمع؟ حَرّك البطاقة الممغنطة على جهاز الفحص عدّة مرات». لم يفهم الشاب شيئاً، ويتّضح أنه غير معتاد على إجراءات المعابر الإسرائيلية، فبدا عليه الكثير من الإرباك والحيرة، تلوّنَ وجهه واضطربَت يداه ورجلاه، والتفتَ إلى الواقفين خلفه، وكأنّ عينَيْهِ تقولان: يا ناس، أخرِجوني من هذا المأزق. كان يقف في الدور بيني وبين الشاب رجلان فقط، استعدّا تماماً لإنجاز التعليمات، الرجل الذي يقف في الدور خلفَهُ مباشرة كان يرتدي بنطالاً كثير الجيوب، وقميصاً بُنيّاً سميكاً يشبه قمصان العسكر، ويحمل بيده قبّعة العمل وظرفاً شفّافاً فيه خبز وقليل من الطعام، أعطى الحرية الكاملة لشعر رأسه فتركه على هواه من دون تشذيب، يتهلهل على سجيّته الفوضوية، ولعله تخلّى عن الأناقة إيماناً بأنّ للأناقة أصحابَها، ومكانها أيضـــــــاً، ويـــــــــــبدو من هيئته واندفاعه أنه مُعتاد على عبور ذلك الحاجز. ولأنّ الشاب كان مــــــــــــضطرباً لا يعرف ما يتوجب عليه عمله، كان هذا العامل يترجم له كلام الموظفة بمنتهى الأمانة والمسؤولية، ربما كان يــــــــــــرى في ذلــــــك واجباً يتحتم عليه القيام به.
سمعت عاملاً خلفي يتذمر ويقول: «فوّتوا يوسف الحسن ع غرف التشليح، خلص اتأخرنا اليوم، بدو ساعة تا يطلع الأفندي، هسة مزراحي بطيح بروسنا وهو يتصل».
ثم زعقت بنغمة أشكنازية:
«سيم إتسبع شلخاعال مخونا بمكوم شلو = ضع إصبعك على موضع فحص البصمات في الماكينة».
صرختْ: «أتا لو مفين؟ يلا = ألا تفهم؟ يلا». إنها لا تختلف كثيراً عن يلينا ساكوزيفا المجنّدة الإسرائيلية التي تحمل جنسية مزدوجة (إسرائيل - أوكرانيا)، ساكوزيفا ادّعتْ بأنها شاركت في قتل الأطفال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى، وشاركتْ في أعمال عسكرية خلال الحرب مع «حزب الله» في لبنان في العام 2006، لدى استضافتها في برنامج كاشف الكذب على قناة «اس تي بي» الأوكرانية.
أوضحَ له الرجل ما عليه أن يفعل، فوضع إصبعه (السبابة) في المكان المخصص لفحص البصمات على الشبّاك، نفّذ الشاب ما هو مطلوب منه، وظلّ واقفاً ينتظر أمراً آخر، رمقته بعينين واسعتين، وقالت: يللا يللا خود هوية. جاء دور العامل، فلم يعد يفصل بيني وبينها إلا شخص واحد.
دلفَ الشاب في ممر الخروج. مسكين ذلك الشاب، كانت عيناه تطلبان النجدة... ومثلما للعيون لغةٌ عجيبة تنطق بها، فإنّها قادرة على القراءة أيضاً، وأنا أحمد الله دائماً لأنه منحني قدرة بارعة على القراءة بالعين، فأتقنَتْ عينايَ إصابة الهدف في تفاصيل جسد تلك الموظفة العسكرية.
كانت تجلس على كرسيّ دوّار خلف طاولة الكمبيوتر في حجرتها الزجاجية، نظرتُ وبَحْلقتُ، فكّرتُ وقدّرْت... على ما يبدو من تفاصيل جسمِها وهيئة وجهها، هي فتاة لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها - على أكثر تقدير. اقتحمتْ مخيلتي تلك الصور التي نشرَتْها مجندات إسرائيليات على صفحاتهن على الفايسبوك، صُور مثيرة ومغرية لنا نحن الرجال، وإحداهنّ فتحتْ أزرار قميصها العسكري لتكشف عن بلوزة بيضاء اللون، طُبِعتْ عليها صورة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. تمنيت لو كنت أحتفظ بوردة أو شيء آخر جميل في حقيبتي، تلاميذي الصغار في الصف الخامس بارعون. قدّموا باقة ورد فاخرة للمعلمة التي كانت تتدرّبُ تحت إشرافي، شَكَرَتهم المتدربة، ويومها قلتُ في نفسي: «أولاد أبالسة، يقدّمون الورد للمعلمة، أما أنا فلا أنالُ منهم إلا اللمز والغمز والحركات الشيطانية».
