| 

في عام 1840 وقعت الدول الأوروبية صك عزل مصر وتقييد حركتها داخل حدودها، وفصل أرض الشام عنها. واستهدفت بذلك ألا يقوم في المنطقة من يرث الرجل العثماني المريض. وبهذا انقطع التواصل التاريخي بين القطرين لصالح الأطماع الأوروبية.
ولم يكن محمد علي في سعيه لضم سوريا (وتشمل لبنان وفلسطين وقتها) إلى حكومته يصدر عن إيمان بالقضية العربية، كما انه في سعيه للاستقلال بمصر لم يصدر عن ايمان بقضية التحرر الوطني. ولكنه حاكم عاش في ظروف ارتباط المجتمعات الشرقية بالسوق الرأسمالي الأوروبي الآخذ في الانتشار، واستهدف تحقيق أهداف الدولة القديمة في التوسع الإقليمي بوسائل جديدة، وبإنشاء المؤسسات العسكرية والإدارية والمالية الحديثة.
كشفت معاهدة 1840 عن تصميم الدول الأوروبية، على فرض التجزئة في هذه المنطقة. ومنها بدأ تاريخ المشرق العربي، يسير في خطين متميزين، وقد اقتنص الاستعمار البريطاني مصر قرب نهاية القرن، فاستمسكت في كفاحها ضده بصلتها الواهية الشكلية بالدولة العثمانية، واستمرت سوريا ترزح تحت عبء الاستبداد العثماني فحاولت ان تستغل تربص الاستعمار البريطاني به. فأدى التناقض البريطاني العثماني، إلى التعارض بين الحركات الوطنية في القطرين، وعرفت مصر اللاجئين إليها من أحرار سوريا ممن ينظرون إلى بريطانيا غير نظرة مصر، كما عرفت الكثيرين من الشوام ممن استجلبهم الانكليز لمعاونتهم في مصر، فزاد هذا الأمر من مشاعر الغموض والعزلة، وخاطب عبد الله النديم سنة 1893 الشوام قائلا: «أنا أخوك فلماذا أنكرتني».

*****
مع اندلاع الحرب، وتصاعد الخلاف بين الحركتين، بدا في الأفق سبيل الحل، اذ اجهزت الحرب على الرجل المريض المحتضر، واستبد الاستعمار البريطاني بالموقف في المنطقة. ورسم مخططا استعماريا واحداً لها كلها، واتحد العدو أمام الحركتين. وخلال سني الحرب، اعلنت الحماية البريطانية على مصر وصدر اتفاق سايكس ـ بيكو الذي يقسم أرض سوريا والعراق بين بريطانيا وفرنسا، وصدر وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
ومن أهم بواعث اصدار الوعد، ضمان بريطانيا سيطرتها على قناة السويس ومصر، إذ تشكل فلسطين كما يقول اللورد كيرزون «خط الدفاع الاستراتيجي بالنسبة لمصر، وانه إذا وجب ان ندافع عن القناة في المستقبل وهي الجهة الضعيفة في مصر فسيتم ذلك من جهة فلسطين».
وقد انعقد مؤتمر الصلح في باريس بعد الحرب واعترف المجتمع الاستعماري الدولي لبريطانيا بالحماية على مصر، وبالانتداب على العراق وفلسطين، ولفرنسا بالانتداب على سوريا ولبنان. وقد هبت ثورة 1919 في مصر ضد الحماية والاحتلال، وهبت انتفاضة 1920 في فلسطين ضد الوعد.
خلال هذه الفترة سنة 1929، جرت حوادث حائط المبكى، الحائط الغربي للمسجد الاقصى. ومصعد كان الصراع في صميمه بين الحركة الوطنية العربية في فلسطين وبين الصهيونية والانتداب البريطاني والهجرة اليهودية المتزايدة، وأراد اليهود امتلاك الحائط ووضعوا الستار عليه وسارت مظاهراتهم تهتف «الحائط حائطنا»، وهب العرب يهتفون ان الوطن لهم والحائط للمسلمين، واشهر السلاح وسالت الدماء.
