| 

بلدة قراوة بني حسّان تتربع على تلةٍ مرتفعة غربي مدينة سلفيت في وسط الضفة الغربية. وهي تعد شاهدة على تعاقب الحضارات والموروث المعماريّ، تروي حكاية معلمٍ أثري مميزٍ نقشته أيادٍ ماهرةٍ، لكن الإهمال وضعف الحركة السياحية أحدّقا بهذا المعلمِ رغم روعته وندرته.
هذا المعلم هو دار الضرب، أو «بتراء سلفيت» و «البتراء الصغيرة» كما يحلو لمعظم أهالي المنطقة تسميته. إذا اقترب المرء من موقعه، فلن يلاحظه في الخطوات الأولى. لكن رويداً رويداً تبدأ الدهشة تعلو الوجوه الزائرة، عندما تلمح الأعمدة الحجرية والزخارف الأثرية المتقنة التصميم. عند المبادرة بالدخول إلى المنحوتة الحجرية الكبيرة، يظهر بشكل مفاجئ انخفاض ارتفاع المداخل، والسبب في ذلك وفق الرواية المتداولة يتمثل في إجبار الرعية وعامة الناس على الانحناء عند الدخول في حضرة السلطان أو الملك، في العصور القديمة. ولا يُعرف بالضبط عمر المكان أو كم استغرق نحته وزخرفة جُدرانه وأبوابه الحجرية.
قصّة المعلم: تنقيب إسرائيليّ بعمّال فلسطينيين
يشرح رئيس بلدية قراوة بني حسان السابق عزيز عاصي أن دار الضرب تتكون من المنحوتات والعمارة الحجرية بشكلٍ أساسي: «المعلم يضمّ صخرةً كبيرة تقع دون مستوى سطح الأرض، وغرفاً وممراتٍ وأدراجاً، بالإضافة إلى أضرحةٍ قديمة». ويؤكد عاصي أن المتخصصين في شؤون التراث والمؤرخين يُقدّرون عمر المكان بآلاف الأعوام.
ويعود سبب تسمية المكان بـ «دار الضرب» إلى أن البناء رومانيّ الأصل، والرواية التي تناقلها الأحفاد عن الأجداد بالمشافهة تقول إنه «كان يُستعمل لصك العملة أو «ضرب العملة» وعلى وجه الخصوص الذهب والفضة في العهد الروماني».
لكنّ فريقاً بحثياً من جامعة «السوربون» الفرنسية نفى رواية الأهالي عن نسب «دار الضرب» لصك العملة القديمة، مؤكداً أن هيئة المكان ومعالمه تشير إلى رصد نظامٍ «جنائزي» فيه مخصّص لدفن الأموات.
ويكمل عاصي: «هناك معالم في المكان ظلت مفقودة لمدة طويلة، وغرف مغلقة كانت غير ظاهرةٍ للعيان، بالإضافة إلى درجٍ حجريّ كان مطموراً. ظهرت كلها عندما نقّبت عنها السلطات الإسرائيلية بواسطة عمالٍ فلسطينيين»، بحسب عاصي.
لقصّة هذا المكان الأثري روايتان، الأولى تقول بأنه دارٌ لصكّ العملة أو «ضربها» باللغة العامية المتداولة، بينما الرواية الثانية ترى أنه عبارة عن مقبرة للسلاطين القدماء: «التقيتُ بعددٍ من الباحثين في شؤون التاريخ وأكدوا أن نظام البناء جنائزي، وأحد الأضرحة في دار الضرب يضم رُفات ملكٍ من ملوك الحضارة الهلنستية المنتهية عام 37 قبل الميلاد»، وفق شوكت ريان، مواطن من سكان قراوة بني حسان.
مصنّف «سي»
ريان يشير إلى أن المكان يقع ضمن المناطق المصنّفة «C»، وهي مناطق نسبتها 61 في المئة من مساحة الضفّة، واقعة تماماً تحت السيطرة الإسرائيلية بحسب اتفاقية أوسلو. ما يصعّب على الجهات الرسمية التنقيب في المكان أو تفحصه. ويوضح ريان أن عزوف الشباب الفلسطيني عن دراسة تخصص السياحة والآثار يشكّل إحدى العقبات أمام قلة المتخصصين في السياحة والآثار في فلسطين. ورغم ذلك، يبدي ريان تفهمه للطلبة وتخوّفهم من عدم الحصول على فرص عملٍ في مجال الآثار.
ويعرب عاصي عن أسفه لتمكّن الإسرائيليين من التحكّم بسيرة المكان في ظل ضعف الاهتمام الرسمي من وزارة السياحة واللامبالاة الشعبية. ولفت إلى أن معظم جدران المعلم الأثري صارت تكسوها شعاراتٌ مخطوطة على الجدران، شوّهت عراقة المكان وقِدمه، بدلاً من البحث عن طرقٍ لإحيائه والمحافظة عليه.
ريان، بدوره، يشكو الإهمال السياحي للمنطقة، داعياً الجهات المتخصصة والمسؤولة لإيلاء «دار الضرب» ولو بعض اهتمامها، مشيراً إلى وجود محاولات فردية وغير منظمة لإحياء السياحة عبر تحويل المكان إلى مزارٍ يقصده الزوار الأجانب وقلةٌ من سكان المحافظات الأخرى في الضفة الغربية. ويستشهد ريان على الحال بالمثل الشعبي: «إيد وحدة ما بتصفق».
6 آلاف موقع أثري في الضفّة
في الضفّة الغربية التي تمتد أراضيها على مساحة خمسة آلافٍ ونصف كيلومتر، يوجد أكثر من ستة آلاف موقعٍ أثري، معظمها تقع إما تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة أو يعمل الاحتلال على تهويدها بقوة الأمر الواقع وعبر تكريس زيارات المستوطنين المتكررة لها. أما محافظة سلفيت فأكثر من ثلثي مواقعها الأثرية، أي ما يزيد عن مئة معلم، تخضع لمرجعية المناطق المصنفة «C».
يشرح مدير دائرة العلاقات العامة في بلدية قراوة بني حسان راضي كنعان أن «دار الضرب» أو «البتراء الصغيرة» كانت تحوي مجوهراتٍ ومعادن قيّمة، «لكن من المُرجّح أنها تعرّضت للقرصنة والسطو، حتى إن التوابيت الخاصة بالأضرحة الثلاثة غير موجودة في الوقت الحاضر».
ويوضح كنعان أن المكان بحاجةٍإلى الترميم أو على الأقل توفير أساسيات الترميم له، وإزالة شعارات الطلاء التي تملأ الجدران، وتشوّه المنظر الحضاري، وتعكّر صفو عراقة المكان التاريخي.