| 

قبل عامين تقريباً، كنتُ عائداً في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل من مدينة غزّة إلى خان يونس في جنوب القطاع، حيث سكني، بعد يوم مهني شاق. كعادتي، أحمل جهازي تلفون، الأول ذكي يحوي شريحة اتصال فلسطينيّة، والآخر قديم نوعاً ما، أضع فيه شريحة «أورانج» إسرائيليّة، استخدمها للاتصال بالمسؤولين الفلسطينيّين في القدس والداخل المحتلّ لأغراض صحافية. فالغالبية في الشقّ الآخر من الوطن يستخدمون خطوطاً إسرائيلية، والاتصال من خطّ فلسطينيّ لآخرٍ إسرائيليّ مُكلف جداً.
عند أحد حواجز الشرطة على طريق «صلاح الدين»، أوقف شرطي المركبة التي تقلّني، وطلب منّا النزول للتفتيش. عادةً، يتم تفتيش السيارات والتدقيق فيها خلال ساعات الليل المتأخرة في غزّة، فظننتُ أن الأمر سيمر خلال دقائق كالروتين المعروف. أخرجت الهاتفين من جيبي، فأضاءت شاشة الهاتف الذي يحمل الشريحة «المشبوهة». لفتت الشرطي كلمة «أورانج» أعلى الشاشة، فقامت الدنيا ولم تقعد: لماذا تحملها؟ فيمَ تستخدمها؟ هويتك؟ بطاقتك؟ إلى أن أجريتُ اتصالاً هاتفياً فنّد اللبس، وأذهب ريبة الشرطي، وأعاد السائق لكرسيّ القيادة!
سيرة الخلوي في غزة: هكذا وصلها «الفلسطيني»
في بداية التسعينيات، لم يكن يفكر أحد بالسؤال عن سبب حمل الفرد لشريحة اتصال إسرائيلية، أو حتى هاتف «خط بلا شريحة» إسرائيلي خالص، بسبب وجود أيّ شركة اتصال فلسطينيّة. كان الجميع يستخدمون الشرائح الإسرائيليّة كـ «أورانج»، «سيلكوم»، و «بلفون» في غزّة، إلى أن جاءت أول شركة فلسطينية «جوال» في عام 1997. معها، بدأ الناس شيئاً فشيئاً ينتقلون من الاتصالات الإسرائيلية إلى الفلسطينية. وعلى الرغم من عدم قناعة الكثيرين بالشركة الجديدة، أُجبروا على التحوّل نحوها لأن دائرة معارفهم أضحت تستخدم خطوطاً فلسطينيّة، والاتصالات بين الشركتين مكلفة جداً.
عند وصولها، كانت تُباع شريحة «جوّال» بـ 130 شيكلاً إسرائيلياً (الدولار الأميركي يُعادل 3.8 شيكل)، أي بسعر الشرائح الإسرائيليّة تقريباً. ما دفع بالمستخدمين إلى الإبقاء على الشرائح الإسرائيليّة بحوزتهم، يستخدمونها عند الاتصال بمستخدم للخط الإسرائيلي، أو للتواصل مع أقاربهم وأرباب عملهم في الداخل الفلسطيني المحتل لكون الغالبيّة هناك تستخدم الخطوط الإسرائيلية إلى جانب الفلسطينية حتى الآن.
مع تغلغل الشركة الفلسطينية الجديدة في القطاع سنة 2003، وطرحها العديد من الخدمات والمزايا التي لم يعرفها المستخدم مع الشركة الإسرائيليّة، وخفض أسعار الشرائح لأقل من نصف الثمن الأوّل، وضعف إرسال الشركات الإسرائيلية، اقتنع المستخدمون مع الوقت باقتناء الشريحة الفلسطينيّة. شيئاً فشيئاً، غزت الشرائح الفلسطينية غالبية المنازل، وأصبح التلفون الإسرائيلي هو «الخط» الذي لا يحوي شريحة، يُباع في أسواق «الخردة» في القطاع، ولا أحد يهتم لاقتنائه.
