| 

حرصت آلة الدعاية الإسرائيلية، وباعتراف مسؤولين وضبّاط سابقين وكتّاب بارزين، على المبالغة بتصوير قدرات أجهزة مخابراتها، وبَنَت أسطورة حول "الموساد" جعلت منه "جهاز المخابرات القادر على كلّ شيء".
قدّموا الهدف من المبالغة على أنه تعزيزٌ لقدرة إسرائيل على الردع. ولتحقيق هذه الغاية، أبقت إسرائيل إخفاقات أجهزتها الاستخبارية بعيدة عن العيون.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج إخفاقات منظومة الاستخبارات الإسرائيلية في مجال الحرب السريّة.
في هذا العدد، سنعرض إخفاق مشروع أداره "الشاباك" لاختراق فلسطينيي الداخل. في الأعداد السابقة، عرضنا إخفاقات أخرى لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في ما يتعلق بمنع اختراق المخابرات السوفياتية لإسرائيل.
منذ نشأتها، رأت إسرائيل في مئةٍ وستين ألفَ فلسطينيّ فشلت بتهجيرهم من داخل الخطّ الأخضر طابوراً خامساً تتوجب مراقبته. ألقيت هذه المهمة على عاتق منظومة الأمن، وعلى رأسها جهاز المخابرات "الشاباك".


الطابور الخامس تحت الحكم العسكريّ
حكمت العلاقة بين إسرائيل والأقليّة الفلسطينيّة التي فرضت عليها جنسيتها، قناعةٌ سائدةٌ بأنهم أقليّة عربيّة قوميّة مهزومة، غالبيتها تتضامن مع "العدو" الفلسطيني وتعيش في قلب مجتمعٍ يهوديّ مطاردة. هذه النظرة لم تتغير حتى الآن، وتجد من يبرّرها بين كبار علماء الاجتماع الإسرائيليين المعاصرين أمثال البروفسور سامي سموحة، الذي قال: "الجمهور العربي داخل إسرائيل هو جزء من الشعب الفلسطينيّ المنخرط في صراع دمويّ مع دولة اسرائيل. لذلك، ثمّة حاجة للتعقب، لإحباط النشاطات التآمرية، هذا ليس أمراً بلا جدوى أو مبرر".
المهمة الملحّة بعد النكبة وإنشاء دولة إسرائيل كانت إنشاء جهاز سيطرةٍ صارم، يستعين بشبكة متشعبة من المخبرين تم تجنيدهم لمصلحة جهاز المخابرات الاسرائيلية "الشاباك"، بغرض السيطرة على الناجين من التطهير العرقي الذي تعرّضت له غالبية التجمّعات السكنيّة الفلسطينيّة داخل الخط الأخضر.
أخضعت إسرائيل الفلسطينيين داخل حدودها لحكمٍ عسكريّ دام عشرين عاماً، تدخّل في مجالات الحياة كافة. كلّ قريةٍ أدارها حاكمٌ عسكريّ عيّنه الجيش. وكان الاعتقاد السائد في تلك الفترة في المنظومة الإسرائيلية أن الجيوش العربيّة ستعود عاجلاً أم آجلاً لـ "اجتياح إسرائيل"، والفلسطينيين سيشكلون عندها الطابور الخامس الذي سينخرض في القتال.
لم يتكفِ "الشاباك" بتجنيد مخربين وجواسيس فلسطينيين. ففي العام 1952، بمبادرة من إيسار هرئيل الذي كان يدير "الشاباك" آنذاك، تم إنشاء وحدة مستعربين. المهمة ألقيت على عاتق سامي موريا، الذي كان يعمل في القسم العربي في الجهاز المتخصص بمكافحة التجسّس الآتي من جانب الدول العربية. فهو من مواليد البصرة، وعمل لصالح "الهاغاناة" في إطار تهجير يهود العراق إلى فلسطين في أثناء فترة الانتداب البريطاني.

