| 

صالح برانسي من الشخصيات الفلسطينية التي تشبثت بأرضها في سنة 1948 ورفضت مغادرة البلاد على الرغم مما حاقها من الويلات والقمع والاضطهاد. وقد لمع اسمه مع مجموعة من الأشخاص في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وبالتحديد مع تأسيس «حركة الأرض» في سنة 1958. وكان بين اعضاء هذه المجموعة كل من منصور كردوش ورفيق فرح وحبيب قهوجي وحنا نقارة واميل توما وصبري جريس وحنا مسمار ونعيم مخول وغيرهم. وقد تناثرت هذه المجموعة في ما بعد، واختط كل فرد منها طريقاً سياسياً خاصا، واختلفت المصائر السياسية لهم أيما اختلاف. أما صالح برانسي فقد اختار ان يكون قومياً عربياً ويسارياً معاً، وان يبقى طوال حياته ثابتا على هذا المبدأ. ويذكرني ذلك بشخصية فلسطينية اخرى هي داود تركي الذي بدأ حياته السياسية في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، لكنه كان يصر على انه قومي عربي في الوقت نفسه، بل كثيراً ما صرح انه يعتبر سوريا الطبيعية الممتدة بين العريش في الجنوب وجبال طوروس في الشمال، وبين البحر المتوسط في الغرب وبادية الشام في الشرق، وطنه التاريخي. وهذه الأفكار لم تكن شائعة لدى الشيوعيين او حتى القوميين العرب في بعض مراحل تاريخهم.
لكن داود تركي تجاوز الكلام الى العمل، فأسس مجموعة فدائية من عرب ويهود امثال رامي ليفنه وأودي أديف، لتحرير فلسطين من الصهيونية، وتحرير اليهود من صهيونيتهم أيضاً، ثم توحيد المنطقة العربية في دولة واحدة اشتراكية غير عنصرية. بينما كان صالح برانسي يميل الى نوع من التعصب القومي وكراهية اليهود كمجموعة بشرية ودينية معاً.

الأمل والخيبة
يروي صالح برانسي انه في أثناء مشاركته في احدى التظاهرات الطالبية في القدس سنة 1945، وعند باب العمود، اعتلى جمال الحسيني، وكان آنذاك رئيس الحزب العربي الفلسطيني وأحد مساعدي الحاج أمين الحسيني، باب أحد المخازن التجارية، وخاطب المتظاهرين بقوله: «أبنائي الطلاب، ليرجع المسيحي منكم الى كنيسته، والمسلم الى مسجده، ولنبتهل الى الله ان ينصرنا على القوم الظالمين». وتابع جمال الحسيني: «قال الله تعالى...»، وهنا تعالت الهتافات والصيحات تردد: بدنا سلاح، بدنا سلاح. ولم يسمح له في إتمام كلمته. وكان لهذه الحادثة وقع أليم في نفس هذا الفتى الذي ترك المدرسة وذهب الى يافا ليتطوع في جيش الإنقاذ، فقابله قائد الحامية المقدم عادل نجم الدين (من العراق)، فزوده بلباس عسكري، لكنه لم يزوده ببندقية.
بقي صالح برانسي في يافا مع المدافعين عنها حتى سقوطها، فعاد مهزوماً الى قريته في المثلث العربي الذي سلّم تسليماً الى الإسرائيليين. ولما دخلت القوات الإسرائيلية الى القرية في 7/5/1949 كان أول ما فعلته هو اعتقال صالح برانسي. وعلى الفور سحبوه الى مركز الشرطة، وانهالوا عليه بالضرب حتى أغمي عليه، ثم رموه في قن للدجاج حيث لا يستطيع ان يقف فيه او ان يجلس او حتى ان يتقلب من جنب الى جنب. وبقي على هذه الحال ثلاثة أسابيع حتى تقرحت جوانبه وفتكت به الحمى، ومع ذلك صمد ولم يعترف بأي أمر، لانه كان يعرف ان أي اعتراف سيؤدي به الى الطرد من وطنه الى ما وراء الحدود. وبعد أسابيع عدة أخلي سبيله ليعود الى قريته.

