| 

كتب الكثير من الأدب الرديء باسم فلسطين، وسيكتب أدب أردأ بكثير باسم السلام والتسامح والانفتاح على إسرائيل. غير أن فلسطين القضية والشعب والأرض والحضارة ستبقى، على الرغم من نوائب الأيام وتقلبات الزمان، متوهجة كأجمل القصائد وأصدق القصص وأمتع الروايات.
ارتبط الأدب المعاصر في فلسطين بالأحداث السياسية مباشرة، وصار أدباً له مذاق خاص؛ فهو الوحيد في العالم العربي الذي ركز معظم موضوعاته على قضية فلسطين والصراع العربي ـ الصهيوني. ففي فلسطين كانت السياسة تتقدم على حساب الثقافة، وظلت الحركة الثقافية وراء العمل السياسي، وفي أحسن الحالات رديفة له. ولم تتمكن من التأثير فيه بقدر ما تأثرت هي بالوقائع السياسية وتفصيلاتها. ويمكن اعتبار عام 1930 بداية للأدب الحديث في فلسطين، خصوصاً في مجال الشعر، ففي تلك السنة شنق الانتداب البريطاني الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، فنظم إبراهيم طوقان قصيدته «الثلاثاء الحمراء» في تخليد بطولاتهم، فجاءت جديدة في شكلها ونهجها الفني.
هكذا كان الحدث السياسي يسبق الإبداع في الأدب، ويستدعي، بقوة الوقائع، حضور التجديد في الفكر والأدب والفن معاً. لكن الشعر ظل وحده، بين مختلف ضروب التعبير الأدبي، فارس الكتابات الفلسطينية، لأنه الأكثر قدرة على التعامل مع الحدث السياسي والتفصيلات اليومية. ولهذا جاء الشعر الفلسطيني مباشراً وسهل التعبير وفي كثير من الأحيان بسيطاً وتقريرياً.
قدم أدب الخمسينيات ومنتصف الستينيات الفلسطيني في صورة لاجئ يحرقه شوق العودة، وتستفز ذاكرته بيارات البرتقال وبيادر القرى وحقول القمح (شاعت عبادة «داغون» ـ إله القمح الكنعاني ـ في فلسطين، وما زالت بيت دجن تحمل اسمه حتى اليوم). والمفردات التي تناولها أدب تلك الفترة انحصرت في حدود التعبير عن معاناة اللجوء والغربة والتشرد، حتى ساد نوع من الأدب الرومانسي المولع بمفردات من طراز: الخيمة، الأهل، الدروب، النسائم، الحمائم، الربوع، والحنين إلى وطن يتناءى.
كان الأدب في فلسطين قبل عام 1967 مأسوياً بالمعنى الإغريقي للكلمة. فالبطل منفي تتنازعه مشاعر اليأس والتمزق، وهو إذ يصارع أقداره، فإنه في الوقت ذاته، يبحث عن خلاصه؛ لكنه يسقط قبل بلوغ هدفه.
أما الأدب الذي بدأ مع ظهور «العاصفة» في سنة 1965، وشاع بعد حزيران 1967، فقدم الفلسطيني لا كلاجئ هذه المرة، بل كبطل مفعم بالمجد يبشر بالانتصار. وتطرفت بعض أشكال هذا الأدب إلى تقديس هذا البطل الجديد (الفدائي)، وتبجيله إلى حد غابت معه الجوانب الفردية والإنسانية له، وجرى تجريده من فردانيته وتفرده، فصار رمزاً لشعب يستيقظ أكثر مما هو شخصية واقعية تتحرك في إطارها البشري والاجتماعي.