| 

لطالما دأبت آذاننا على سماع الشعارات الرنّانة التي ترفعها الأحزاب الفلسطينيّة في كلّ المحافل والمناسبات، تنادي بدعم المرأة ومساندتها، وضمان حقّ مشاركتها في جميع مجالات الحياة، ومساواتها مع الرجل كما في الأحزاب اليساريّة، أو إعطائها أدواراً ومهام تتشارك فيها مع الرجل كما في الاحزاب الإسلاميّة التي ترفض المساواة المطلقة بين الجنسين. إلا أن الواقع يختلف تماماً عن أدبيات ونظم تلك الأحزاب، التي أجمعت على أن الذكورية هي التي حالت دون تطبيق ما تم تدوينه في مرجعياتهم الفكرية.
في هذا الصدد، حاورت «السفير» قيادات العمل النسويّ في غزّة من «الجبهة الشعبية» و «حركة حماس» و «الجهاد الإسلامي»، للوقوف على بيّنة من العمل والأجواء المحيطة به والتحدّيات.
«الشعبية»: شدٌّ وجذبٌ مع المجتمع
البداية كانت مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وهي حركة انبثقت عن «حركة القوميين العرب» بعد هزيمة العام 1967، لتبدأ عملها السياسيّ والنضاليّ ضد الاحتلال بفكرٍ ماركسيّ، وعمقٍ عربيّ، ووجهٍ فلسطينيّ. المرأة هي جزءٌ لا يتجزأ من تشكيل الحركة منذ تأسيسها، كما أكدت مريم أبو دقة مسؤولة العمل النقابي والجماهيري في «الجبهة».
وتقول أبو دقة: «العضوية لدينا غير مرتبطة بالجنس، ولا يوجد لدينا قطاع منفرد للعمل النسائيّ، إذ يعتمد النظام الداخليّ في الجبهة على مبدأ الكفاءة، من دون التفرقة بين ذكر أو أنثى». وتبيّن أبو دقة أنها كانت مسؤولة «الجبهة الشعبية» خلال الحرب الأخيرة على غزة، واستطاعت إدارة جميع القطاعات، خاصّةً العسكرية، موضحة أن «الجبهة تميّزت منذ انطلاقتها بإقحام المرأة بالكفاح المسلح، إيماناً منها بأهمية المشاركة في جميع القطاعات». وإذ تنفي الأقوال التي تردّدت بعد تخريج الجبهة لفوجٍ من العسكريات بأنه مجرد استعراض: «الظاهرة ليست جديدة، ولكن الجبهة كغيرها من الأحزاب اليساريّة تأثّرت بالوضع الحالي للقطاع، وهذا ما حال دون انتشارها»، وفق ما تقول أبو دقة.
وعلى المستوى المجتمعي، تشرح أبو دقة الحال لـ «السفير»: «بدلاً من أن يكون همّ المرأة الأول مواجهة الاحتلال، أصبحت عليها مواجهة نظرة المجتمع المحافظ والمتديّن، خاصةً أن الفكر السلفيّ الأكثر تشدّداً بدأ يظهر في الآونة الأخيرة وبشكل واسع، وغدت الانتقادات على لباس المرأة وطريقة تحدثها وخروجها وسفرها هي شغلهم الشاغل».
وتوضح أن أدبيّات ومرجعيات «الجبهة» لا تضطهد المرأة، ولكن لا يتم تطبيقها على أرض الواقع بشكلٍ كامل، مبيّنة أن «أفراد الحزب هم جزءٌ من المجتمع، ويحملون بعضاً من أفكاره، وإن ليس بدرجةٍ مساوية لمن هم خارجه».
النساء يشكلن نسبة تقارب 20 في المئة من أعضاء المكتب السياسيّ للجبهة، ما تعتبره أبو دقة تقدّماً وإنجازاً في العمل النسويّ، إذ لم يكن لها أي وجود في المكتب قبل العام 2000. أما في حركتي «حماس» و «الجهاد» فليس للنساء أيّ تمثيلٍ يُذكَر، لحجج فنيّة وأمنيّة واهية.
وتبرر أبو دقة النسبة المنخفضة من المواقع التي تستحوذ عليها المرأة في المكتب، بأن «المساواة الكاملة بين الجنسين هي فكرٌ مثاليّ»، على الرغم من أنها تبدي طموحها في زيادة تمثيلهن سياسياً، مؤكدة أنها ترفض إعطاء المرأة أيّ منصب «لكونها إمرأة فقط إن لم تكن ذات كفاءة». وتقول: «نحن نعيش في مجتمعٍ ذكوريّ يظن أن الرجل هو أكثر قدرة على القيادة من المرأة، بدعوى أنها لا تستطيع القيام بمهامها عند حدّ وسنّ معيّنين».
أما الرواتب التي لا يتساوى فيها الجنسان لدى الحركات الإسلامية، بزعم أن المرأة غير مسؤولة عن مصروفات البيت ونفقاته، فهي تخضع في الحركات اليساريّة لقانون العمل وعدد أفراد الأسرة وسنوات الخدمة.
«حماس»: لو وُجدت المرأة المناسبة..
في «حركة حماس»، كان العمل النسويّ مؤسسياً قبل أن تعلن عنه رسمياً في العام 2003، بعد دمج مؤسسات تربويّة وخيريّة عدّة كانت ترعاها. وعلى اعتبار أن «الحركة» تعتبر نفسها أنها تعتمد مبدأ تكامل الأدوار بين الجنسين، يقع الدور الأساسي على المرأة في التربية والتوعية الاجتماعيّة والدينيّة.
