| 

على الرغم من كلّ الظروف الاستثنائيّة التي يعيشها قطاع غزّة، سواء الفقر، البطالة، الحروب، الحصار الماليّ والسياسيّ، غياب أفق إقامة الدولة وإنهاء الاحتلال، والظروف المعيشيّة المترهلة، يواصل سكّان القطاع، البقعة الأكثر اكتظاظاً على مستوى العالم، تسجيل نسبة مرتفعة جداً من المواليد الجدد. وبحسب آخر إحصائيّة أصدرتها وزارة الصحّة الفلسطينية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يولد طفل كلّ 10 دقائق في القطاع.
كيف يُمكن لمجتمعٍ مُنهك من كلّ تلك الظروف القهرية، التي يُمكن بطريقةٍ أو بأخرى أن تحول دون لقاءٍ حميم بين شريكين، أن يُنتج هذا الرقم المرتفع نسبياً من المواليد؟ ولماذا يستمر سكان غزة في إنجاب المواليد رغم الانفتاح الثقافيّ والعلمي الذي قد يدفع بزوجين حديثين إلى أن يلجآ لتنظيم النسل مثلاً؟ ولأيّ غاية يُنجب الفلسطينيون، تحديداً سكان القطاع، في ظل حالة الاكتظاظ السكاني الرهيبة؟
«القال والقيل»
تشرح الاختصاصيّة الاجتماعيّة د. هبة عرفات لـ «السفير» أنّ طبيعة المجتمع الفلسطيني تُعتبر فتيّةً، تُحب إنجاب المواليد، كما الزواج الذي يعتبر مُبكّرا نسبيّاً عن سنّ تتراوح ما بين 18-27 عاماً مقارنة ببعض الدول الأخرى، رغم أنّ الظروف المعيشيّة والاقتصاديّة متردية للغاية. ولكن، في الغالب، هذه الظروف الصعبة هي التي ساهمت بشكلٍ كبير في ارتفاع معدلات المواليد، رغم الإغلاق والحصار ومنع حرية السفر والتنقل، بالإضافة إلى ندرة فرص العمل: «هناك عدّة عوامل تؤثر مباشرة في حثّ النساء أكثر من الرجال على إنجاب المواليد في غزّة. فحين تتزوّج أي فتاة، تبدأ النساء من حولها بترقّب حملها الأول، حتى إنّ الزوجة نفسها تكون قلقة جداً بالنسبة إلى مسألة الحمل. فإذا لم تحمل مباشرةً، فستبدأ الكثيرات من النساء من حولها بالقيل والقال، ما يُسبّب مشاكل كثيرة في الأسر والعائلات، خاصة من قبل الحموات اللاتي يتبادلن الاتهامات حول مكمن المشكلة. الزوج أو الزوجة؟»، تقول عرفات.
وتشير إلى أنّ نسبة كبيرة من النساء في غزة لديها قناعة بأنّ كثرة المواليد تمنع الزوج من التفكير في زوجة ثانية، إضافة إلى أن أخريات يبقين ينجبن حتى ولادة أول مولود ذكر، إضافة إلى سعي الرجال للعائلة الكبيرة الممتدة، إثباتاً للرجولة والمسؤولية، وعدم تفرّق الأبناء مستقبلاً، وبقائهم عصبة واحدة.
أمّا الرجال فـ «منذ أحداث عام 2007، استنكف آلاف الموظفين عن العمل. يقضون أغلب ساعات يومهم في البيت بلا عمل، وهو سبب رئيس في ارتفاع المواليد في قطاع غزّة. إليه، يضاف الفقر والبطالة اللذان يدفعان بالأزواج إلى التفريغ النفسي عبر الجنس. وكما هو معروف، فإنّ العلاقة الجنسيّة بحيويتها تمثّل شكلاً من أشكال التنفيس عن الضغط والضنك، في ظل أجواء من الحب والدفء».