قبل خمس سنوات تقريباً، صار حملة الشريحة الإسرائيلية في قطاع غزّة «موضع شبهة»، وخاصة أن الغالبيّة العظمى تستخدم شرائح وطنية، ولا توجد أي مكاتب تبيع الشرائح الإسرائيلية، أو توفّر كروت شحن لها. القلّة القليلة التي تستخدمها تحصل على كروت الشحن والدعم الفنّي من قبل أقربائهم في الداخل المحتل. وبات هؤلاء يستخدمون شرائحهم وقت الحاجة، ثم يخفون الشريحة لحين إعادة استخدامها مجدداً.
عودة «الإسرائيلي»: الجيل الثالث
بعد العدوان الإسرائيلي في عام 2014 على غزّة، منعت حركة «حماس» منعاً باتاً تداول الشرائح الإسرائيلية في القطاع، أو بيع خطوط شحن لها، إذ في تلك الفترة تحديداً، لُوحظت عودة الشرائح الإسرائيليّة للتداول من جديد في القطاع، فاعتقدت «حماس» أنها تأتي عن طريق التهريب لتلبية حاجات «العملاء» المجندين للاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزّة في التواصل مع ضباط الاستخبارات الإسرائيليين، وخاصة أن الحديث يدور عن قدرة أمن «حماس» على الحصول على سجل مكالمات أيّ مواطن في غزّة يحمل شريحة الشركة الفلسطينية، بدواعٍ أمنية.
لكن أحداً لم يُفكّر بسبب جذب الشرائح الإسرائيليّة لمواطني غزّة من جديد، في هذا الوقت بالذات، خاصة فئة الشباب التي تبحث عن خدمات الجيل الثالث من الانترنت (3G)، وتوفّرها الشركات الإسرائيليّة بأسعار جيّدة جداً إذا ما قارنها المستخدم بشركة فلسطينية لا توفّر تلك الخدمة، وما زالت تعمل بخدمات الجيل الثاني، وتحتكر سوق قطاع غزّة بأسعار خيالية، وخدمات رديئة على صعيد الانترنت الجوّال.
دفع ذلك بالكثير من المواطنين إلى اقتناء شرائح إسرائيلية للحصول على خدمة انترنت جوّالة ومستمرة، خاصة بعد نصب الشركات الإسرائيلية عدّة محطات تغذية إرسال بالقرب من حدود القطاع، ما قوّى إرسال الشرائح الإسرائيليّة وجعله ممتازاً، بعدما كان يقتصر إرسالها في السابق على المناطق الحدوديّة والمرتفعة في قطاع غزّة. وهو أيضاً ما أثار الريبة لدى الجهات الرسمية والأمنية في القطاع، مع تزايد الإقبال على الشرائح الإسرائيليّة بشكل «سرّي»، خوفاً من الملاحقة القانونيّة.
في غمرة تداول نسبة غير معروفة من سكان القطاع في الوقت الحالي للشرائح الإسرائيليّة، برزت عدّة أصوات تنادي بمقاطعة الشركات الإسرائيليّة، وعدم التعامل معها، خاصة في ظل ظروف البيئة الأمنيّة في قطاع غزة والمخاطر التي قد تترتب على استخدام شرائح إسرائيلية في القطاع. في المقابل، دافع البعض عن تداولها، في ظلّ الرغبة المتزايدة باستخدام خدمات الجيل الثالث. بين هذا وذاك، لم يلتفت أحد لتحذيرات تُحاول إثناء المستخدمين عن تداول هذه الشرائح، طالما أنها توفر ما لا توفره الشركة الفلسطينية الوحيدة في غزّة.
