| 

لا يزال مشهد الجرافات العسكرية الإسرائيلية في تموز 2010 حاضراً في أذهان أهالي خربة الرأس الأحمر شرق بلدة طمون في منطقة الأغوار الشمالية، وهي تدمر كل ما في طريقها، وتغرس أنيابها في مساكن بدائية مصنوعة من الصفيح والخيش تقطن فيها عائلات بدوية، وتستخدم أجزاء منها لأغراض تربية المواشي. والسبب المعلن من قبل جيش الاحتلال، أنها تقع في منطقة مغلقة لأغراض التدريب العسكري. ويلازم كل صغير وكبير من أهالي هذه الخربة المنكوبة بإجراءات الاحتلال، شعور بأن الفترة المقبلة ستشهد حلقة جديدة من مسلسل الهدم والترحيل الذي تنفذه سلطات الاحتلال في الأغوار، بعد أن أنذرت هذه السلطات الاحتلال في نهاية تشرين الأول 2013 مجموعة جديدة من العائلات التي تعيش في خربة الرأس الأحمر، بضرورة إخلائها، تمهيداً للبدء في تنفيذ مناورات عسكرية بالذخيرة الحية. وقد كانت تلك الإنذارات، وفق ما أكده رئيس المجلس المحلي يونس بني عودة، شفوية، على غير العادة، الأمر الذي يعني أن عملية الإخلاء والترحيل، ستتم في أي وقت، وبحسب أهواء قوات الاحتلال التي ما إن تغادر المكان، حتى تعود إليه من جديد، مصطحبة معها الجرافات التي تغرس أنيابها في مساكن المواطنين ومنشآتهم، لتحولها إلى أثر بعد عين. وذكر بني عودة أن سلطات الاحتلال وجهت إنذارات شفوية إلى 22 عائلة، تطالبها بإخلاء الخربة، خلال أقل من أسبوع، لكي يبدأ جيش الاحتلال بإجراء تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية. وأضاف أن قوات الاحتلال أبلغت الأهالي أن تلك التدريبات ستكون واسعة، وتستخدم فيها الطائرات الحربية والمروحيات القتالية، والآليات الثقيلة، وستطلق خلالها القذائف والصواريخ والنيران لأغراض التدريب العسكري، ما يجعل استمرار بقائهم في هذه المنطقة، محفوفاً بالمخاطر.

إرادة البقاء

بلغت اعتداءات الاحتلال بحق خربة الرأس الأحمر، ذروتها في تموز 2010، عندما دمرت جرافات الاحتلال البركسات وبيوت الشعر، بذريعة وقوعها في منطقة مغلقة لأغراض التدريب العسكري، من دون السماح لأصحابها بمجرد انتشال حاجياتهم الأساسية. ولا يغيب مشهد جنود الاحتلال المدججين بالسلاح ممن كانوا بالعشرات، عن ذهن كل صغير وكبير من أهالي خربة الرأس الأحمر، عندما حاصروا الخربة، واحتجزوا الأهالي، قبل أن تبدأ الجرافات بممارسة «هواية» الهدم والتدمير لمنشآت الخربة التي كانت أشبه ما تكون بساحة حرب لم تبق ولم تذر، وكان ضحيتها عشرات المواطنين العزل ممن لا حول لهم ولا قوة.
غير أن «إرادة البقاء»، كما وصفها بني عودة، هي التي دفعت أهالي هذه الخربة، في ذلك الوقت، إلى إعادة بناء ما هدمه الاحتلال، فشرعوا بعد انتهاء عملية الهدم مباشرة وانسحاب قوات الاحتلال من المكان، بجمع ما أمكن من أمتعتهم وألواح القصدير التي عجنتها عجلات جرافات الاحتلال، وأقاموا خيامهم من جديد، وبنوا بيوتاً بسيطة تقيهم وعائلاتهم برد الشتاء وحر الصيف، من دون أن يكترثوا على الإطلاق لتهديدات الاحتلال بالعودة من جديد، وإعادة هدم ما أعادوا بناءه. وجرت العادة أن تسلم سلطات الاحتلال إنذارات بالترحيل أو الهدم، لأهالي الخربة، إلا أنها وجهت هذه المرة إنذارات شفوية تطالب الأهالي بالرحيل عن المنطقة، تمهيداً للبدء في إجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام إمكانية أن ينفذ الاحتلال تهديداته في أي وقت يشاء، ومن دون إعطاء أية مهلة للمواطنين للاعتراض على تلك الإنذارات.

