| 

في أحد ممرّات مجمّعات التسوّق في مونتريال، سحبتني بائعةٌ إلى كشكها الصّغير. كنت عابرة سبيلٍ هناك، بضعة أيّامٍ قبل بدء فترة الأعياد في كانون الأوّل /ديسمبر. "ناتورا بيلّا" (الجمال الطّبيعي، أو شيء من هذا القبيل)، كُتب أعلى الكشك، بالأخضر والأسود. سحبتني من يدي. ولم تفلتها طوال العشرين دقيقة المقبلة. سألتني عن اسمي. فأجبت. فتبعته بسؤالٍ قلّما يسأله القاطنون في كندا (فهم يتفادون الأسئلة غير اللائقة سلوكياً): "من أين جئت؟". من فلسطين، قلت. فسألتها بدوري: وأنت؟ أنا لورا من البرازيل، أجابتني بالإنكليزيّة، بسرعة ومن غير تفكير. وبلكنة تل - أبيبيّة واضحة. فأومأت برأسي من دون نقاش، لأرى إلى أين سنذهب. بينما يدي بيدها، تنظر إليها بين الفينة والأخرى (وأتساءل بيني وبين نفسي إن كانت يدي قد اجتازت اختبار العناية الذاتيّة بنجاح)، سألتني إن كنت سأحتفل بعيد الميلاد المقبل بعد بضعة أيّام. ومن ثمّ استدركت وسألت بوضوح: هل أنت مسيحيّة أم مسلمة؟

البحر الميّت في الأردن كذلك
تململت وحاولت سحب يدي. فأخرجت عندها نوعًا من مبرد الأظافر، إسفنجيّ الملمس، أخضر وأبيض اللّون، وابتدأت بحفّ ظفر إصبعي (الأوسط لسببٍ شاعريٍّ ما). قالت: "مهما فعلتِ به بعد الآن، سيكون هذا ظفرك لمدّة أسبوعين". فكّرت في إيقافها عندها، لكنّها كانت قد ابتدأت بعمليّة الدّيمومة على أيّة حال، فتركتها تكمل وهي تلقي ما لديها من كلمات لبيع المنتوج. "هل تؤمنين بالسّحر؟"، سألتني فجأة وتوقّفت عن الحفّ. كيف نجيب عن أسئلةٍ كهذه، قبل بضع دقائق من إغلاق المجمّع؟ تململت مرّة أخرى واستمرّت بالسّؤال. "هل تؤمنين بالسّحر؟" (Do you believe in magic?). ومن ثمّ طلبت منّي التّكرار من ورائها، من واحد إلى ثلاثة. "وَن،" وانتظرتني، "تو،" ووضعت قطنة مبلولة بسائلٍ ما على ظفري، "ثري"، وتركت يدي، أخيرًا. وفعلًا، أصبح ظفري يلمع. وفعلًا، دام لامعًا مدى أسبوعين. أمّا لورا فأرادت منحي تخفيضًا، احتفاءً بالأعياد. فسألتها عن الشّركة، ومواردها، ومكان تصنيعها. فصمتت قليلًا، وقالت: "البحر الميّت". "إذًا هي شركة إسرائيليّة هذه". "بَت ليڤ إيزغائيل آوت أوف إيت" قالت، "دعي إسرائيل جانبًا". عندما هممت بالذّهاب، شدّدت: "لكنّ البحر الميّت في الأردن كذلك!"، وعرضت عليّ علبتين بسعر واحدة.

خارجون عن القانون
تنتشر ظاهرة تربط الإسرائيليّين بمنتجات البحر الميّت بكثرة في الولايات المتّحدة وكندا وغيرها من الدّول الأوروبّيّة. يأتون للعمل هنا، غالبًا بعد أن ينهوا خدمتهم في الجيش، وغالبًا بشكلٍ غير قانونيّ، كسياح. يتّجهون إلى سوق المبيعات في الخارج ليموّلوا تعليمهم أو سفرهم، تلك السّنة، أو السّنوات، الّتي يأخذونها فرصةً واستراحةً من "توتّر المعيشة في إسرائيل"، يسمّونها "سنة التّجوال" (wander year). هي السّنة الّتي يحاولون خلالها نسيان ما رأوه في فترة خدمتهم. يمضون بضعة أشهر في المجمّعات التّجاريّة (غالبًا من دون تأشيرة عمل)، وعادةً في الأشهر التي تسبق تسوّق عيد الميلاد. يُمنحون المنام والمواصلات بسعرٍ مخفّض، ويكسبون آلاف الدّولارات في الأسبوع، من دون دفع الضّرائب.
ويشكّل الإسرائيليّون الجوّالون مشكلةً لضبّاط الحدود في استجوابهم وإمكانيّة الكشف عنهم. فكما جاء في تقرير لوكالة خدمات الحدود الكنديّة على سبيل المثال، كثيرًا ما يلقّنهم صاحب العمل طرقًا لتفادي أسئلة ضبّاط الحدود قبل سفرهم إلى الخارج. كما يستخدمون تدريبهم العسكريّ لإحباط تلك الأسئلة على الحدود. موشيه فوغل، رئيس مركز كندا للشّؤون الإسرائيليّة واليهوديّة، يشرعن الإشكاليّة بربطها بـ "ظروف الإسرائيليّ". "إنّها فعلًا مشكلة وأنا لا أريد عذرها أو تحجيمها"، قال في حديثه عن الموضوع. "لكنّها مشكلة بسيطة نسبيًّا. وسببها التقاء ظروف معيّنة في إسرائيل". وبالظّروف، يشير هو إلى السّنتين أو الثلاث التي يمضيها الإسرائيلي في الجيش، والوقت الّذي يجول فيه من بعده، ما قبل عودته للدّراسة العليا. هو نوع من الاستراحة الّتي تدرّ المال كما السّياحة.

