| 

قامت الدولة المصرية، منذ تأسيسها في العصور القديمة على ثلاث ركائز تشكل في مجموعها عناصر الأمن القومي المصري. أولاً، منابع النيل، وثانياً، باب المندب والقرن الأفريقي، وثالثاً، سوريا. إن مصر التي تظهر على الخريطة كزهرة تتفرع أوراقها في الدلتا، ويشكل النيل ساقها، تبدو محمية من الغرب بالصحراء، وقلما تعرضت للغزو من الغرب في تاريخها الطويل، إلا في مرات نادرة ربما كان آخرها قيام الإسماعيليين السوريين بتأسيس الدولة الفاطمية فيها انطلاقاً من الدولة العبيدية في المغرب. وهي تبدو أيضا محمية من الجنوب بالأدغال. ولم يشكل الشرق تهديدا جديا لأمن الدولة المصرية. التهديد الحقيقي لمصر كان يأتي دائماً من الشمال، أي من سوريا. وتشكل فلسطين المعبر الإلزامي لمصر نحو الشام حين تبادر إلى حماية أمنها القومي، والمعبر الإلزامي للجيوش الفاتحة حين تريد أن تغزو مصر. لهذا كانت فلسطين دائما جزءا من الأمن القومي المصري وجزءا من جغرافية بلاد الشام في الوقت نفسه.
إذا كان الفراعنة يرسلون جيوشهم إلى منابع النيل في العصور القديمة، فهذا ما فعله جمال عبد الناصر حين أرسل سعد الدين الشاذلي على رأس قوات مصرية إلى أوغندا لحماية منابع شريانهم الحيوي. فالمساس بهذا المنبع يعني تهديدا مباشرا لأمن مصر. وإذا كان المصريون منذ زمن الدول المصرية القديمة يحتفظون بقوات في اليمن والصومال لمراقبة باب المندب، فهذا ما فعله أيضا جمال عبد الناصر حين أرسل القوات المصرية إلى اليمن، لأن أي إقفال لباب المندب يعني موت قناة السويس، وهذا ما فعله محمد علي كذلك تأمينا لخطوط التجارة الدولية عبر برزخ السويس. أما فلسطين (والشام كله بطبيعة الحال) فهي الميدان الأهم للأمن القومي المصري، فعلى أرض الشام تصدى المصريون للأشوريين وللحثيين وللمغول وحتى للعثمانيين، والمعارك مشهورة جدا (عين جالوت ومرج دابق مثلا). والفراعنة أنفسهم حين وحدوا مصر وسوريا سادوا، وحين خسروا سوريا تضعضعوا ثم بادوا. وتكرر الأمر مرارا في تاريخنا القــديم والوسيــط والحديث؛ فلم تعش دولة الفاطميين طويلا إلا لأن فلســطين كانت جزءا من هذه الدولة، ولم يتمكن المماليك من تطـوير دولة مهمة وباهرة وحامية للعالم العربي إلا حــين اجتــمعت لهم مصر وسوريا (ومن ضمنها بالطبع فلسطين)، ولم يتمكن صلاح الدين من التصدي للفرنجة ودحرهم في معركة حطين إلا لأنه وحّد الإقليمين، وجعل تحــرير القدس (أي فلسطين) غايته المباشرة. ولم يُهزم محمد علي إلا عندما فشل في توحيد مصر والشام. ولم يصبح جمال عبد الناصر الزعيم المبجل للأمة العربية إلا حين تصدى للعدوان الإسرائيلي البريطاني الفرنسي سنة 1956، ثم وقع ميثاق الوحدة مع سوريا، وكانت فلسطين هي قلب هذه الأحداث كلها.
حين صاغ جمال عبد الناصر في «فلسفة الثورة» نظرية الدوائر الثلاث، أي العربية والافريقية والإسلامية، فإنما كان يعيد دمج التيارات الفكرية الثلاثة في الفكر السياسي المصري الحديــث في بوتقة واحدة هي بوتقة العروبة. أما هذه التيارات الثلاثة فكانت: التيار المصري الوطني الذي كان يرى أن مصر قائمة بذاتها قوميا وهي افريقية الموقع، وجذورها ممتدة حتى التاريخ السحيق للفراعنة. والتيار الإسلامي الذي كان يرى أن التاريخ القديم قد انتهى بالفتح العربي، وأن تاريخ مصر هو تاريخ دخول الإسلام إليها، وهو يتقاطع مع فكرة العروبة في قضايا اللغة وحدها. بينما كان تيار العروبة يرى أن مصر تحولت منذ زمن طويل إلى العروبة، لا في اللغة وحدها، بل بالديموغرافية أيضا، أي بالهجرات الدائبة للقبائل العربية إلى مصر وتوطنها فيها. وفي معمعان الجدل بين أنصار هذه التيارات الثلاثة لم ينكر أي واحد منها مركزية فلسطين في الأمن القومي المصري على الإطلاق.