| 

جاءنا، تعقيباً على مقال الزميلة أسماء عزايزة "طريق تل أبيب لا تمرّ من عكا"، الرد التالي ننشره هنا عملاً بحقّ الرد.

نشر ملحق "فلسطين" (عدد كانون ثاني 2015) في صحيفة السفير مقالًا للزميلة أسماء عزايزة تحت عنوان "الطريق إلى تل أبيب لا تمرّ من عكّا" حول مسألة التطبيع مع إسرائيل وحصول مواطني الوطن العربيّ على تأشيرة الدخول (فيزا) الإسرائيليّة للدخول إلى الأراضي المحتلّة. ويأتي ما طرحته عزايزة في سياق حدثٍ عينيّ، هو عرض لفرقة موسيقيّة أردنيّة حصلت على فيزا إسرائيليّة لتعرض في الضفة والداخل منتصف شهر كانون أوّل\ديسمبر من العام 2014، وقد ألغي العرض على أثر ضغط مجموعات شبابيّة مناهضة للتطبيع في الداخل، في الضفة وفي الأردن.
المعطيات العينيّة التي تأسست عليها عزايزة لتنطلق وتتفرّع بموقفها السياسي، هي معطيات مغلوطة، خادعة ومتاخمة للكذب. ويأتي المطروح هنا من باب تصحيح الافتراءات وتوضيح الحقائق بشأن تفاصيل هذا الحدث العينيّ، إنصافًا لعشرات الشابّات والشبّان المناضلين الذين حملوا ويحملون موقفًا سياسيًّا، ويتنظّمون مجتهدين لجعله واقعًا سياسيًا على الأرض.
لن يُطرح هنا موقفًا متكاملًا رافضًا للتطبيع، لكن الهدف هو تفنيد الأسس التي اعتمدت عليها عزايزة في مقالها وكشف هشاشة صلته بالواقع. لماذا لا يُطرح الموقف المتكامل هُنا؟ أولًا لأنه مطوّل ولن يكون من الناجع تلخيصه في مقالةٍ واحدة. وثانيًا، وهو الأهمّ، أنني شخصيًا لم أتخيّل يومًا أن أضطر (عبر صحيفة لها تاريخها مثل السفير) لتوضيح موقف بديهي مثل رفض السفارات والفيزا الإسرائيليّة للوطن العربي.
 
تجريم النشاط السياسي لصالح أرباح تجاريّة
تضع عزايزة في مقالها المناهضين للتطبيع في دائرة التجريم. صديقتنا الشاعرة (يُفترض أن تقدّر جيدًا اختيارها للكلمات) تستخدم في مقالها عبارات مثل: "تخويف، عنف وترهيب معلن النوايا، سلوك بلطجي، فتيل التحريض" تكتب أسماء عزايزة، وتضيف باستخدام كلمة "خاوا" العاميّة، وتفسر معناها بأنها "مجانًا"، والحقيقة أن الكلمة لا تعني "مجانًا" إنما هي كلمة من عالم الجريمة والعصابات تُطلق للدلالة على الابتزاز بقوة الذراع والسلاح.
لا يأتي ما تطرحه عزايزة من فراغ، إنما هو رغبة مؤيّدي التطبيع بوصف الموقف السياسي المناهض لهم، والعمل السياسيّ الذي يتصدّى لممارساتهم، وكأنه اعتداء على "حريّة فرديّة"، فيُصبح، كما تعرض عزايزة، مسألة أخلاقيّة لا سياسيّة. تتجاهل الكاتبة كل السجال السياسي والإعلامي، والنشاط الاجتماعي الذي يقوم به عشرات الشبّان والشابّات بعملٍ مشترك بين الضفة والداخل والأردن، من أجل منع نشاطات يعتبرونها خطيرة سياسيًا. يجدر التنبيه إلى أن هذا التوجّه بالنسبة للعمل السياسي، يأتي في ظل حالة اجتماعيّة تحت الاحتلال، هي في أمسّ الحاجة لرفع شأن التنظيم الجماهيري والعمل النضالي، وأمس الحاجة لتشجيع الجمهور على خوض غمار العمل الوطني – لا العكس.
