| 

في 12/8/2000 هوى علم كبير من أعلام الفكر العربي المعاصر. رحل قسطنطين زريق الذي بقي حتى آخر يوم في حياته منخرطاً في مواجهة فكرية ضد التخلف والانحطاط وغياب الحريات. كان يفضل استعمال مصطلح «المجتمع العربي» على مصطلح «الوطن العربي» لأن القومية العربية، بحسب رأيه، لم تكتمل؛ فالبلاد العربية التي تتكلم العربية والمتجاورة في الجغرافيا، والتي تشترك في كثير من المصالح الاقتصادية والاجتماعية ليست عربية من وجهة النظر القومية الصحيحة. فتلك العناصر هي استعدادات، وكي تتحقق يجب الخروج من الممكن إلى الواقع. وبما أن المجتمع العربي يفتقر إلى القوى السياسية التي تعمل على إخراج المجتمع العربي من الممكن إلى الواقع، فيصبح الكلام على «الوطن العربي» غير صحيح، ووظيفة القومية العربية هي نقل الممكن إلى واقع. والقومية العربية عند قسطنطين زريق ليست سرمدية، أي أنها لم تكن موجودة في التاريخ، وهي غير موجودة اليوم، بل يجب إيجادها. إنها «اليقظة» في أدق تعبير عن النهوض الفكري والاجتماعي والعلمي والفني للمجتمع العربي.

******
ولد قسطنطين زريق في حي القيمرية في دمشق العتيقة. وهذا الحي يجاور أهم ثلاثة أمكنة ممن ارتبطت أسماؤها بالتحديث والنهضة والعلم في سوريا: شارع مدحت باشا ومكتب عنبر وقصر العظم. فمدحت باشا هو أبو التحديث في بلاد الشام والعراق في أواخر القرن التاسع عشر. وأسعد باشا العظم كان أحد رجال العمران والعلم البارزين، وما زالت مآثره مقيمة في قصر العظم وخان أسعد باشا. أما مكتب عنبر فهو المدرسة المشهودة التي كانت التظاهرات الوطنية تنطلق منها ضد السيطرة التركية ثم ضد الاحتلال الفرنسي. وفي هذه البيئة أمضى قسطنطين زريق نشأته الأولى، فشهد خروج العثمانيين من سوريا، ودخول الجيش العربي دمشق، وتأسيس المملكة السورية بقيادة فيصل الأول، ثم معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة وسقوط حكومة الملك فيصل وبداية الانتداب الفرنسي. وقد تركت هذه الحقبة أثراً عميقاً في تكوين قسطنطين زريق.
كانت الصورة الشائعة لقسطنـــــطين زريـــــق هي صورة المفكر والأستاذ الجامعي وباني المؤسسات العلمية (مؤسسة الدراسات الفلسطينية على سبيل المثال) وموجِّه المشـــــروعات الثقافية. غير أن الواقع لم يكن على هذه الحال البتة، فتــــــاريخ هذا الإنسان كان حافلاً بالنضال السري في فلسطين والعـــــراق ولبنان وسوريا، وكان له شأن خطير في تأسيس حركــــــات سياسية قومية مناوئة للاستعمار، وجمعيات ثقافية رديـــــفة. وهذه الحركات والجمعيات لم تكن إلا واجهات علنية لحـــــركة ســــــرية هي «الحركــــــة العربية» التي وضع منهاجها قسطنـــــــطين زريق وكــــــاظم الــــصلح في «كتاب القومية العربية» الذي اشتهر باسم «الكتاب الأحــــــمر».
يقول أنيس صايغ إن قسطنطين زريق وقف وراء تأسيس كثير من الحركات والجمعيات والأحزاب التي نشأت في بلاد الشام والعراق وامتد تأثيرها إلى الكويت ومصر مثل نادي المثنى بن حارثة الشيباني في بغداد، والنادي العربي في دمشق، والنادي الثقافي العربي وجمعية العروة الوثقى وعصبة العمل القومي وحزب النداء القومي في لبنان، ونادي «الاتحاد الرياضي» في نابلس، وجماعة القوميين العرب في فلسطين، وحزب الاستقلال وحركة رشيد عالي الكيلاني في العراق. ويؤكد أنيس صايغ ان وراء هذه الحركات كلها رجلا واحدا شارك فيها كلها، مباشرة أو غير مباشرة، بالعلن أو بالسر، بالنصح أو بالإرشاد أو بالتوجيه. وهذا الرجل هو قسطنطين زريق. وقد أماط شفيق جحا اللثام عن تاريخ «الحركة العربية» السرية في كتاب شامل ومهم.