ولكن، كيف دخلت؟ وما خطرها؟
هالة مُعتمة تحيط بآليّة إدخال تلك الشرائح إلى أسواق قطاع غزة، لا سيما أن حركة «حماس» التي تُسيطر على قطاع غزّة تتوعّد المحالّ التجارية التي تتداول هذه الشرائح وتبيعها للمستخدمين. وذكر موقع «المجد الأمني»، المعروف بقربه من المقاومة الفلسطينيّة، أنّ الشرائح الإسرائيليّة تدخل إلى أسواق القطاع بطريقة «غير مشروعة»، سواء عبر المعابر التي تربط غزّة بإسرائيل أو عبر السياج الحدوديّ في شمال القطاع وشرقه، معتبراً أنّ «تلك الشرائح تمثّل مخاطر أمنيّة كبيرة، فهي عبارة عن شرائح تجسّس لكلّ ما تقوم به».
المستخدمون في القطاع لا يشعرون بأيّ «ذنب» طالما يسخّرون هذه الشرائح لأغراض تكنولوجيّة، كتوفير الانترنت فائق السرعة، أو حتى الاتصال. لكن المختص في أمن المعلومات أحمد راشد شرح لـ «السفير» أن «خطورة هذه الشرائح لا تأتي بشكل مباشر من قبل مستخدمها الأول، بل يُمكن أن تستغل الشركات الإسرائيليّة وجود هذه الشرائح وسط المجتمع الغزّي للتجسس على الأحاديث التي تدور بين الشباب، وفي كل منطقة تصلها الشريحة، لتكوين بنك معلومات عن كل شيء يدور في غزّة، وليس في ما يخص المقاومة فحسب».
يضيف راشد: «لا شك بأن الهدف الأوّل من استخدام شرائح إسرائيليّة هو الحصول على خدمات الجيل الثالث، التي لا توفّرها أيّ شركة فلسطينية، بسبب منع الاحتلال نفسه لها من توفيرها. وإذا استثنينا هدف الشركات من الربح التجاري في ظل المنافسة القويّة بين الشركات الإسرائيليّة، فإن وجود هذه الشرائح في القطاع يُسهّل على الاستخبارات الإسرائيليّة المختصة عملية اختراق أيّ هاتف أو مكان توجد فيه الشريحة بسهولة»، مستبعداً أن يتوقّف استخدام الشرائح الإسرائيلية في غزّة ما دامت الخدمة غير متوفّرة لدى الشركات الوطنيّة.
وكان مدير عام الترخيص في وزارة الاتصالات الفلسطينيّة في غزة زياد ديب قد شرح في تصريحات سابقة أنّ وزارته لاحظت ترويج عدّة مكاتب اتصالات في القطاع لشرائح اتصال لاسلكية إسرائيلية، لغرض توفير خدمة انترنت جيل ثالث مفتوحة، ولفت إلى أنّ تداول أجهزة الاتصالات الإسرائيليّة، بما فيها الشرائح، محظور.
وخلال مؤتمر صحافي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قدّر المدير التنفيذي لمجموعة الاتصالات الفلسطينيّة عمار العكر عدد الشرائح الإسرائيلية التي يمتلكها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزّة بأكثر من 370 ألف شريحة، مشتراة بصورة غير قانونية، ما يكبّد قطاع الاتصالات الفلسطينية خسائر سنويّة تقدّر بـ100 مليون دولار، وفق قوله.
بالاطلاع على قانون الاتصالات الفلسطيني، رقم (3) لعام 1996، يتضح أن المادة رقم (98) منه تنصّ على أنّ «كل من استورد أو تاجر بأجهزة اتصالات مخالفة للمواصفات القياسية، أو تحمل بطاقات تعريف مخالفة للمواصفات المعينة من قبل الوزارة، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر وحتى سنة، أو بغرامة لا تقل عن (1000) دينار أردني، ولا تزيد عن (2000) دينار أردني، أو بكلتا العقوبتين».