تهوّل كاتبة المقال، وتعرض ادعاءات كاذبة حول التهديد والتحريض دون أن تتحقق من صحّتها أو حتّى دقّتها. "حسابات وهميّة تُهدد" – نقلت عزايزة ادعاءات أحد الطرفين المنظمين للجولة الموسيقيّة إياها، وهو طرف تجاريّ ربحيّ نظّم العرض بهدف بيع التذاكر وتحصيل أموال الرعايات. هل تأكدت عزايزة من وجود هذه الرسائل؟ هل تساءلت حول هويّة المرسلين؟ لعله من المفارقة أن الجهة الوحيدة التي طلبت التحقق ومعرفة طبيعة التهديدات كانت جهة المناهضين للتطبيع، فلم يتم الإفصاح أمامهم عن أي تفصيل واضح يتعلق بالتهديدات يمكن أن يدل على طبيعتها أو يساعد باستدلال هويّة المرسلين، بل أجوبة ضبابيّة فضفاضة تذكّر في أحد مشاهد مسرحيّة الرحابنة "بيّاع الخواتم" التي يُخترع بها "راجح" للحفاظ على وضعيّة سياسيّة فاسدة.
ثم لنفترض أن هذا التهديد حصل بالفعل، وكما يصفونه بالضبط. فما هو نوع هذا التهديد الذي يتحدّثون عنه؟ حتّى الجهة التجاريّة المنظمة لم تدّع أنها تعرضت لتهديد إلا "التهديد بتخريب الحفلة". فما معنى التخريب؟ رفع شعارات داخل القاعة يعتبر تخريبًا؟ قطع العرض بالهتاف (مثلما يفعل أي طلّاب جامعيّون، ونحيّيهم أشد تحية) لحدث مرفوض سياسيًا يعتبر تخريبًا؟ هل دعوة الناس لإرجاع بطاقاتهم والمطالبة بثمنها تخريبًا؟ هل توزيع المناشير عند باب القاعة (وهو ما حصل في تجربة سابقة) تخريبًا؟ إن كانوا يعتبرون ذلك تخريبًا فيمكنهم، وببساطة، اللجوء إلى القانون الإسرائيلي الجديد الذي يفرض عقوبات على من ينادون بمقاطعة إسرائيل. ربما يسعفهم ذلك...
تتستّر الكاتبة على ممارسات إحدى الجهات التجاريّة المنظّمة التي هدفت للضغط على الفرقة الفنيّة لإدخالها لإسرائيل. هذه الجهة التجاريّة أخفت تمامًا (بحسب شهادة الفرقة وبيان إعلامي صادر عن جهة منظمة أخرى في الضفة) أن الفرقة ستعرض في ملهى ليلي إسرائيلي يُقام فيه (من جُملة ما يُقام فيه) احتفالات وتخفيضات للجنود الإسرائيليّن. بل وتحايلت كليًا على الفرقة (على ذمة الفرقة) بوعدها أن "العروض ستجري في مدن فلسطينيّة". المدن فلسطينيّة نعم، لكنها محتلّة وبلديّتها بلدية احتلال جاثم على صدرها. فأن تقول عن حيفا: "هي مدينة فلسطينيّة فاعرضوا بها"، فهذا، على سبيل توضيح عبثيّة الموقف، كما أن يطالب أحدهم حزب الله بألا يقصف حيفا لأنها مدينة فلسطينيّة.
كذلك، تتستّر عزايزة على الضغط الذي مارسته الشركات التجاريّة مستخدمة الشرط الجزائيّ في العقد بين الشركات والفرقة لتحول دون تراجع الفرقة عن العرض في حال تأثّرت الفرقة بالموقف السياسيّ المناهض للتطبيع. علمًا بأنهم أخفوا أساسًا عن الفرق الفنيّة وجود وقوّة هذا الموقف.