التنكيل
عمل في المحاجر، ثم عين معلماً في مدرسة كفرقاسم سنة 1951، فزاول عمله شهرين فقط، ثم نقل الى قرية باقة، وفي ما بعد أعادوه الى الطيبة، وبعد ذلك فصلوه من عمله، ولاحقاً أعادوه الى مهنته في بلدته. وبقي على هذه الحال حتى سنة 1958 حين شارك في تأسيس «حركة الأرض»، فلم يلبث ان اعتقلته السلطات الإسرائيلية في سنة 1959، وعوقب بالنفي الى مدرسة ابتدائية نائية جداً، فرفض الالتحاق بهذه المدرسة، ففصل من عمله من دون ان يتقاضى أي تعويضات عن سنوات خدمته، واضطر الى بيع قطعة أرض من ميراثه حتى يتمكن من العيش.
عانى التمييز العنصري كعربي مثل معظم أبناء فلسطين 1948. وكانت كلمة «عربي» تعني لدى الإسرائيليين إبان الحكم العسكري «قذر» او «منحط» او «متخلف»، تماماً مثلما كانت العائلات الفرنسية في الجزائر تنادي خادماتها الجزائريات «فاطمة» مهما كان اسم الخادمة، ومثلما ينادي بعض اللبنانيين عاملات المنازل «سيريلانكا» أكانت الواحدة منهن اثيوبية أم هندية أم فلبينية. وقد فُرضت عليه الإقامة الجبرية في سنة 1960، فكان ممنوعاً من الذهاب الى المدينة نهاراً، وعليه عدم مغادرة منزله ليلاً إلا بتصريح. وكان عليه أيضاً ان يراجع مقر الشرطة مرتين او ثلاث مرات يومياً لإثبات وجوده. وبقي تحت سوط الإقامة الجبرية حتى سنة 1969 حين اعتقل مجدداً. وكان اعتقل ثلاث مرات، لفترات محدودة، في اثناء الإقامة الجبرية، من غير تهمة ومن دون محاكمة.

شعب لا يغلب
يروي صالح برانسي أنه في عام 1968، زاره في منزله عضو في البرلمان البريطاني وقال انه يرغب في زيارة بعض الاماكن في الطيبة، و في معرفة الامور عن كثب وبشكل مباشر. وكان عليّ ان اترجم له فقط واجيب عن اسئلته إذا هو سألني.
أخذته الى مدرستنا الابتدائية. دخلنا المدرسة، ووجدنا الاطفال ينشدون النشيد الوطني الإسرائيلي.
ثم سألني باستغراب: أمتأكد ان هؤلاء الأطفال عرب؟
فقلت له إن النشيد مفروض عليهم في كافة المدارس الخاضعة لوزارة المعارف، او بالاحرى للدائرة المختصة بالشؤون العربية في الوزارة.
وبعد الظهر، وبمحض المصادفة، التقينا في الشارع الصغار أنفسهم في اثناء عودتهم الى البيت وكانوا ينشدون نشيداً لفت انتباهه لاختلاف اللحن. فسألني عما ينشدون. وترجمت له النشيد والذي كان «أنا صامد صامد... أنا صامد صامد...».
عندئذ قال:
أنا واثق ان هذا الشعب لن يُغلب. فإذا كان طفلكم الليّن ويسهل التلاعب به لم تستطع السلطات زرع قناعة غير القناعة الحقيقية فيه، فكيف ستتغلب على الشعب الذي سينبثق منه؟.

*******
لم يغادر فلسطين على الاطلاق حتى سنة 1979 حين خرج من السجن، فدعي الى حضور مؤتمر الخريجين العرب الأميركيين في واشنطن، وعند عودته فرضت عليه الإقامة الجبرية مجدداً، فانصرف الى الجهد الثقافي، وأسس «مركز الطيبة لإحياء التراث الفلسطيني»، وأصدر مجلة «كنعان» في سنة 1991. وعاش بقية حياته في فجيعتين: احتلال وطنه وموت ابنه فؤاد، الى ان أغمض عينيه نهائياً في سنة 1999.