جاء دوري للفحص، سَحَبتْ بطاقة هويتي الفلسطينية نحوها على الطاولة، وأخذتْ تتأمّل تفاصيل وجهي الشاحب، وتقارنه مع صورتي الباهتة المطبوعة على البطاقة الممغنطة والهوية الفلسطينية خاصّتي، وحرّكتْ أنامِلها على ورقةٍ مليئة بالجداول العمودية والأفقية، وبينهما كتابات كثيرة. ثم بادلت نظَرَها بين وجهي وجهاز الكمبيوتر على طاولتها، كانت تنظر إلى الورقة والكمبيوتر، وتُدقّقُ في الهوية، وتبَحْلقُ في وجهي، وترمُقني من أعلى صلعتي إلى أسفل ذقني. بالتأكيد عرفَتْ أنني لست عاملاً، فالدلائل كثيرة: ملابسي والحقيبة التي أحملها، وربما المعلومات المتوافرة لديها في الحاسوب، ويمكن أن يكون أبناء الحلال قد أبلغوهم بطبيعة المَهمة التي سأقوم بها... انتابني شعور أنها ستوجّهني إلى غرفة الحجز لحين استكمال إجراءات الفحص الأمني الدقيق من كل النواحي، غرفة التشليح كما يسمّيها العمال، ولكنّ شيئاً من هذا لم يحصل.
وأنا يا إخوتي - بِطبعي - شخصٌ أقابلُ الإحسان بأحسن منه. فكنتُ أبادلُها النظرات وأمعن النظر في عينيها الزرقاوين، وشعرها الأسود المتهدل بكثافة على أكتافها، ونظرْتُ بمنتهى الدّقة إلى بروزها الصدري... ودققْتُ في شَفتيها وهي تقول لي: ايفو أتا يُليخ؟ = إلى أين تذهب؟
- شفتاكِ سماءٌ تمطر. قلت ذلك في نفسي.
- «ما كرا لخا؟ أتا لو شُميع؟ = ماذا جرى لك؟ ألا تسمع؟».
- وعيناكِ سهامٌ تقتل. أكملتُ تداعِيَ أفكار الذات.
رمقتني باستهجان، وأزاحت بكفّ يدها النحيلة بطاقة هويتي إلى حافة الطاولة على مقربة مني. التقطْتُ البطاقة، ونظرتُ إليها نظرةَ آمِلٍ باللقاء معها مرة أخرى، ولكن في زمان آخر، ومكان آخر غير هذا المكان.
غادرَتْ عيناي يدَها النحيلة، ونظرْتُ إلى ندب في يدي، جُرحٍ قديمٍ كنْتُ قد أصِبْتُ بهِ قبل خمسة وعشرين عاماً، عندما سقطْتُ عن شجرة زيتون رومية، إذ كنت منشغلاً بالغناء خلال قطفِها، تذكرتُ مزحة أخي الثقيلة يومها: «قاعد بتغني وين ع رام الله، هياتك سافرت من الزيتونة ع الأرض».
بعدما انتهيت من مَهام الفحص وأنجزتها على أكمل وجه، ابتسمتُ في وجهها، فمنحتني ابتسامة خفيفة، ودفعتُ إليها بورقة كتبتها سرّاً، وانطلقتُ بهدوء وانسياب إلى ممرّ الخروج.
سمعتها تقول بصوت مبحوح مندهش: «ما زيه؟ ما زيه = ما هذا؟ ما هذا؟».
قلتُ في نفسي بصوتٍ انتقاميّ: سأجعل الحاجز، ومؤسسات الأمن كلها تجتمع كي تترجم وتفسّر لك هذه الورقة.
انطلقتُ بانسيابٍ، وفي داخلي شعور ما بلذّة انتصار.