في أسوأ الأحوال، جواز جديد
ابتدأ العديد من الإسرائيليّين بالوفود إلى العمل في كندا، بعد الكشف عنهم بشكلٍ واسع في الولايات المتّحدة في العام 2009. وفي برقيّة أعدّتها السّفارة الأميركيّة في تل أبيب في بداية العام 2010 (ونشرتها ويكيليكس عام 2011)، تسهب الأولى في شرح الظّاهرة وإشكاليّاتها، وتلخّصها كالتّالي: "وجودهم ]الإسرائيليّون[ في الولايات المتّحدة ليس "نظيفًا" للأسف. فثمّة إشكاليّات حول حاملي الفيزا B1 / B2] فيزا السّياحة[ وعملهم بشكلٍ غير قانونيّ، واستغلالهم العمّال، وتفاديهم دفع الضّرائب". وتذكر أيضًا الزّواجات الزّائفة المستخدمة لتمديد إقامة البعض من أعضاء الطاقم الأساسيّين في الولايات المتّحدة، كما انعدام الشّفافيّة في مادّيّات الشّركات، وتمرير كمّيّات هائلة من الأموال النّقديّة، "ما يثير الشّكوك حول تورّطهم بالجرائم المنظّمة وتبييض الأموال". عدا ذلك، يرد في التّلخيص إنّه "من المقبول اجتماعيًّا في إسرائيل أن يعمل الإسرائيليوّن بشكلٍ غير قانونيّ في الولايات المتّحدة بعد خدمتهم في الجيش".
قلّما يمسكون بهم، يؤكّد بعضهم للآخر لتشجيعهم على خوض المسار. "وإن أمسكوا بهم، هنالك دومًا طرق حول القانون. ما الأسوأ الّذي يمكن أن يحصل إذا أمسكوا بك؟ يضعونك في السّجن لبضعة أسابيع، يعيدونك من بعدها إلى إسرائيل. وإن سحبوا جوازك، تعود إلى إسرائيل وتحصل على واحدٍ جديد. فتعود إلى الولايات المتّحدة من بعدها بجواز سفرٍ جديد"، تقول إحدى البائعات في حديثها عن تجربتها قبل بضع سنوات.

من البرازيل أو المرّيخ...
من أيّ مكانٍ غير ذاك

قد لا يخاف الإسرائيليّون من العواقب ("البسيطة") المترتّبة على وجودهم اللّاقانوني، لكن وعيهم للاقانونيّة سحبهم المعادن والأملاح من البحر الميّت بالأساس يقلقهم بدرجات، فيتفادون ذكر مصدر المنتوج ليضمنوا شراء الزّبون له. عدا العدائيّة والإصرار على بيع المنتوج، كمرافقة الزّبائن إلى الآلات الأوتوماتيكيّة في المجمّعات لسحب المال (للتّأكّد من عودتهم إلى الكشك)، أو استغلال المسنّين وفاقدي الذّاكرة وخداعهم لصرف الآلاف على هذه المنتوجات (كما حصل قبل بضع سنوات في نيوزيلاند)، تراهم مضطرّين في العديد من الحالات لسحب البحر الميّت من سياقه، لضمان عدد أكبر من المشترين. فبينما قد لا يخافون الاعتقال أو الحبس لبضعة أسابيع، فإن مقاطعة بضائعهم كونها إسرائيليّة تعرقل العمليّة من أساسها. "البحر الميّت" هو المكان المستخدم للتّعريف عن البضائع. غالبًا، يترك اسم الدّولة خارج مكان التّصنيع، وغالبًا يحتاج المرء لبعض الوقت لجعلهم ينطقون باسمها. تقاطع عدّة ظروف، كحملة المقاطعة المستمرّة كما الوقت والوعي المتزايد لأساسات تلك الدّولة وأفعالها، جميعها وغيرها انتهت إلى تحويل ذلك الاسم الذي ينطقونه بفخرٍ عموما إلى مشكلة، إلى عائق أمام كسب المال والاستجمام والنّسيان.
"على الزّبون أن يشعر بأنّه يمشي على البساط الأحمر عند دخوله حانوتك. عليك أن تشعره كالملوك"، قالها لي مرّة جورج، صاحب حانوت البانيني الصّغير في مونتريال. وهو شعورٌ يختلف بعض الشّيء عمّا شعرت به بعد التقائي لورا، أو مهما كان اسمها، من "البرازيل" المحتلّة.. لا سيّما عندما لاحظت أنّها كانت قد سكبت البعض من قطرات السّحر على حذائي، لتبقّعه وتبقى عليه، بعد مضيّ أكثر من أسبوعين.