الصراع الديموغرافي، الدين، وانتظار الصبي
يعدّ الصراع الديموغرافي من أبرز المعتقدات التي يصارع بها سكّان قطاع غزة الاحتلال الإسرائيليّ، إذ يخشى الإسرائيليون زيادة المواليد الفلسطينيين الجدد سواء في الداخل المحتلّ أو في الضفة الغربية والقطاع. إلّا أنّ بعض الغزيين يعتقد أن الديموغرافيا ليست مبرراً لإنجاب مزيد من المواليد في ظلّ الظروف المعيشيّة التي يعيشها سكّان القطاع منذ أكثر من عشرة أعوام.
ولكنْ، ثمة سبب هامّ يدفع الغزّيين للإنجاب وتكثيف المواليد، وهو المعتقد الديني السائد والقاضي بالتباهي بكثرة الأبناء، وحرمانيّة تحديد النسل، وجهل الكثيرين بمسألة التفريق بين التحديد والتنظيم. ما أدّى دوراً بارزاً في ازدياد أعداد المواليد، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث قلّما نجد بيتاً فلسطينيّاً عدد أفراده أقل من ستة أشخاص.
أحمد أبو غالي، وهو من سكان شمال القطاع، ومتزوج منذ 23 عاماً، وأب لتسع بنات، يؤكد لـ «السفير» أمله أن يُنجب «الصبي» قريباً. لم يترك طبيباً، أو نصيحة هنا أو هناك لإنجاب طفله الذكر إلا وأخذ بها: «أحب بناتي جداً، ولا أفرّق بينهن، حتّى إن رزقني الله بطفل فلن يكون في غلاتهن لدي، لكني أحياناً أشعر بحرجٍ شديد حين تطلب مني أمي إنجاب طفل، أو يدعو أحدهم أمامي بأن أرزق بابن. هذه الظروف تجعلني أتمسك كثيراً بإنجاب طفل، وأتمنى من الله ذلك».
أرقام غزّة
وفق تقريرٍ صادرٍ عن «جهاز الإحصاء الفلسطيني» في مطلع عام 2016، فإن قطاع غزة البالغة مساحته 360 كليومترا مربعا يعدّ من أكثر بقاع الأرض ازدحاماً بالسكان، ويسجّل لكلّ كيلو متر مربع 4661 نسمة، يعيشون في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية متردية للغاية، بعد فرض إسرائيل حصارا على القطاع في أعقاب سيطرة «حماس» عليه بالقوة العسكرية في حزيران/ يونيو 2007.
ووفق بعض الدراسات، لا توجد موانع تحول دون إتمام علاقة جنسيّة بين شريكين في لحظات الخوف، حتّى الحروب، وذلك مبنيّ على أنّ الخلايا الدماغية المسؤولة عن الشعور بالخوف والقلق والاضطراب تتوقّف جزئيّاً أثناء ممارسة الحب، بالإضافة إلى أنّ القدرة على الإحساس بالألم تنخفض نسبيّاً أثناء الجنس.
وبالنسبة إلى غالبية الفلسطينيين هنا، توجد اعتقاداتٌ راسخة بأن العامل الأهم في مسألة الإنجاب هو الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، على اعتبار أن فلسطين بشكل شبه يومي تودّع الشهداء في مسيرة النضال المتواصلة، ولا بد من تكثيف الإنجاب لتعويض الأعداد التي تستشهد. لذا، فإن جزءا من مسألة زيادة المواليد يتعلّق بالحسّ الوطني، في ظل الصراع الديموغرافي على الأرض، ناهيك عن «العزوة» والتعاضد العشائري والعائلي.
ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن عدداً من الشباب حديثي الزواج دخلوه بقناعة راسخة تفيد بأنّ كثرة الأولاد عبءٌ على ربّ الأسرة في ظل الظروف الصعبة التي يعانيها قطاع غزّة. وهم يدعون إلى تنظيم النسل وإحسان تربية الأولاد، بعيداً من الكثرة والزيادة.