هدف الاختراق ليس آنياً
منذ بداية التأسيس، كان واضحاً أن الحديث لا يدور عن "مستعربين" ينتحلون صفة فلسطينيين لساعاتٍ محدودة، وإنما "وحدة" مكوّنة من شبان يخترقون الفلسطينيين ويعيشون في صفوفهم لزمن طويل، ليس استجابةً لحاجةٍ استخبارية آنيةٍ وإنما استعداداً لاحتمال اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل والدول العربية.
أطلق على الوحدة اسم "يوليسيس" (Ulysses). بدأ موريا بتجنيد عشرات الشبّان اليهود الذين جُلِبوا حديثاً من العراق ومصر، بعضهم لم يتجاوز العشرين من عمره. تم قطع علاقاتهم بشكل تامّ مع أسرهم، عاشوا في شققٍ سريّة في يافا لمدة عامٍ خلال فترة التدريب الأولي، حيث تدربوا على تقمّص شخصيات فلسطينيّة وتعلّموا الإسلام، إلى جانب مهارات التجسس والقتال.
تبيّن لـ "الشاباك" أن اتنزاع شبان يهود جلبوا من العراق ومصر وتحويلهم "فلسطينيين" لاختراق السكان المحليين من دون إثارة الشكوك، هو أمرٌ أكثر تعقيداً من مسألة تعلّم اللغة والدين. فتم إخضاع "المستعربين" لتدريبات صارمة ودقيقة: "المشكلة المركزية كانت في اللهجة العربية التي ينطق بها اليهود الوافدون من العراق، فهي تختلف عن اللهجة الفلسطينية"، بحسب موريا. لذلك، تمّت الاستعانة بالبروفسور موشي بيامنتا، الذي كان يتحدث باللهجة الفلسطينية الخليلية، ويقول عن ذلك المؤرخ الإسرائيلي اهارون كلاين: "البروفسور موشي بيامنتا كان يمسك لهم الفكّ حتى يلفظوا الكلام باللهجة الفلسطينية، وأجبروهم على الحديث بينهم باللهجة الفلسطينية".

ثالوث اللهجة، الدين، الزواج
تم زرع الشباب الذين تخطّوا دورات الإعداد في التجمّعات السكنيّة الفلسطينيّة في القرى والمدن ومضارب البدو داخل إسرائيل. ومن بينهم مَن تم إرساله لاحقاً الى الشتات في الدول العربية ودول أخرى تواجد فيها الفلسطينيون. فعملية زرع "المستعربين" كانت عملية شاقة وطويلة. ومن أجل إتقان اللهجة الفلسطينية، أُجبر المستعربون على العمل في المصانع، متنكّرين بهوية فلسطينيين.
في تلك الفترة، كانت ظاهرة تسلل الفلسطينيين اللاجئين عائدين إلى قراهم في المناطق التي أقيمت عليها إسرائيل، للإقامة مع أقاربهم، قائمة. فكانت الشرطة تعتقلهم وتقتادهم إلى السجن. "الشاباك" قرر استغلال هذه الظاهرة لزرع "المستعربين"، عبر إدخالهم إلى السجن حيث يمكنهم أن يقيموا علاقات مع الفلسطينيين. اثنان من "المستعربين" تنكّرا بصفة لاجئين فلسطينيين، تسلّلا عبر الخط الأخضر الى بلدة أًم الفحم، وهناك دخلا إلى فندقٍ وطلبا القهوة. بعد ذلك، اعتقلتهم الشرطة الإسرائيلية من دون معرفتها بهويّتيهما، لاعتقادها بأنهما "متسللان"، وتمّ حبسهم مع الفلسطينيين. انتحل المستعربون صفة اللاجئين في السجن، رغم أن الأسرى شكوا في أمرهم. ولكن إتقانهم قراءة القرآن بدّدت تلك المخاوف، فأنشأوا علاقاتٍ اجتماعيّة معهم، كما تزعم روايات المستعربين.
كذلك، توصّل قادة جهاز "الشاباك" إلى أن نجاح مهمة "المستعربين" مرهونة بزواجهم من فتيات فلسطينيات حتى لا يبدو "المستعربون" كحالات نافرة بين الشبان في القرى الفلسطينية. غالبية المستعربين تزوّجوا من فتيات لا يعرفن هوية أزواجهن الحقيقية. وتمّ الزواج وفقاً للشريعة الإسلامية. حتى الآن، لم يسمح "الشاباك" بنشر تفاصيل حول العدد الدقيق للمستعربين الذين زرعهم خلال تلك الفترة.
أشار المؤرخ الإسرائيلي اهارون كلاين إلى أن "الشاباك" تحدّث مع "المستعربين" عن الزواج خلال فترة التدريب: "كان المستعربون يدركون إلى أين هم ذاهبون، فتحدثوا عن مسألة الزواج. التقاليد السائدة في المجتمع العربي تقضي بأن يتزوّج الرجل عندما يكون في جيلٍ فتيّ. هذا الأمر تم طرحه في الدورة التدريبية". ويلمح كلاين إلى استهتار "الشاباك" بمستقبل أطفال "المستعربين" بالقول: "بعد عام من الزواج، سيتم إنجاب طفل. ماذا سيفعل ولد من هذا النوع وكيف سيعيش وبأي هوية؟".

