| 

من أين نزلت الغشاوة على الفكر البرجوازي الفلسطيني؟ وكيف سُدّ على سمع البرجوازية بشمع لا تثقبه أصوات ثكالى مخيمات النزوح وأيتامها؟ وكيف نبت «مثقفون» أميون يعتقدون أنهم جهابذة؟ فلا عجب إن أفاقوا ذات صباح ليجدوا أن فلسطين كلها من نهرها إلى بحرها واقعة تحت مرمى قسطل المحتل، بينما ينغمسون في مداخلات حامية عن جنس الملائكة، وتتفتق أذهان عباقرتهم عن أحلام صيفية لفلسطين ينعم أهلها باشتراكية طوباوية على وسادات خالية إلا من كوابيس الجوع والفاقة والعوز. ولولا فقراء فلسطين وكادحوها في نضالهم الصلب لما سمع أحد بهم ولما اشتهر بفضلهم اللاهوتيون الجدد من أصحاب النميمة والخبث والدسيسة.
انتقلت فلسطين من هيمنة الأعيان والملاّكين على جغرافية زمن الانتداب البريطاني إلى سطوة البرجوازية على تاريخها في مرحلة الشتات، فمكانه راوح شعبها من هالك إلى مالك إلى قبّاض الأرواح، لا بل إن البرجوازية الفلسطينية برهنت أنها أشرس من تجمع الأعيان والملاّكين إذ غافلت جماهير المخيمات وسفكت دمهم بدخولها في أحلاف رخيصة حداها رأس المال والطائفة مع قوى الرجعة العربية، فآن أوان نهوض الكادحين في المخيمات في وجه هذه البرجوازية الرثة المتهالكة على مطامح نفعية زائلة كلما غربت شمس، وفي وجه ممثليها من «المثقفين» الزائفين والمرضى بالنميمة الهاذية والمضحكة في آن.
من أين نزل علينا هؤلاء العباقرة الواقفون على أطلال فلسطين قرى مندثرة ونوستالجيا ذكرى باهتة؟ ومن أي كوكب جاءوا بنظريات وعد حالمة بتحرير فلسطين من دون مشقة؟ لم يبق أمام ساكني المخيمات وفلسطينيي الشتات إلا تفنيد مزاعم هؤلاء المثقفين «النقاقين»، المدارين خيبتهم بالهذيان، المفسدين في الأرض، الواعدين في جنة السماء، بينما المنطقة ساقطة بحدّيها من مسقط إلى طنجة، فلا عجب أن غزة واسطة عقدها تترنح تحت ضربات عقائدهم البالية، فأهلها في أسمال وهم بالحرير يرفلون.
من هم هؤلاء المتملقون المتزلفون المزيّنون بتحرير فلسطين حتى آخر معدم في مخيم النزوح أو في مدينة الشتات؟ إنهم حفنة مرتزقة من شذاذ آفاق الرجعة العربية وقراصنة رأسمالها المندلق فساداً وبطراً وجاهاً وحداثة نعمة على أزقة فكر غيبي يلهج بتحرير فلسطين بإرادة لاهوتية ومن دون عناء إلا تعليل النفس بالآمال، بينما تؤكد جدلية التاريخ أنه لا يفلّ الحديد إلا الحديد.
ها هم اليوم هؤلاء المزينون بتحرير فلسطين والمرضى بهزائمهم، وبعد 65 سنة على النكبة، يسترجعون ما هو أوهى منها وأنكب، فتحت ظلال التعاون والتنمية وعلى مرمى من بيرق السياسة الدولية ها هم يتحدّون المستقبل في خطاب القدس غائبة، فللقدس سلام آت، ويطعمهم الحج والناس راجعة.