تسطّح عزايزة النقاش القائل بأن الدخول إلى إسرائيل "للتواصل" مع الفلسطينيين هو منزلق للتعاطي مع الإسرائيليين مستقبلًا. هي تسخّف الموقف وكأنه يقول أنها عبارة عن كبسة زرّ. وهي تفضّل الوثوق بـ"عقل الفنّانين" وتتهم مناهضي التطبيع بأن عدم ثقتهم بعقل الفنّان هو "أنوف وسلوك مترفّع". وهي في اللحظة ذاتها التي تدّعي وقوفها مع "صوت الناس" ضد "نموذج المثقّف الفلسطيني الحديث"، إنما تخترع شيء ما اسمه "عقل الفنّان" يبدو أنه، بحسبها، أكثر قدرةً وذكاءً من عقل سائر البشر. على حدّ علمي فإن الفنّان مثل غيره من البشر، قد يخطئون وقد تؤدي أخطائهم لكوارث. فما المانع من وجود حركة سياسيّة تحول دون وقوع هذه الأخطاء؟ لكن الأهم: حين تطلب منّا عزايزة أن نثق "بعقل هؤلاء الفنّانين"، فلماذا لا تحكي لنا عن الفرقة الموسيقيّة التي كانوا قبل شهورٍ قليلة يدافعون عن حقّها في أن تعرض للعرب في حيفا، ويطالبون بأن نثق بـ"عقلهم الفنّي". ثم بعد أشهر قليلة أعلنت عن مشاركتها بمهرجان عربيّ ضخم تشترك في تمويله شركات إسرائيليّة وجهات حكوميّة إسرائيليّة. يبدو أن ذلك، بشرع عزايزة وما تمثله من نهجٍ سياسيّ، ليس انزلاقًا سياسيًا.

صياغة الخطاب وموقف الحمل الوديع
تتبنى أسماء عزايزة في مقالها موقف الحمل الوديع الذي يردده القائمون على الحفلات والمشاريع التطبيعيّة فيتحوّلون حُماةً للحوار والتفاهم والوصول لصيغ مشتركة بدلًا من تراشق البيانات والصدام الإعلامي والاجتماعي. فتقول عزايزة أن خطاب مناهضة التطبيع يخلق "تعريفات تقزّم من اللغة الدنيا المطلوبة في الحوار الذي لم يُفتح حقًا" وتطالب بالوصول لصيغة نشارك به جميعًا. فلنسأل: من أين يحصل مؤيّدو التطبيع على ما يكفي من وقاحة ليطلبوا في كلّ مرة حوارًا من أجل تغيير الوضع القائم، بينما هم يقومون بتغييره على الأرض ويفرضون بالواقع تغيّرًا بموقف سياسيّ يتمتّع بهذه الأصالة والمكانة التاريخيّة؟
من أين لهم الوقاحة في أن يقولوا "لنتحاور ونصل لصيغة مشتركة" بعد أن وُقعت العقود التجاريّة، وقُدّمت طلبات الفيزا، وحُجزت القاعات وبيعت التذاكر؟ من يطلب فتح حوارٍ بنّاء بعد أن يفرض الواقع السياسي على الأرض، إنما هو يرغب بكسب الوقت وإشغال الحركة السياسيّة بنقاشات مغلقة بدلًا من النزول والعمل على الأرض. قد يكون خطاب مناهضي التطبيع "يقزّم اللغة الدنيا للحوار"، لكن ممارسات مؤيّدي التطبيع على الأرض تهدم تمامًا أيّ احتماليّة مستقبليّة لأي حوار، وهي عبارة عن فرض الشركات التجاريّة  للأمر الواقع رغم أنف الحركات السياسيّة والاجتماعيّة، ومن ثمّ تدفع بأوساط ثقافيّة لتدافع عنها وتنادي بالحوار.
ثم ما شكل هذا الحوار؟ من الذي سيتحاور؟ هل هو شأن داخليّ للفلسطينيين في الداخل؟ هو ليس كذلك مطلقًا، فللشعوب العربيّ الحصة العظمى في تصوّرها وصياغة اجماعها بشأن العلاقة مع إسرائيل. أما أن يتحوّل الفلسطينيين في الداخل إلى ورقة بيدّ المطبّعين مع إسرائيل في الوطن العربي (ويوجد منهم كثيرين) ضد من يحملون موقفًا غايةً في العداء لإسرائيل، فهذا لا يمكنه أن يقبله العقل.

