| 

ليس كل اليهود «صهاينة»، كما أن ثمة «كثيرين ـ سياسياً ـ بين غير اليهود وحتى بين «العرب» أنفسهم استولدتهم الهزيمة فالتحقوا بالعدو بذريعة العجز وكأنه قدر. وقد نجحت الحركة الصهيونية التي أسسها قادة طامحون ـ ومفكرون عنصريون ورأسماليون في الجمع بين هؤلاء على مشروع استعماري معلن، فأعدّوا وثائقه وأقروها في «مؤتمر بال» المعروف... وقد استطاعوا استمالة جمهور واسع من «فقراء اليهود» برفعهم شعار استعادة الهيكل وإقامة دولة يهود العالم، على أرض ليست لهم، بل إن شعبها، الذي كان على الدوام شعبها، فيها... وإنهاء عصر «غربة» يهود العالم عن «أرض الميعاد».
ولقد عملت الحركة الصهيونية على تضمين مشروعها لاحتلال فلسطين في المشروع الاستعماري الغربي للمشرق العربي، عشية انهيار السلطنة العثمانية، وهو الذي تبنته بريطانيا وأصدرت «وعد بلفور» المكمل لمعاهدة سايكس ـ بيكو بينها وبين فرنسا لتقاسم هذه المنطقة، متعهدة «بمنح فلسطين» لليهود وعلى قاعدة «من لا يملك أعطى من لا يستحق».
على أن هذه الحركة الصهيونية قد وجدت بين اليهود أنفسهم من رأى فيها مشروعاً استعمارياً استيطانياً واعتداءً مباشراً على حق شعب فلسطين في أرضه.
في هذا العدد تعريف بالجماعات اليهودية التي رفضت الصهيونية، في البداية مثل «الحسيديم» ـ وهم تيار في التصوف اليهودي ـ التي نشأت عنها جماعة «ناطوري كارتا» أي «حراس المدينة» وبعض التيارات العمالية. وكذلك فهو يقدم مقالات لكتاب وأدباء ومفكرين رفضوا الصهيونية ودولة إسرائيل، فضلاً عن تسليط الضوء على تيارات سياسية قديمة مثل «بريت شالوم» ـ ميثاق السلام ـ وحديثة، مثل «الماتسبن» ـ البوصلة ـ وتيار «المؤرخين الجدد».
أما المدينة التي يقدمها هذا العدد من «فلسطين ـ «السفير العربي» فهي أريحا، البوابة الطبيعية التي تشرف على الطريق المؤدية إلى الأغوار وما يحيط بها من المرتفعات الجبلية، وهي مشتى معروف وتتضمن الكثير من الآثار التاريخية والأديرة. وهي «يريحو» كما أسماها بُناتها الكنعانيون، ويعتبرها الخبراء أقدم مدن فلسطين ويرجعون تاريخها إلى العصر الحجري (قبل 7 آلاف سنة).. وقد أنشأ هيرودوس القصور والجنائن والميادين والقلاع لحمايتها.
وفي عهد قسطنطين الكبير انتشرت المسيحية فيها، وقد وصلت إلى قمة ازدهارها أيام البيزنطيين. أما في صدر الإسلام فكانت أهم مدينة زراعية في غور الأردن، وقد ذكرها ياقوت الحموي في تاريخه، فكتب: «إنها ذات نخل وموز وسكر كثير كان له فضل على سائر سكر الغور، وهي مدينة الجبارين»... ولعل القائد الراحل ياسر عرفات قد استعار هذا التوصيف للفلسطينيين منها.
إن التاريخ شاهد لا ينطق عن الهوى، وهو ينفي مزاعم الصهاينة أن فلسطين كانت، في أي يوم، «دولتهم».