| 

تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، تنتظر ندى حسونة دورها في طابورٍ نسائيّ طويل أمام بوابةٍ إلكترونيةٍ دائرية الشكل، تقع عند مدخل مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية في حيّ وادي الجوز في مدينة القدس.
تحمل رضيعها بإحدى ذراعيها، وبالأخرى تمسك طرف منديلها لتظلل الطفل من أشعة الشمس. تلتفت يميناً ويساراً، وتتفحص هاتفها النقّال، بينما تزفر الهواء بتوترٍ وقلق: «حضرت هنا عند الساعة السادسة صباحاً لأحجز دوري في الطابور، مرّت ساعتان حتى الآن ولم تفتح البوابة بعد. ليس أمامنا إلا الإنتظار،» تقول ندى التي تبلغ من العمر 28 سنة، وهي من سكان مدينة القدس، تزوجت منذ سبع سنوات من شاب من مدينة جنين شمال الضفة الغربية. على مدار الأعوام الماضية، واظبت ندى على الحضور إلى هنا من حينٍ إلى آخر، لمتابعة طلب لم شمل زوجها، ليتسنى للأسرة العيش معا تحت سقف واحد.
يتحكمون بمن نتزوج
قدّمت ندى طلب لمّ الشمل منذ سبع سنوات، وتمّ رفضه مراراً من دون مبرّر. ما اضطرها على ترك بيت الزوجيّة والعودة إلى بيت أهلها في القدس حيث تعيش الآن. أما زوجها فيعيش ويعمل في مدينة جنين. «أذهب إليه كلّ شهر لعدّة أيام فقط. إنها حياة صعبة. لقد حاولنا بكلّ الطرق إصدار تصريح له من دون جدوى. هم (الإسرائيليون) يتحكمون بمن نحب ونتزوج».
قضية ندى ليست استثناء، فهي واحدة من عشرات آلاف الأسر التي يحمل أحد أفرادها إقامةً دائمة أو مواطَنة إسرائيلية، بينما يكون الآخر من سكان الضفة الغربية أو قطاع غزة ويحمل وثيقة فلسطينية. في العام 2002، سنّت إسرائيل قانون «المواطنة والدخول إلى إسرائيل»، الذي يحمل صفة «أمر مؤقت»، يتم تجديده كلّ عام، ويحرم 130 ألف عائلة فلسطينية، ممن يحمل أحد الزوجين فيها الهوية الإسرائيلية، من لمّ شملها. بموجب القانون أيضاً، لا يستطيع الأزواج العيش معاً في إسرائيل (بما في ذلك شرقي القدس) من دون تصريح. أما إذا انتقلوا للعيش في المناطق الفلسطينية، فيُعتبر الإسرائيلي منهم مخالفاً للقانون، ويواجه عقوبات تصل حدّ سحب إقامته اذا كان من سكّان القدس، أو تجميد حقوقه المدنية إذا كان من حملة المواطنة الإسرائيلية، كما هي الحال بالنسبة الى الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1948. يشير تقرير صادر عن «المركز الإسرائيلي للدفاع عن الفرد ـ موكيد» و «مؤسسة بتسيلم الحقوقية»، الى سحب السلطات الاسرائيلية للاقامة من حوالي 14 الف فلسطيني من سكان القدس بين عامي 1967 و2015، ، من دون مسوغ قانوني. وتعمد إسرائيل إلى إلغاء حق الإقامة لسكان المدينة في حال التغيب عنها لمدة سبع سنوات متواصلة، سواءً بالسفر للخارج أو الانتقال للعيش في الضفة أو قطاع غزة.
للمفارقة، تطلب وزارة الداخلية من المتقدمين بطلبات لمّ شمل، إبراز وثائق تثبت أنهم مقيمون داخل اسرائيل، كعقود إيجار وفواتير ماء وكهرباء واثباتات الضرائب المطلوبة. في الوقت نفسه، تمنع أحد الأزواج من الدخول إلى إسرائيل برفضها إصدار الوثائق اللازمة لذلك. دفعت هذه السياسة بالكثير من الأسر إلى النزوح إلى خارج المدن، خصوصاً القدس، والانتقال للسكن في تجمعات مهمشة خارج جدار الضم والتوسع، الذي يفصل بين الضفة الغربية والاراضي المحتلة عام 1948. شكلياً، تصنف هذه المناطق إنها واقعة تحت سيطرت بلدية القدس، مثل ضاحيتي كفر عقب ورأس خميس الى الشمال والشرق من المدينة المقدسة.
جاءت حركة النزوح إلى تلك المناطق لعدة أسباب، منها تجميد طلبات لمّ شمل العائلات والحاجة إلى إثبات سكنها في مكانٍ تحت سيطرة إسرائيل. فيستطيع الأزواج السكن من دون الحاجة إلى تصاريح إقامة. كذلك، وفرت تلك المناطق مساكن للأزواج الشباب من المقدسيين، لأن إسرائيل تمنع العرب من البناء والتوسع داخل المدينة. وتقوم إسرائيل بجبي الضرائب من تلك المناطق، ولا تقدّم لها في المقابل أيّ خدماتٍ تذكر. أصبحت هذه المناطق مكتظة جداً، وتعاني من الفوضى والنقص الحاد في الخدمات الأساسية.