 الرقص على "صوت الناس"
تقول عزايزة في مقالها أنها "تضمّ صوتها للناس وليس لنموذج المثقف الفلسطيني الحديث"، ثم تتابع فتتحدّث عن التواصل. فعن أي "صوت ناس" تتحدّث عزايزة؟ هل هو صوت الفلسطينيين في الداخل فحسب؟ لماذا لا نتواصل مع الصوت الشعبي في الوطن العربي؟ هل تُريد عزايزة إقناعنا بأن الصوت الشعبي العربي لا يرى مانعًا جديًا بالتعامل مع سفارات الإسرائيلي؟
وحتّى لو اعتبرنا أن "صوت الناس" هذا محصور بصوت الناس في داخل الأرض المحتلّة؛ هل تريدنا الكاتبة أن نصدّق أنّ الشعب والناس في الداخل متعطّشون لفرق روك وريغي أردنيّة مثل حرقة كرت وأوتوستراد؟ هل الكاتبة فعلًا تُريد أن نتفاعل بجديّة مع ما تقول؟ أقصد، هل الكاتبة مستعدّة لتحمّل مسؤوليّة عرض موسيقي لـ"حرقة كرت" في قرية جتّ المثلث أو غيرها من القرى التي تمثّل أغلبيّة شعبنا؟ أو أن تأتي بالفرقة الأردنيّة الشهير إلى قرية كفر مندا الجليليّة لتغنّي مؤلّفها الخالد: "حاسس حالي قاعد ع كنباي بحب الناس وبشرب شاي؟"
تستغل أسماء عزايزة السعي الإسرائيلي الدائم لتشويه الهويّة الفلسطينيّة لتعرض صورة الفلسطيني داخل إسرائيل على أنّه ذلك الكائن المعزول والمقطوع عن ثقافته كليًا. وذلك تشويه للحقيقة وإجحاف بحق مجتمع استطاع فعلًا أن يحافظ على هويّته الوطنيّة، وأن يحفظ لغته أمام كل محاولات الأسرلة والعبرنة، خلافًا لشعوب سحق لغتها الاستعمار (جزء من أسباب فشل الإسرائيلي تتعلق به نفسه). من دون الفيزا ومن دون السفارات، وحتّى قبل الانترنت والفضائيّات- كانت بيروت والقاهرة وبغداد عواصم تؤسس معرفتنا وتسكن وجداننا (ومؤخرًا الدوحة!). فيروز صباحًا، أم كلثوم مساءً (ومايا دياب مؤخرًا!). محفوط والسيّاب وحاوي والطيّب صالح خبزنا الأدبي (وأحلام مستغانمي مؤخرًا!). نحن لا نقرأ حانوخ ليفين. نحن يضحكنا عادل إمام لا الكوميديا الإسرائيليّة. وأيّ من هؤلاء لم يقترب من سفارة إسرائيليّة. فلمن تصبّ المصلحة في وصفنا وكأن ثقافتنا العربيّة تنتظر فرجًا من الأردن، يأتي لنا بفيزا إسرائيليّة؟ وهل المعيقات الجيوسياسيّة وهذه الحاجة الثقافيّة هي حرجة وبتلك الخطورة لتستدعي تغييرًا بموقف الشعوب العربيّة التاريخي من الدخول إلى إسرائيل؟

حين تبتعد الأخلاق عن السياسة
تُقول أسماء عزايزة في نهاية مقالها أن نقاشنا في مسألة التطبيع يجب أن يدور في فلك الاعتبارات الأخلاقيّة، ضدّ "توزيع شهادات وطنيّة"، وهي في بداية المقال تفصل بين شقٍ أخلاقيّ وشقٍ سياسيّ – هذا فصل وهميّ يعتمده المترفّعون عن العمل السياسي والجماهيري فاصلين السياسة عن الأخلاق، والسياسة عن العاطفة، والسياسة عن الحقّ والعدالة. ينزعون الطابع السياسيّ عن ممارساتهم المسرفة في سياسيّتها، فتظهر وكأنها شأنًا خاصًا لا عامًا، ويتحوّل التدخّل بها إلى شأنًا أخلاقيًا شخصيًا وكأنه تدخل بحريّة إنسان على حياته الجنسيّة – وهو ليس كذلك إطلاقًا. فهويّة الشخص الذي يرتكب عملًا سياسيًا مرفوضًا لا تهمّنا، ولا يهمّنا الحكم الأخلاقيّ عليه، لكن ذلك لا يمنع أن يحمل فعله