| 

دار الزمان دورةً كاملة واكتمل المشهد. في البدء، كان «الحزب الشيوعيّ» وكنا جزءاً من القوى الديموقراطية الإسرائيلية التي تطالب بالمساواة، ولسنا جزءاً من أيّ حركة تحرّر. للحقيقة، تحدّى «الحزب» الإجماع الصهيونيّ، لكن أصرّ على تحدّيه من داخل الموقع الإسرائيليّ، مؤمنًا بوجود حيزٍ إسرائيليّ غير صهيونيّ، ومراهنًا عليه. «منظمة التحرير الفلسطينية» هناك، بينما نحن هنا ومطلبنا المساواة. من الصعب صياغة مفهوم متماسك للمساواة في دولةٍ تقوم على أنقاضنا، مساواةٌ بين المنتصر والمهزوم، لكنني سأؤجل هذا السؤال.
يومها، كان الخطّ الأخضر غليظاً جداً وغير قابلٍ للعبور أو التجاوز.
ثم جاءت دولة المواطنين، وجاء معها مشروع التواصل مع العالم العربيّ. مشروع دولة المواطنين طالب الدولة الإسرائيليّة بتطبيع علاقاتها مع المواطنين الفلسطينيين وعدم التعامل معهم كأعداء. إنّ مشروع دولة المواطنين ما هو إلاّ تطويرٌ لمشروع المواطنة والمساواة الذي آمن به الحزب الشّيوعي، ومراهنة على حيزٍ إسرائيليّ غير صهيونيّ.
لم يمر الكثير من الوقت حتى استوعبت إسرائيل الرسمية قدرتها على تجيير خطاب المواطنة والتطبيع لمصلحتها، ولسان حالها يقول: «إذا كُنتم جديين في خطاب المواطنة فإن للخطاب مستحقات كثيرة أهمها تطبيع علاقتكم مع الدولة، وإذا شئتم ان تكونوا جزءاً فإن لذلك تبعات والتزامات وواجبات. إذا أردتم أن تعاملكم الدولة باعتبار أنّكم مواطنوها، فعليكم التعامل معها على أنّها دولتكم. المواطنة عقد اجتماعيّ، وللعقد طرفان، لا واحد».
ثم جاءت فكرة ومشروع التواصل مع العالم العربي، أيّ تطبيع علاقتنا معه. كثرت الزيارات والمهرجانات والدعوات. تعامل العالم العربي بدايةً معنا بأكفٍ من حرير، إذ وافق على أن الهوية الزرقاء مفروضة علينا. في أحيان، استثمر العالم العربيّ الرسميّ الحكوميّ باسم فلسطين، من خلال بعض ممثلينا الذين حصلوا على منصةٍ هنا ودعمٍ ماديّ هناك. نوعٌ من تبادل الموارد ومقايضة رأس المال الرمزيّ برأس المال الماديّ والسلطويّ.
إلا أن هذا العالم العربيّ - الشعبيّ بدأ هذه المرة يسأل في ما إذا كان التواصل مع هذا الجزء من الشعب الفلسطينيّ شكلا من أشكال التطبيع مع إسرائيل، بقصدٍ أو عن غير قصد. في الخمسينيّات والستينيّات كنّا خونة، ثمّ بعد ذلك تحوّلنا في نظر العالم العربي إلى أبطالٍ، ما حدا بمحمود درويش أن يصيح: «أنقذونا من هذا الحبّ القاتل!». أمّا الآن فهناك عودة ملتبسة للسؤال، خاصّة بعد «عمليّة السّلام» وإمكانيّة زيارة بعض الأقطار العربيّة والتّواصل العلني. من الصعب على المرء أن ينزع مواطنته بهذه السهولة في كلّ مرة يزور دولة عربية «معادية» كما ينزع قبعته، خاصة إذا كانت المواطنة سلاحه السرّي وركيزته الأساسية في مقارعة إسرائيل.
