| 

لم ينس الفلسطينيون، ولن ينسوا بلادهم فلسطين، الوطن الذي أعطاهم أسماءهم والهوية، لون عيونهم وسمرة بشرتهم، التاريخ والأرض بقدسها الشريف وسائر مدنها والقرى في «البلاد» التي قسمها واقع احتلالها إلى «الداخل» و«الضفة» و«غزة هاشم».
هم يحملونها في وجدانهم حيثما انتهى بهم قرار إبعادهم عن أرضهم، في دفاتر الهوية حتى كلاجئين ينظرون إلى وطنهم بقلوبهم، ويرونه في سيرة أهلهم، يرفضون التخلي عن لهجتهم التي يرضعونها في صدور أمهاتهم ويتشبثون بها كأنها أيقونة في ديار اللجوء القريبة أو في الشتات البعيد.
إنهم يستذكرونها مدينة مدينة، بلدة بلدة، قرية قرية، مزرعة مزرعة، وبأسمائها الأصلية التي يحاول العدو طمسها بذريعة إعادتها إلى تسميات توراتية حتى حيث لم يكن ليهود الماضي السحيق أي أثر يدل على أنهم مروا من هناك.
وليست المفاتيح التي يحتفظون بها في خزائن السر كأنها سندات ملكية مقدسة، تعلقها العجائز في أعناقهن كالقلائد أو الأيقونات المباركة، ويرفعها الشباب في تظاهراتهم كأنها أسماء الله الحسنى، إلا الدليلَ القاطع على أن البلاد بلادهم وإن احتلها الغرباء الوافدون من أربع جهات الأرض... إنهم بذلك يريدون تأكيد المؤكد الثابت في وجدانهم الذي نقله الأجداد إلى الأحفاد، وسوف ينقله هؤلاء إلى ذريتهم التي لا تعرف لها هوية إلا فلسطين.
بدءاً من هذا العدد من «فلسطين» سنخصص قسماً مستقلاً لواحدة من المدن التي استولى عليها الإسرائيليون، وهي في عز ازدهارها، فأخرجوا أكثرية أهلها منها ليدعوا من بعد أنهم ـ هم المحتلون ـ من عمّرها وجعلها عامرة بأهلها ومميزة بين مدن الجوار بنهضتها العمرانية ووظيفتها الاقتصادية ودور أهلها في إعمار فلسطين.
ستكون يافا الموضوع في هذا العدد: عروسة المرافئ على الساحل الفلسطيني، نقطة الوصل بين مصر وبلاد الشام، أكثر المدن الفلسطينية انفتاحاً ونشاطاً ثقافياً، منها انطلقت الصحافة المبكرة... حتى أن البعض يرى أنها كانت «بيروت عصرها». ويحفظ وجدان الفلسطينيين أسماء جرجي حنانيا وعيسى العبسي وإبراهيم الشنطي وغيرهم كثير من الكتاب والصحافيين. ومنها انطلقت إذاعة الشرق الأدنى (التي تبدّل اسمها ومركزها بعد الاحتلال الإسرائيلي فنقلها البريطانيون إلى قبرص، ثم أقفلت بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956).
هل أعظم شهرة وألذ مذاقاً من البرتقال اليافاوي الذي يتباهى به الإسرائيليون الآن كأنهم زرّاعه ومطوّرو أغراسه وثماره ذات السمعة العالمية.
ويافا معروفة منذ أيام الفينيقيين كمرفأ أساسي في المنطقة، وكان اسمها الكنعاني «يافو»، أي الجميلة..
ويحاول الإسرائيليون مسح التاريخ الفلسطيني وأهله عن هوية يافا... ولقد تسبب الاحتلال الإسرائيلي في بعثرة أهلها الذين أُخرجوا منها بالقوة، فتوزع القسم الأكبر منهم بين غزة والأردن، وجاءت أقلية إلى لبنان.
أما القسم الآخر من هذا العدد، فقد تمّ تخصيصه للثابت والمتحول في دولة العدو الإسرائيلي بعد 64 عاماً من الاحتلال، ونظرة الإسرائيليين إلى قضية فلسطين.