كان شعب فلسطين يخوض معركة لا تتعلق باستقلاله فحسب، ولكن بوجوده المادي، ولا تتعلق ببلده وحدها ولكن بالعالم العربي كله. كان مطعن الرمح الاستعماري في الجسد العربي كله. وعلا صوته لتكتيل القوى على كل نطاق خارجي ممكن، باسم التحرر، وباسم العروبة، وباسم الإسلام. ودعا لعقد مؤتمر إسلامي عام بالقدس لإيجاد كتلة إسلامية عربية معادية لمطامع اليهود.
كانت مصر في هذا الوقت، بلد شعبها، وبلد مستغليه، وبلد الاحتلال. كانت بلد الأزهر والأفغاني وثورة 1919 والوفد والوطنيين، كما كانت بلد الملك والاحتلال وكبار ملاك الأرض وكبار الرأسماليين. وعارض الملك أية دعوة للجامعة الإسلامية لا تخرج من تحت تاجه بعد فشل مشروع الخلافة. ولا شك ان الانكليز كانوا يعارضون أي اقتراب مصري من الشعب الفلسطيني والعربي. وارتبطت مصالح كبار ملاك الأرض المصريين بفكرة المصرية المنعزلة عن العرب في خارج الدولة وعن الشعب المصري في داخلها. ووقفت حكومتهم سنة 1929 حكومة محمد محمود ضد ثورة شعب فلسطين وكتبت جريدتهم «السياسة» تهدد الوطنيين الفلسطينيين في مصر بالطرد لتهييجهم الرأي العام خوفا من غضب بريطانيا ومن أي عامل يثير الشعب المصري الكاره لحكمهم. وامتدحت جريدة «إسرائيل» الصهيونية التي كانت تصدر في مصر حسين هيكل عن مقال كتبه عن مشكلة فلسطين في «السياسة الأسبوعية» في حزيران 1930 باعتباره «خير ما كتب إلى الآن باللغة العربية».
وكان قسم من كبار الرأسماليين في مصر، ترتبط مصالحهم بالمؤسسات التي يسيطر عليها اليهود، وبالجاليات الاجنبية والسياسة البريطانية. وقد تولى اسماعيل صدقي ممثل هؤلاء رئاسة الوزارة سنة 1930 وصادر وأغلق من الصحف الوطنية الكثير، وأقام حكمه على البطش بالحركة الوطنية وعلى الإرهاب، وأغلق جريدة «الشورى» الفلسطينية التي تصدر في مصر، والتي كان صاحبها محمد علي الطاهر من مؤيدي حزب الوفد، ولكنه أبقى جريدة «إسرائيل» التي أنشأها ألبرت موصيري منذ سنة 1920 والتي كتبت في نوفمبر 1933 تستحث يهود مصر على المشاركة في تمويل الصحيفة بعد ان توفي صاحبها في أوائل ذلك العام وحلت محله زوجته، كتبت تقول: «لقد قمنا بنشر الدعوة الصهيونية طيلة هذه المدة (منذ صدور الصحيفة» والتبشير بالمبادئ الصهيونية والدفاع عنها ورد حملات خصومها عليها، وكم من مرة لفتنا نظر كبار رجال الصهيونية في الشرق إلى ان وجود جريدة يهودية بلسان عربي في مصر تتولى الدفاع عن الصهيونية وتنشر الدعوة لها في مسألة على جانب عظيم من الأهمية»، وحذرت اليهود في الشرق ومصر من انهم إذا لم يبادروا إلى معاونة الصحيفة فإنها ستعطل. وكان صدقي من قبل وهو وزير للداخلية سنة 1925 قد اعتقل الوطنيين الفلسطينيين الذين هتفوا ضد بلفور صاحب الوعد اثناء مروره على القاهرة لافتتاح الجامعة اليهودية بفلسطين. وكان للأوساط اليهودية ضغوط قوية على الصحف بواسطة الاعلانات والنفوذ المالي.
