| 

تشكّل الرعاية والعناية بالأشخاص ذوي الإعاقة معياراً أساسيّاً تقاس بموجبه العدالة في المجتمعات، ناهيك عن تقدّمها.
ترتفع الأرقام الخاصة بذوي الإعاقة في فلسطين من دون أن يتغيّر أيّ من أشكال واقعهم بما من شأنه الدفع بحياتهم نحو الأفضل. فتفوق نسبة البطالة في صفوفهم الـ 70 في المئة، في ظلّ وجود قانونٍ فلسطينيّ يلزم القطاعات بتوظيف نسبة 5 في المئة منهم فقط، وفي الشركات التي يزيد عدد موظفيها عن العشرين.
ترتفع أعداد ذوي الإعاقة في فلسطين نتيجة جرائم الاحتلال، الذي يتعمّد إحداث الإصابة بقصد الإعاقة في كثيرٍ من الأحيان. ويتعرضون لمعاناة كبيرة جراء تنكيل جنود الاحتلال بهم على الحواجز العسكرية، فيضطرون لسلك طرقٍ وعرةٍ صعبةٍ تسبّب لهم مشاكل صحيّة خطيرة تزيد من معاناتهم. فتروي وفيقة مصطفى (44 عاماً ـ من الخليل) لـ «السفير»: «قام أحد جنود الاحتلال في العام 1972 بالدعس على قدمي اليمنى وأنا مستغرقة في نومي، في أثناء محاولة اعتقال والدي. لم يكن الطبّ حينها متقدماً في فلسطين كحاله اليوم، ما تسبّب بإعاقةٍ حركيّةٍ لي ظلت ترافقني ليومنا هذا». تضيف وفيقة: «حاولت مداراة مشاقّ الحياة وظروفها الصعبة، فقررت أنا وأخي فتح معرضٍ لبيع موادّ التجميل الخاصة بالسيدات في الخليل. كنت في البداية أجد صعوبةً كبيرةً في إنزال البضائع عن الرفوف وعرض المنتجات على الزبائن، ولكن اليوم وبحمد الله كل شيء يسير على ما يرام».
تشير أرقام «جهاز الإحصاء المركزيّ الفلسطينيّ» الواردة في إحصاء أجراه بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية في العام 2011، أن نسبة الإعاقة في المجتمع الفلسطينيّ بلغت 7 في المئة، أي نحو 325 ألف مواطن/ ة بإعاقات مختلفة. أما إحصائية «منظمة الصحة العالمية» فقد أضافت مرضى السكري والفشل الكلوي والضغط إلى فئة الإعاقة، لتصل النسبة إلى 12- 14 في المئة، أي ما يعادل 550 ألف مواطن.
هنا، تلفت الناشطة في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ميساء الشلالدة «السفير» إلى أن «عدد موظفي السلطة يصل إلى 180 ألف موظف، ما يعني أن حصّة المعوقين يجب أن تكون حوالي 9 آلاف وظيفة. في الواقع، هذه النسبة هي 2.5 في المئة». وطالبت الحكومة والمؤسسات والقطاع الخاص بتوظيفهم وتشغيلهم، «فقد أثبتت هذه الفئة جداراتها وقدرتها على العمل».
من جهته، يقول مدير دائرة عمل الأحداث ومسؤول ملف الإعاقة في وزارة العمل الفلسطينية مأمون عودة لـ «السفير»: «الحكومة تطبق القانون الخاص بتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة 100 في المئة، أي لكل 100 وظيفة يوجد 5 وظائف يمنع أن يتقدم لها إلا أشخاص من ذوي الإعاقة». ويشير عودة إلى أن «المشكلة التي تواجهها الوزارة عند تطبيق القانون هي أن المؤسسات الكبيرة في فلسطين نسبتها 2 في المئة، ما يحدّ توظيفهم بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة». وأضاف: «لدينا حملة لدمجهم وتشغيلهم في المؤسسات الخاصة مع الشركات الكبيرة».
وعن مستوى تدريب ذوي الإعاقة وقدرتهم على أخذ دورهم في سوق العمل، يؤكد عودة أن «معظم الأشخاص ذوي الإعاقة مدربون ومؤهلون، ومنهم خريجو/ ات جامعات وحملة شهادات جامعية عليا. لكن مشكلة البطالة هنا هي مشكلة عامة تواجه كافة أفراد المجتمع».
في حديثها مع «السفير» تروي نهلة اللهالية قصة ولدها، الطفل ليث (14 عاماً)، الذي تعرض لخطأ طبي عند ولادته، فرافقته في نموّه إعاقةٌ في الحركة والنطق ستستمر طوال حياته: «لاحظت اهتمام ليث بالتطريز، فتوجهت لمدرسة لتعليم الخياطة، وبدأ يطور مهاراته فيها، على الرغم من ارتفاع الأقساط، فهي تصل إلى مبلغ 700 دولار سنوياً، والدعم الحكومي شحيح جداً». وأضافت اللهاليه: «هناك أيضاً معوقات كثيرة يواجهها ليث في التنقل والمواصلات، كاستخدام سيارة الأجرة والمصعد، وعدم وجود أرصفة ملائمة في كثير من الشوارع، وعدم جهوزية المباني والمرافق العامة، وغياب التحذيرات أو التوعية للسائقين بما يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة ممارسة الحقّ في السير، ما يضاعف الأعباء النفسية والقلق والخوف عند ذهابه أو عودته من المدرسة».
توضح مديرة «مركز الدار البيضاء» رويدا ذياب التي يعنى مركزها بدمج الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية وتدريبهم، لـ «السفير» أن «البنية التحتية في المرافق العامة موجودة بنسبة قليلة جداً، بينما بعض البنى التحتية في الوزارات والمؤسسات الرسمية غير مجهّز حتى للكراسيّ المتحركة، كما أن المصاعد ليست مهيأة للكفيفين/ ات».
وأشارت ذياب إلى أن الصعوبة التي تواجهها المعلمات والمعلمين من ذوي الاحتياجات الخاصة عند التوظيف هي جزء من البطالة العامة التي يواجهها هذا القطاع، «لكن لاستيعابهم في المدارس القيمة الأعلى في إحداث تغييرٍ قيميّ وتربويّ واجتماعيّ. فحضورهم أمام مئات الطلاب يؤثر إيجابياً أكثر من آلاف ساعات التنظير».
من جانبه، شرح رئيس «اتحاد المعاقين» الكفيف رمزي العملة أن «ثقافة المجتمع متدنية بخصوص الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ يعاملهم بعض الأشخاص بعين الشفقة والعطف، وهذا أمر مرفوض لكون صاحب الإعاقة هو إنسان من حقه العيش في مجتمع يشعره بالأمان والمسؤولية والمساواة».
وأكّد العملة إن القوانين التي تنظّم حياة الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين هي دون مستوى الاتفاقيات الدولية، وأن أداء السلطة لا يلبي احتياجاتهم، على الرغم من توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عام 2014 اتفاقية دولية خاصة بالشأن».