إبن كبير المستعربين
شاي هو الإبن اليهودي لأوري يسرائيل، كبير المستعربين، الذي أنجبه من أمّ فلسطينيّة اختارت الطلاق وتربية ابنها كعربيّ. تحدّث شاي عن أبيه قائلاً: "عندما كان أبي في النقب، عاش منتحلاً صفة أستاذ في أوساط البدو. لم يكن هدفه نقل معلوماتٍ استخبارية بشكل فوريّ، وإنما البحث في وجود تنظيمات أو من يقدّم العون للفدائيين".
انتقل كبير المستعربين للتدريس في يافا، وتزوّج من مدرّسةٍ ذات ميولٍ قوميّة تدعى رانيا، وقدم لها نفسه على أنه مسلم، وأنجب منها طفلاً. بعدها، نفذ مهام لصالح المخابرات الإسرائيلية "الموساد" في عواصم عربيّة. وفي مطلع الستينيات، خيّر أوري زوجته في أثناء وجودهما في فرنسا بين البقاء معه والقبول به بصفته يهودياً وضابطاً في "الشاباك" وبين الهجرة إلى دولة عربية. أصيبت بصدمةٍ وخضعت لعلاجٍ نفسيّ، واختارت الطلاق وتربية ولدها عربياً.

التقييم الإسرائيليّ للمشروع
اعتبر رونين برغيمان، الخبير بالشؤون الاستخبارية الإسرائيلية، أن مشروع المستعربين شكّل فشلاً ذريعاً: "لم يقدّموا بلاغاً واحد يتضمن معلومات تكشف نشاطاً تآمرياً حقيقياً في أوساط عرب إسرائيل. باستثناء تدمير عائلات وخلق مآسٍ، لم يؤد هذا المشروع إلى اي نتيجة".
في مطلع الستينيّات، توصّلت قيادة "الشاباك" إلى أن "القيمة الاستخبارية للمستعربين تصل إلى صفر في مقابل الثمن الشخصيّ الذي دفعوه". فتقرّر تفكيك الوحدة. وعندها، واجهت "الشاباك" معضلة: هل سيتم ترك النساء الفلسطينيات وأبنائهن في القرى؟ فقرروا تهويدهن. غالبية الأطفال رفضوا تأدية الخدمة العسكرية، وفشل معظهم في حياته الاجتماعيّة بسبب أزمة الهوية التي لازمتهم.
وحتى بعد انقضاء عشرات السنوات، حافظ "الشاباك" والإعلام والأكاديميا في إسرائيل على ستارٍ من السريّة يُحيط بهذا الملف مع وجود اسثتناءاتٍ محدودة، أبرزت "تضحية المستعربين" متجاهلةً المأساة التي ألحقوها بنسائهم وأطفالهن. من أهم ما نشر حول الموضوع، نذكر تحقيقاً نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، حمل عنوان: "مستعرب لزوجته: أنا لستُ أحمد، أنا يوسي من الشاباك".