أما في الناحية المقابلة، فقد استفز حادث البراق، ومحنة فلسطين إجماع المشاعر الوطنية والإسلامية والمشاعر العربية الغامضة الوليدة.
وقد شبت ثورة فلسطين الكبرى سنة 1936 واستمرت ثلاثة أعوام، وكان من آثارها ان نما الاتجاه العربي في مصر، وتخطت السياسة المصرية ـ رسمية وشعبية ـ حدود إظهار التعاطف مع شعب فلسطين، وبدأت تتجه إلى مشاركة الفلسطينيين وتأييدهم في نضالهم.
وخلال عام 1939 كانت قضية فلسطين من أهم ما شغل الحياة السياسية في مصر، وقرر حزب الأحرار الدستوريين، الذي كان في الحكم وقتها، حضور مؤتمر لندن مع العرب، وشرط لحضوره ان تفرج السلطات عن القادة الفلسطينيين المنفيين وتسمح لهم بحضور المؤتمر. على انه إذا كانت خطة الانكليز عزل مصر عن القضايا العربية قد اخفقت، فقد أمل الانكليز ان يحققوا فائدة لهم من هذه المساهمة عن طريق تحالف الرجعية المصرية الحاكمة معهم، وأملوا ان يكون لمصر تأثيرها في تصفية الثورة الفلسطينية. ولكن كانت قضية فلسطين قد دخلت نسيج الحياة السياسية المصرية وأصبحت من مجالات الصراع والتنافس بين الحركة الوطنية بتياراتها المختلفة وبين القوى الرجعية، فتنافست الأحزاب وتبادلت النقد والهجوم حول موقف كل منها من هذه القضية.
وحضرت مصر مؤتمر بلودان العربي الذي نظمه نبيه العظمة في سوريا سنة 1936، ومثلت فيه مصر بوفد غير رسمي وبعدد محدود من الأعضاء (كان عدد أعضاء مصر 4 أعضاء ومثل العراق 13 عضوا وسوريا 75 عضوا ولبنان 60 عضوا.. الخ وكان مجموع الأعضاء خمسمئة)، وكان من قرارات المؤتمر المطالبة بإلغاء وعد بلفور وإلغاء الانتداب مع منع بيع الأراضي لليهود ومنع الهجرة المستقبلة. وفي اكتوبر 1937 اجتمع في القاهرة المؤتمر البرلماني الدولي العربي وحضره بعض ممثلي الشعوب الإسلامية في البلاد غير العربية كالهند، ورأس المؤتمر محمد علي علوبة، ورغم ما ظهر في المؤتمر من خلافات مصدرها الاطماع المتعارضة لكل من البيتين المالكين في مصر والعراق، فقد اسفر عن قرارات أهمها اعتبار وعد بلفور باطلا مع المطالبة بعدم التصريح بهجرة مستقبلية لليهود في فلسطين وان يبقى هذا البلد عربيا تحكمه حكومة وطنية وجمعية تمثيلية ويعقد معاهدة مع بريطانيا تحدد العلاقات بينهما وفي اكتوبر 1938 انعقد في القاهرة أيضاً المؤتمر النسائي العربي، دعت إليه هدى شعراوي رئيسة الاتحاد النسائي المصري، وكان الاتحاد النسائي المصري قد تلقى خطابا من لجنة السيدات العربيات بالقدس في أواخر 1936 عندما اشتدت الثورة هناك فأصدر الاتحاد قرارات بجمع التبرعات لثوار فلسطين والاحتجاج على تنفيذ وعد بلفور، ثم توالت خطابات الهيئات النسائية بفلسطين للاتحاد المصري تستحثه للعمل على تأييد حقوق العرب في العدول عن تجربة الوطن القومي لليهود ووقف الهجرة وبيع الأراضي إلى اليهود، كما توالت خطابات الاستغاثة منها خطاب رئيسة لجنة السيدات بعكا إلى هدى شعراوي «أتتركونا وحدنا وفيكم لسان يتكلم وقلب ينبض؟ اسألوا حليفتكم (بريطانيا) ما شأن الأربعمئة ألف مسلم والخمسمئة مسجد.. اتتهود الأرض المقدسة وفي مصر خمسة عشر مليونا من المسلمين، اللهم أيقظ مصر من سباتها لترى هول الفاجعة وفداحة النازلة...» فأرسلت هدى شعراوي الخطاب إلى مصطفى النحاس تستحثه على اتخاذ موقف التأييد من عرب فلسطين. ثم تقرر عقد المؤتمر وانعقد فعلا وأصدر في آخر جلساته في 18 أكتوبر 1938 قرارات منها تأييد مطالب عرب فلسطين وإلغاء الانتداب وإحلال معاهدة مع بريطانيا محله تنشأ بموجبها في فلسطين دولة دستورية ذات سيادة. واعتبار وعد بلفور باطلا ووقف الهجرة اليهودية ومنع انتقال أراضي العرب إلى اليهود او الأجانب ورفض تقسيم فلسطين وإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين السياسيين.
كانت فترة ما بين الحربين العالميتين مرحلة كاملة من مراحل الكفاح الوطني في مصر وفلسطين والعالم العربي كله. وبالنسبة لمصر يمكن ملاحظة النقاط العامة الآتية ـ تلخيصا لما سبق وتعليقا عليه:
أولاً ـ كان خلق الوطن القومي لليهود في فلسطين جزءاً من مخطط استعماري يشمل العالم العربي كله، الذي اريد عزل أجزائه بعضها عن بعض. وتبلورت حركة مصر الوطنية بعد الحرب الأولى في نطاقها المحلي فقط مع المطالبة بوحدة مصر والسودان وكان موقفها من البلاد العربية وفلسطين بوجه عام موقف التعاطف وتبادل الاصداء لا الترابط والعمل المشترك. وكان هذا يرجع لسبب تاريخي عام وهو عدم وصول الحركات الوطنية إلى مرحلة التضامن وإدراك المصير المشترك إزاء العدو الواحد، وقد لزم لها كفاح جيل كامل وحرب عالمية ثانية وانتشار للفكر الاشتراكي واسع حتى تبلغ هذا النضج. ويرجع أيضاً إلى الانعزال التاريخي الحادث بين حركتي مصر والبلاد العربية، وإلى الطبيعة الطبقية لقيادتها. ولا شك ان الكفاح المحلي في مواجهة المخطط الشامل والتكاتف الاستعماري العالمي لا يؤدي إلى نتائج حاسمة، وكانت سوريا بسبب التمزيق الذي أحدثه بها الاستعمار بعد الحرب الأولى، أول من فطن إلى جدوى التوحيد، وكانت فلسطين بسبب ما بيت لها تنادي العروبة والإسلام وتثير كل الحوافز. ووعت الحركة الوطنية المصرية هذا العامل بالتدريج بالاصطدام المستمر مع الاستعمار وبالبحث الدائب عن الطريق، وكانت فلسطين بابها إلى الفكرة العربية.
ثانياً ـ برغم شعار المصرية المحلية الذي اتسمت به الحركة الوطنية وقتها، أدت مصر ما استطاعت من الخدمات لقضية القومية العربية ولفلسطين من الناحية الفكرية والثقافية، وان المتتبع لانتاج المثقفين المصريين في هذه المرحلة يلحظ ضآلة ما ألف عن الفرعونية مثلا والكثرة فيما ألف عن التاريخ العربي.
* طارق البشري مؤرخ مصري وأستاذ في القانون الدستوري.
ـ لمزيد من التفصيلات أنظر للكاتب: «الحركة السياسية في مصر»، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972.