ساحة حرب

تعتبر خربة الرأس الأحمر، واحدة من بين العشرات من التجمعات السكانية الفلسطينية في منطقة الأغوار الشمالية، وكانت جميعها على مدار السنوات السابقة مسرحاً لعمليات هدم نفذتها قوات الاحتلال بذريعة وقوعها ضمن مناطق مغلقة لأغراض التدريب العسكري، منذ العام 1973. وبحسب تقرير أصدره معهد الأبحاث التطبيقية - أريج في 7 حزيران 2010. تعاني التجمعات الفلسطينية الواقعة في منطقة الأغوار الفلسطينية من الاضطهاد الإسرائيلي المطلق، حيث أنه عقب احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، استهدفت إسرائيل منطقة الأغوار (المنطقة الشرقية في الضفة الغربية) بقصد إيقاف التطور العمراني الفلسطيني في المنطقة والتنمية الاقتصادية للفلسطينيين من خلال إعلان مساحات شاسعة من منطقة الاغوار «منطقة عسكرية مغلقة»، حيث استنزفت المصادر الطبيعية الموجودة فيها كالأراضي الزراعية ومصادر المياه كالآبار والينابيع وتحويلها لمصلحة المستوطنات الإسرائيلية في المنطقة من خلال بناء الآبار الارتوازية، وذلك لإجبار عدد كبير من الفلسطينيين على الرحيل لتفريغ المنطقة ليسهل على إسرائيل مصادرتها والاستيلاء عليها وتنفيذ مخططاتها الاستيطاينة والتوسعية. وكان هذا ما شدد عليه بنيامين نتنياهو في تصريح أدلى به في الثالث من شهر حزيران من العام 2005، حيث قال «وادي الأردن لن يكون مدرجاً في أي من عمليات الانسحاب الاسرائيلي.. وادي الأردن سيبقى تحت سيطرة إسرائيل إلى الأبد.. إنه الدرع الشرقي الدفاعي لإسرائيل.. ونحن لن نعود إلى حدود العام 1967».
ويلمس الزائر الذي يشق طريقه بعناء ومشقة إلى خربة الرأس الأحمر المأساة التي حلت على أهالي هذه الخربة جراء ممارسات الاحتلال، حيث تبدو الأرض التي أقيمت عليها المضارب البدوية كأنها أرض جرداء، وعلى بعد مئات الأمتار تظهر مساحات خضراء محاطة بسياج متين تابعة للمستوطنات التي أقامها الاحتلال هناك، حيث يسمح للمستوطنين باستخدام كميات وفيرة من المياه، وزراعة ما يحلو لهم من الأراضي المنهوبة التي لا يسمح الاحتلال لأصحابها الشرعيين بمجرد العيش فيها، ويمنعهم من استصلاحها، أو مجرد الحصول على المياه لأغراض الشرب والري، ما يضطرهم لشراء المياه بواسطة صهاريج عادة ما تكون هدفاً للملاحقة والمصادرة. وأوضح بني عودة إن المستوطنات المقامة على مقربة من خربة الرأس الأحمر تحديداً، وفي منطقة الأغوار عموماً، تتوسع وتتطور بشكل مخيف على حساب الأراضي الفلسطينية المصادرة، ومقابلها عائلات بدوية تعيش على هذه الأرض منذ القدم في مساكن من الصفيح يعتبرها الاحتلال هدفاً دائماً للهدم، والحجة ذاتها، وهي أنها مقامة في مناطق عسكرية مغلقة، في قانون لا يسري إلا على الإنسان الفلسطيني صاحب هذه الأرض.

مخطط لتغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة

من وجهة نظر محافظ طوباس والأغوار الشمالية، العميد ربيح الخندقجي، فإن سلطات الاحتلال تهدف من وراء الاستمرار في ترحيل العائلات البدوية، وهدم مساكنها، إلى تفريغ تلك المنطقة من أصحابها الشرعيين وتغيير طابعها الديموغرافي لمصلحة المستوطنين ممن ينهبون الأرض والمياه. ووصف الخندقجي ما يحدث في تلك المنطقة بأنه «عملية إحلال عنصرية هدفها الأول والأخير اجتثاث الوجود الفلسطيني من الأغوار، وذلك ضمن مخطط إسرائيلي يجري تنفيذه على الأرض، والهدف غير المعلن من ورائه يكمن في محاولة منع قيام دولة فلسطينية، كما أن ما يجري في هذه المنطقة لا يقل خطورة عما يجري في مدينة القدس المحتلة». وأكد أن سلطات الاحتلال لم تتوقف يوماً واحداً عن ملاحقة السكان القاطنين في مناطق قلب الأغوار الفلسطينية، والذين لا تتردد تلك السلطات عن هدم مساكنهم البدائية المصنوعة من الصفيح والخيش، وقتل أغنامهم، وسلب مزارعهم، وتدمير ما يكدحون في زراعته من المحاصيل.

صحافي فلسطيني مقيم في جنين.