مع الوقت، أخذت إسرائيل تطلب وضوحاً في مواقف مواطنيها الفلسطينيين، وتحشرهم، لأن منسوب الهوية اليهودية لم يعد يحتمل أي هوية أخرى. مساحة المناورة أخذت تضيق، والجو الفاشي يزداد، وهي تطلب التزاماً بحدٍّ معين من قوانين اللعبة. القوانين التي تكرّس الهيمنة اليهودية في الحيّز العام تزداد يومًا بعد يومٍ، ومطلوبٌ من الفلسطينيّ «التّأقلم» مع هذا الوضع. وعندما اقترح الفاشي ليبرمان تغيير حدود الدولة وإخراج منطقة أمّ الفحم والمثلث الشمالي من حدود دولة إسرائيل وإعادتها للسلطة الفلسطينية، خرج الفلسطينيون سكّان هذه المناطق ليعارضوا هذه الخطّة.
العالم العربي أيضاً بدأ يتساءل عمّا سمّاه البعض «اللعب على الحبلين». مَن يريد أن يدرج فيلمه تحت اسم إسرائيل يستطيع ذلك، لكن عليه أن يتوقّع ما حصل في بيروت. لن أخوض هنا في نقاش دعاة المقاطعة في بيروت، ولا في اعتباراتهم. ولن أتطرق إلى حقيقة أن مديري المهرجان هم من طلبوا من المخرجة أن تعرض فيلمها «أمور شخصية». هذا نقاشٌ لبنانيّ بالأساس، لكني لا أجد القرار غريباً، بل أجده مفهوماً. أما إذا شاء الإخوة في الداخل الفلسطينيّ - رام الله وجنين ونابلس - اتخاذ موقفٍ مشابهٍ، فإن الأمر يبدو لي معقداً أكثر. ما يصحّ لبيروت لا يصحّ بالضرورة لرام الله في هذا السياق، وهو موضوعٌ بحاجة إلى الكثير من التروّي والاستفاضة، وليس في هذه العجالة.
الأطراف - إسرائيل والعالم العربي - تطلب موقفاً واضحاً من هذا الجزء من الشعب الفلسطينيّ. البعض في الداخل اعتقد أن الولاء لمشروع المواطنة الإسرائيليّ يتطلب منه الخدمة المدنية، لا بل حتّى الخدمة العسكرية. البعض الآخر اعتقد أن الولاء العربيّ يتطلب العمل لمصلحة «حزب الله»، وأن هذا هو المعنى الحقيقيّ للتواصل.
يبدو أنّ المعادلة النسبيّة التي حافظت على توازن معيّن لفترةٍ طويلة لم تعد صالحة بالدرجة ذاتها، وأصبح من الضّروريّ تطويرها كي تستطيع التّعامل مع الواقع الجديد والتّحدّيات الجديدة. إسرائيل ليست ذاتها، والشعب الفلسطينيّ أصبح واعيًا لذاته بصورةٍ تختلف، والعالم العربيّ لم يعد نفسه.
كيف يحافظ هذا الجزء من الشعب الفلسطيني على تماسكه وهويته؟
قد يبدو أنّ أمام هذا الجزء من الشعب الفلسطينيّ خيارين: الأول، تغليظ الخط الأخضر من جديد والتواضع في الدور الذي من الممكن أن يؤديه، لكن هذا الخيار ليس بسيطاً على الإطلاق، لا من الناحية العمليّة ولا الأخلاقيّة. ضمن الكثير من المعاني، فإنّ هذا التّوجه قد تجاوزه الوقت. أما الخيار الآخر فهو أن يُزال الالتباس، ويرتفع منسوب التّماهي. وهو خيارٌ غير مضمون العواقب، وقد يؤدّي إلى انتحارٍ مادّي أو معنويّ.
عليه، يبدو أنّ هناك ضرورة لتطوير خيار آخر.