******
لم يتحدث قسطنطين زريق عن تفصيلات هـــــذه الفترة المثيرة من حياته مثلما لم يـــــتحدث علناً عن الأسباب المباشرة التي حملـــــــته على مغادرة دمشق إلى بيروت في سنة 1952. لكـــــن، في مجالسه الخاصة، كان يتباســـــــط في الحديث عن أمور كثيرة. وفي مكتبه في مؤســــــسة الدراسات الفلسطينية أخبرني كيف تلقى بعض اللكمات من ضابط صغير حين كان يحمي بجسده الطلاب الذي كانوا يتظاهرون في حرم جامعة دمشق استنكاراً لمشروع تجفيف بحيرة الحولة في سنة 1952. ومع أن أديب الشيشكلي أرسل إليه شخصية رفيعة للاعتذار، إلا انه آثر مغادرة سوريا بعدما أيقن أن بلاده باتت تتقـــــلب في مرجل الانقلابات العسكــــــــرية ودكتاتورية الانـــــــقلابيين.
وفي منزله في بيروت، وفي حوار مطول وشامل معه طلب إليَّ حذف الأسئلة المتعلقة بتجربة «الحركـــــة العربية» السرية. ولعله رغب في إهالة ركام من الصمت على هـــــــذه التجربة بعدما رأى كيف فشل العرب في تحقيق وحدتهم القــــــومية، وكيف هُزموا في مواجهة الصهيونية، وكيف تسلطـــــــت على الناس أنظمة سياسية استبدادية ومعادية للحرية. لكـــــــــنه، في إحدى الجلسات الممتعة معه، أفضى إليّ بأن انكــــــفاءه عن العمـــــــل القومي كان نتيجة لآلام كثيرة عصفت بكـــــــيانه بعد إعدام العـــــقداء الأربعة في العراق جراء فشل حركة رشيد عالي الكيـــــلاني في سنـــــة 1941 وهم: صلاح الدين الصباغ ومحـــــمود حسن سلمان وفهمي سعيد وكامل شبيــــــــب، علاوة على يــــــــونس السبعاوي الذي أسس مع درويش المقدادي وســـــــعيد الحاج ثابــــــت «الحزب القومي العربي» في العراق. ثم إنه كان بدأ يعـــــيد تقــــــويم أفــــــــكاره وطرائق العمل في «الحركة العربية» غداة اندلاع الحرب العالميــــــــة الثـــــــانية في سنة 1939. وكـــــان من شأن هذه المراجعة أن تخـــــــلى زريـــــــق عن مسؤولياته في قيادة «الحركة العربية»، وراح يتابع تطـــــــــورات الأحوال وتقلباتها القاســــــية. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتـــــــى تكشَّف لــــــه الواقــــــع عن أن الصــــهيونية شارفت على الاستيلاء على فلســـــــطين، وأن مَن كانوا إلى جانبه في لبنان راحوا، إلا أقلهم، يلتحــــــقـــــون بالتكتلات الطائفية أو بالسياسة الانكليزية طمعاً في منصـــــب أو موقع سياســـــــي، فخــــــاب أمله، وغادر إلى سوريا ليسهم في معركة بلاده ضد إسرائيل من خلال موقعه وزيراً مفوضاً لبلاده في واشنطن. وحين أعيته الحيــــــل عاد إلى موقعه الأثير في جامعة دمشق، حتى كان ما كان في تـــــظاهرات الطــــــلبة فغـــــــــادر إلى لبـــــنان لـــــيبدأ مرحلة جديدة في تجربته التي امتـــــــدت حتى وفاته. ومن علامــــــــــاتها مـــــشاركته وليد الخالدي وبــــــرهان الدجاني وإدمـــــــــون رباط وآخـــرين في إنـــــــشاء مؤســـــسة الدراسات الفلسطـــــــينية. وطـــــوال أكثر مــــــــن نصــــــف قرن في تجــــربته اللبنانية ظل قســـــــطنطين زريق فارساً في معمعان الفكر والثــــقافة. ومن شواهد فروسيـــــــــته صموده في بيروت في أثـــــــناء الاجتــــــــياح الإسرائيلي سنة 1982، وكان همـــــــــّه الأساس إنقـــــــاذ وثائـــــق مؤسســــــة الدراسات الفلسطــــينية ومــــــقتنياتها النادرة.