| 

إميل حبيبي هو الضلع الأول في مثلث الرواية الفلسطينية المعاصرة إلى جانب جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني، وهو أحد ركائز القاعدة التي نشأت فوقها الروايات الفلسطينية الحديثة. وجيل إميــل حبيــبي الذي أدار ظهــره لتقليدية خليل بيدس ومحمود سيف الدين الإيراني وأقرانهما، تمــكن من ان يُعبــّد طريقـــاً لنــفر من الروائيين الجدد أمثـــال يحــيى يخلف وتوفيق فياض وأحمد عمر شاهين ورشاد أبو شاور وسحر خليفة وفاروق وادي وحزامة حبايب وسامية عــيسى وأحمد رفيق عوض وابراهيم نصر الله وغيرهم. ولعل سلمان ناطور، ولا سيما في روايته «أنت القاتل يا شيخ»، هو الأكثر قرباً من إميل حبيبي خاصة في أسلوبه الساخر والهذياني أحياناً.
امتلك إميل حبيبي لغة خاصة لا تشبه لغة من سبقه إلى فن القص والسرد، فهو يمزج السخرية بالموعظة، ويلهو بـ«الخراريف» وحكايات الغيلان مع انه لم يعرف القرية وثقافتها، وكان يجهل أسماء الأدوات الزراعـــية؛ فـــوالده المولود في شفاعمرو هاجر إلى حيفا في سنة 1920، وافتتح فيها دكاناً، ثم لم يلبث ان أغلقها، لأن أولاده كان يسطون على ما فيها من السكاكر. والسخرية لديه سلاح يحمي ذاته الهشة، وتعبير عن مأساة لا تستطيع الذاكرة احتمال تفصيلاتها، وأصعب مما يستطيع الضمير البشري أن يصبر عليه.

******
كان يوقع باسم «جهينة»، وهو اسم ابنته. وجهينة في التراث العربي هي التي «تقطع قول أي خطيب»، أي انها لا تنطق إلا بالحق. لكن إميل حبيبي قلما نطق بالحق حين كان ينبري لمواجهة خصومه السياسيين. وكان اسمه «أبو سلام» حين كان السلام شعار الشيوعيين في العالم. وقـــد اكتـــشف، بعد ستين سنة، أن السلام لم يصل إلى هذه المنطقة البتة، وان جميع معاركه السياسية والفكرية كانت، في مآلاتها الأخـــيرة، خلــبية. وكان سليط اللسان أيضاً، مقذعاً في هجائه الآخرين على عادة شيوعيي الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين.