السياسيّ ذاته قيمة أخلاقيّة نرفضها ونقاومها. لا أحد يُعنى بتوزيع شهادات وطنيّة، إنما هناك حركة سياسيّة تتصدى لممارسات سياسيّة عامّة تجري في مجتمعنا. حجّة "لا توزّعوا شهادات وطنيّة" هذه، سئمناها فعلًا بعد أن مُضغت وأصبحت تُستخدم ليلًا نهارًا من قبل كل من يعجز عن الدفاع عن موقفه السياسي المهادن. حيث صرنا نسمعها على لسان رجال الأمن الوقائي لسلطة أوسلو وهم يقفون بهراواتهم وعتادهم ليمنعوا المتظاهرين من الوصول إلى نقاط الاشتباك مع الإسرائيلي تنفيذًا لأوامرهم الجائرة (والتي تملك أيضًا مبررات وطنيّة من طرف سلطة أوسلو)، فنجد لسان حالهم يقول: "لا تزايدوا علينا، لا توزّعوا شهادات وطنيّة" ويضربون، منفّذين الواقع السياسيّ الذين يريدونه. أما فعلنا السياسيّ فلا يهمّه من يقف وراء الخوذة وأخلاقيّات من ينظّم الحفلات التطبيعيّة – إنما يهمنا أننا نعتبر فعله السياسي غير أخلاقي، ومثلما هو يطبّق الواقع على الأرض دون أن يسألنا، من حقنا نحن أن نتصدّى له. فحين تهاجم عزايزة اتفاقيّة أوسلو، هل تنسّى أن من دعموا أوسلو المشؤوم قالوا لمعارضينه في حينها: "لا توزّعوا شهادات وطنيّة، فهل تزايدون على أبو عمّار؟!"

تريدون التحدّث عن التواصل؟ تفضلوا...
في فلسطين سياق وجوديّ واحد؛ سياق الصراع مع إسرائيل. ونحن نؤمن بالتواصل مع الوطن العربيّ كتواصل رغم دولة إسرائيل، في حين نناهضه حين يكون تواصلًا عبر دولة إسرائيل. التواصل له أوجه وله مضامين وفيه تنوّع وتعدد، بعضها مبارك وبعضها مرفوض. (هل التواصل مع سمير جعجع مقبول مثلًا؟) فلماذا تريد عزايزة أن تتحدث عنه كقيمة مطلقة؟
التواصل مع الوطن العربي بالتنسيق والعمل المشترك بين حركات شبابيّة مناهضة للتطبيع في الداخل والأردن ورام الله وتونس، هو تواصل أيضًا، وطويل الأمد، فلماذا تعتبرونه أقل أهميّة من حفلة رقص تنتهي بساعتين؟
نؤمن بأهمية التواصل. التواصل رغم أنف الإسرائيلي. ذلك التواصل الذي يحوي المخاطرة ويحوي المجازفة وقد يحوي التضحيات. لأننا نعتبر التواصل عملًا نضاليًا، والتضحية شرط أساسي في العمل النضالي. فالبعض يتعرّض لخطر المحاكمة من قبل الإسرائيليين بتهمة "تواصل مع عميل أجنبي" و"زيارة أرض عدوّ". فدعونا، تفاديًا للإحراجات، لا ندخل في منافسةٍ حول العمل لأجل التواصل. وكان من الأجدر بهذه الفرق الفنيّة التي تدّعي اهتمامها بالتواصل والمشغولة بكسر عزلتنا، أن تدخل من أنفاق غزّة، دون تأشيرة إسرائيليّة وجولة في تل أبيب، لتكسر الحصار وتتواصل رغم الاحتلال.
إن الثقافة المعزولة عن السياسية وهمٌ صار من المتأخّر الاتّجار به. ومهما نأت الثقافة في رسالتها المباشرة عن مواضيع سياسيّة عينيّة، إلا أنها تبقى تابعة ومرهونة للسياق والثقل السياسي الملازم للمكان والزمان. إن التواصل الثقافي بين الفلسطينيين تحت الاحتلال والوطن العربيّ قيمة هامة. لكنه يتحوّل إلى ورقة توت لجهات تجاريّة تحقق مكاسب حين يكون أجوفًا لا يرتكز إلى أرضيّة سياسيّة تحترم سياقها. ولا سياق وجوديّ في فلسطين؛ إلا الصراع مع إسرائيل.