«القنبلة الديمغرافية»: الباب الخلفي لإسرائيل
تمسّ سياسة التجميد بحق الأفراد بالزواج والحياة الأسرية لعشرات آلاف الفلسطينيين. ويشرح المحامي والحقوقي معين عودة: «لا يستطيع الزوجان العيش معاً تحت سقفٍ واحد، فيضطر الأولاد الى أن يكبروا مع أحد الوالدين فقط. لون الوثيقة وطبيعتها تحدّد علاقات الحب والزواج بين أبناء الشعب الفلسطينيّ. صارت الأسر تسأل عن نوع الوثيقة التي يحملها العريس قبل الموافقة أو رفض طلب الزواج من إبنتهم. هم لا يريدون لها أن تعيش حياة من المعاناة والتشرد».
يعتقد عودة أن السبب الأساسي خلف هذه السياسات هو ما يطلق عليه الإسرائيليون تسمية «القنبلة الديمغرافية»، وليس الإحتياجات الأمنيّة كما يدّعون. لذا، تحاول إسرائيل، وبكل الوسائل، الحفاظ على توازنٍ ديمغرافيّ يكون فيه اليهود هم الأغلبية، من خلال طرد السكان الفلسطينيين والاستيلاء على املاكهم، واستقطاب مهاجرين يهود من حول العالم لتوطينهم مكانهم: «يدعي الاسرائيليون أن لم الشمل يزيد عدد العرب داخل اسرائيل، ويشكل تهديدا امنيا وديمغرافيا عليهم. ويصفونه بأنه تطبيق لحق العودة للفلسطينيين من الباب الخلفي لاسرائيل».
لكن المعطيات على الأرض تأتي بما لا تشتهيه إسرائيل، كما يلاحظ الدكتور والباحث في الشؤون الإسرائيلية عبد العزيز نصار. ويشير إلى بيانات الجهاز الإحصائي الفلسطيني التي تظهر أن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ نهاية عام 2015 حوالي 12.4 مليون نسمة، ما يعني أن العدد تضاعف 8.9 مرة منذ أحداث نكبة 1948. وفيما يتعلق بعدد الفلسطينيين المقيمين حالياً في فلسطين التاريخية (ما بين النهر والبحر)، فإن البيانات تشير إلى أن عددهم بلغ نهاية عام 2015 حوالي 6.2 مليون نسمة، ومن المتوقع ان يبلغ عددهم نحو 7.1 مليون بحلول نهاية عام 2020، أي بمعدل نمو نسبته تقارب 3.1 في المئة. بحسب هذه المعطيات، يتضاعف الفلسطينيون مرة كلّ عشرين عاماً، اما الإسرائيليون فمرة كل 47 عاماً.
ألوان الباسبورات والحياة
على الرغم من الإنطباع الذي تخلّفه هذه الديناميّة أحياناً، فإن إسرائيل ما زالت تسيطر على حياة الفلسطينيين الذي يعيشون في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة. هي تملك الصلاحية في المصادقة أو رفض طلبات لم شمل العائلات، وكذلك تدير آلية التواصل بين أبناء المجتمع الفلسطيني. لذلك، ابتدعت اسرائيل سياسات صنّفت الفلسطينيين بحسب مكان سكنهم أو لون الوثيقة التي يحملونها وطبيعتها. فمثلاً، يحمل الفلسطينيون المقيمون داخل الاراضي المحتلة في العام 1948 المواطنة الإسرائيلية، ويحمل سكان القدس بطاقات هوية زرقاء اللون عبارة عن إقامة دائمة. أما سكان الضفة وقطاع غزة فيحملون بطاقة هوية خضراء اللون لا تسمح لهم بالدخول إلى اسرائيل إلا بعد الحصول على تصريحٍ بذلك.
تهدف هذه السياسات الى السيطرة على الأرض والإنسان الفلسطيني وهي تجد تتمتها في مصادرة الأراضي وهدم المساكن والمنشآت وتهجير قاطنيها. وتشير الاحصاءات الى مصادرة 6,386 دونم من أراضي الضفة الغربية في العام 2015. وكذلك الى هدم 645 مسكناً ومنشأة أدّى إلى تهجير 2,180 فرداً، منهم 1,108 أطفال في الضفة الغربية والقدس.
ختاماً، يرى الدكتور نصار أن هذه السياسات في تصاعد مستمر، «وقد صارت أكثر عنصرية وشراسة في ظل الوضع العربي الراهن، وتجاهل المؤسسات الحقوقية الدولية لاسرائيل وسياساتها». ولكن، «اسرائيل ستبقى عاجزة عن مواجهة الخطر الديمغرافي الناتج عن النمو الطبيعي للمجتمع الفلسطيني، والذي سيصبح مستقبلاً أغلبيةً تفرض نفسها واقعاً على الأرض، وهذا ما تشير إليه الدراسات والإحصاءات الراهنة».