******
اشتهر إميل حبيبي برواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» التي كانت درة رواياته وجوهرة تاريخه الأدبي، وفيها يستعيد تجربة الفرار إلى لبنان، ثم العودة إلى حيفا، ولقائه المأساوي مع مدينته الفارغة. وهكذا صار هذا الفلسطيني مشرداً ومقيماً معاً؛ فلسطينيا وإسرائيليا في الوقت نفسه؛ عربياً ويدعو إلى الاندماج في آن؛ يخجل من عروبته ويرى في اليهود «زبدة الناس». إميل حبيبي هو المتشائل نفسه، وهو البطل الممزق، وصاحب الشخصية المنقسمة الذي لم يتمكن من إعادة الوحدة والانسجام إلى ذاته المشطورة. ولهذا راح يعلي من شأن خياراته السياسية ويشدد على ان البقاء في فلسطين ولو تحت الاحتلال كان أجدى في سنة 1948، و حتى لو كان ثمن ذلك الاندماج والتخلي عن الهوية. وكان يرد بغضب على الغاضبين من مواقفه المعادية للعروبة: إن دفع ثمن البقاء مبرر وأخلاقي، لأن اللجوء عار إنساني، ويلحق المذلة بالناس، لذلك فإن البقاء حتى مع شبهة الخيانة يُنجي من المذلة. وكان يشدد في كتاباته على فكرة الأرض وعشق الأرض كي يرفع مقولة البقاء في الأرض إلى مرتبة القداسة.
إميل حبيبي المبدع في الفنون الحكائية والكتابة كان ساذجاً في التاريخ والسياسة. فهو لم يدرك، على الأرجح، ان رحيل الفلسطينيين عن ديارهم في سنة 1948 لم يكن خياراً، بل خطة مشهورة للهاغاناه. وفي معمعان هذه المجادلات نسي إميل حبيبي هوية الأرض، وارتباط هذه الهوية بثقافة أصحاب الأرض، الأمر الذي أوضحه عزمي بشارة بجلاء عميم حين اكد «ان شعار المساواة (وهو شعار الشيوعيين) لا يمكن تحقيقه إلا بإلغاء الطابع الصهيوني للدولة، فالأولوية إذاً للصراع القومي، وهذا أمر طبيعي في النضال ضد كيان كولونيالي».
كان إميل حبيبي في المرحلة المبكرة من حياته، أي منذ سنة 1943 فصــــاعداً، معــــاديــا للصهيونية، ومؤيداً لتعريب الحزب الشيوعي وتنخيله من العناصر الصهيونية. لكن الأمر لم يطل حتى راح موقفه يتبدل، فأيد قرار التقسيم في سنة 1947 بينما عارضه إميل توما وموسى الدجاني وبولس فرح، ووقف ضد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وقامت مجموعته في تموز 1948 بتوزيع منشورات على الجنود العرب تدعوهم إلى العودة إلى أوطانهم. وجراء ذلك هاجم الفلسطينيون مقار «عصبة التحرر الوطني» وأحرقوها ففر أعضاء العصبة.
وبينهم إميل حبيبي وتوفيق طوبي، إلى لبنان، ولم يعودوا إلا بعد اعلان دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل، وبعد اتصالات بمجموعة شموئيل ميكونس في الحزب الشيوعي.

******
في حياته ثلاث نقائص وكثير من الألم وفيض من الإبداع. النقيصة الأولى حين أصدرت «عصبة التحرر الوطني» في أواخر أيلول 1948 بيانا تعتذر فيه عن ماضيها الوطني (رفض قرار التقسيم). وكان هذا الاعتذار شرطاً لاعادة الاندماج بين الشيوعيين العرب بقيادة إميل حبيبي وتوفيق طوبي والشيوعيين اليهود بقيادة ميكونس. وبالفعل تحقق الاندماج في 18/10/1948 وظهر «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» (ماكي) بقيادة ميكونس ومئير فلنر الذي وقـــع وثيـــقة «استقلال» إسرائيل. والنقيصة الثانية هي سفره مع ميـــكونس إلى تشيكوسلوفاكيا لشراء أسلحة وطائرات للهاغاناه. وجـــرت هذه الواقعة في الفترة ما بين تموز وتشرين الأول 1948 التي كشفها سميح القاسم في مجلة «كل العرب» (16/7/1993)، علاوة على مذكرات ميكونس نفسها. أما النقيصة الثالثة فهي تسلمه جائزة إسرائيل لــلإبــداع من يد يتسحاق شامير في سنة 1992، أي في أواخر عهد الانتفاضة الأولى. وكان قد نال وسام القدس للثقافة والفنون والآداب من منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1990، أي انه حاز جائزتين متعاديتين في فترة متقاربة!
يروي إميل حبيبي انه استشار ياسر عرفات بأمر الجائزة الإسرائيلية، وذريعته ان الجائزة تعني اعتراف إسرائيل بالثقافة الفلسطينية. فقال له أبو عمار: إذاً، تتسلمها وتتبرع بقيمتها لاحدى المؤسسات الإنسانية الفلسطينية، وأنا أدفع لك المبلغ... وهذا ما حدث بالفعل.

******
خاض إميل حبيبي معاركه كلها بالقلم وحده. واستعان على أموره بذخيرة لم يبدلها قط، هي السخرية. وعاش أيام حياته منشطراً لا تعرف الطمأنينة سبيلاً الى فؤاده المنقسم أيضاً. ولعل، هنا بالذات، يمكننا اكتشاف ينبوع إبداعه الثري وكتاباته المتوترة والمشدودة كوتر في قوس صياد أسطوري. وقبل أن يرحل في 2/5/1996 أوصى بأن يكتب على شاهدة قبره العبارة التالية: «باقٍ في حيفا».