وتشرح مسؤولة العمل النسائي في «حماس» رجاء الحلبي لـ «السفير»: «بداية العمل النسوي كان في الجامعة الإسلامية من خلال النشاط الطلابيّ للطالبات، وتمثّل في التظاهرات ومجابهة الاحتلال، والأنشطة الدعوية والخيرية». وتلفت الحلبي إلى أنهن كن يلتقين بالشيخ أحمد ياسين، مؤسس الحركة في المساجد، إذ كان يعطيهن ندوات تربوية ودعوية، يتطرق خلالها للأوضاع السياسيّة، مؤكّدةً على «ضرورة التثقيف الاجتماعيّ والإسلاميّ قبل خوض أيّ غمارٍ سياسيّ».
وتجد أن عملهن متكامل مع الرجال، «إذ تتشارك النساء معهم جميع دوائر الحركة»، مشيرة إلى أنهن يمتلكن هيكلية خاصة بهن، ويتم إقرار خطط عملهن من القيادة العليا للحركة.
وتلفت الحلبي إلى عدم وجود ملفّ عسكريّ في هيكليتهن لظروفٍ فنية - لم تفسرها -، إلا أنهن يحاولن عمل مخيمات صفيّة عسكريّة للفتيات: «نظرة الحركة للمرأة هي نظرة منصفة معتدلة، كما جاء بها الإسلام»، تقول الحلبي.
وعلى الرغم من رضى الحلبي على دور المرأة في الحركة، إلا أنها لا تنفي وجود بعض التجاوزات التي تحدّ من تقدّم المرأة في الحركة. ونفت الحلبي إقصاء المرأة عن المكتب السياسيّ للحركة، وبرّرته بدواعٍ أمنيّة وفنيّة، مشيرة إلى أن طلب الانضمام إليه قيد الدراسة راهناً كما أبلغتهن القيادة العليا.
وتتابع: «لو وجدت المرأة المناسبة، بالتأكيد لما تأخرت الحركة عن ضمّها إليه»!
«الجهاد»: رجلٌ يدير العمل النسائيّ
بالانتقال إلى حركة «الجهاد الإسلاميّ»، يتضح أنها لم تختلف في بداية انطلاق العمل النسويّ فيها عن «حركة حماس»، إذ بدأ كنشاطٍ طلابيّ باسم الجماعة الإسلامية، هدفه إعادة الإسلام إلى وجه الحياة الاجتماعية والسياسيّة، من خلال الملتقيات والأنشطة التربويّة والدعويّة.
مسؤول ملف العمل النسائي في «الجهاد» هو رجلٌ اسمه إبراهيم النجار. وحول استغراب «السفير» من تولّي النجار قيادة العمل النسوي بالحركة، أفاد بأن «المرأة لا تحب أن تقودها امرأة»، مبيناً أن «قرار القيادة العليا بتعيين رجل لهذا المنصب جاء عن وعي وفهم لطبيعة المرأة».
من موقعه، يروي لـ «السفير» عن «أهمية مشاركة المرأة في الحركة»، محدداً أنه «يكمن في التنشئة والتربية الإسلاميّة السليمة، إذ تنعكس بدورها على سلوك ووعي أبنائها». وهو يرى أن «المورثات الثقافية والاجتماعيّة هي التي تحول دون تقدّم المرأة»، نافياً أن يكون الإسلام عائقاً في ذلك.
ويشرح أن العمل النسائيّ يضم تحت جناحه ملفات عدّة، منها الدعويّ، والاجتماعيّ، والإعلاميّ، والتواصل الاجتماعيّ، والفعاليات والأنشطة، بالإضافة إلى الملف الثقافيّ.
ويغيب الملف السياسي والعسكريّ عن النساء في «الجهاد»، تماماً كباقي الحركات الإسلاميّة. يبرر النجّار ذلك بحجّة أن «السرايا»، وهي الجناح العسكري لـ «الجهاد»، لم تطلب دعماً من النساء، بالإضافة إلى أن العمل العسكريّ الذي قد لا يناسب المرأة، مؤكداً أن ما ينقص هو المال والسلاح وليس العناصر. وعن سبب تغييب النساء عن العمل السياسي، يستدعي الحجة نفسها، إذ يؤكد النجار أن «الحركة لا تقلل من قيمة المرأة، ولكن التراث الاجتماعي قد يحول في أحيانٍ كثيرة دون مشاركتها السياسية»، مستدركاً بأنه «في حالة وجود امرأة كفؤ، لن تتأخّر الحركة عن ضمّها للمكتب».
الحركة النسوية الحزبية: لا وجود لها في الواقع
تقييماً للحركة النسوية في الأحزاب الفلسطينية، تقول الباحثة النسوية زينب الغنيمي لـ «السفير»: «الحركة النسوية لا وجود واقعي لها في الأحزاب، فالهيمنة الذكورية والجمود الفكري والثقافي في المجتمع، وأتى ركوب الحركة الإسلامية على الحكم ليؤثر سلباً على حال المرأة».
الأحزاب اليسارية التي تنادي بحريّة المرأة وضرورة مساواتها مع الرجل، «لم تعد قادرة على أن تكون مخلصة لمبادئها، وغدت تلك الشعارات مجرد نصوص مدونة في مرجعياتهم ومنظوماتهم لا تطبق على أرض الواقع، إذ اضطروا أن يتنازلوا عن ايدلوجيتهم، في محاولة منهم إلى الانسياق مع التأييد المجتمعي للحركات الإسلامية»، وفق ما تقول الغنيمي.
وتؤكد أن «الحركات الإسلامية، بعد وصول «حماس» إلى الحكم، استطاعت أن تقوّي نفسها، وتستقطب عدداً كبيراً من النساء إلى صفوفها»، معتبرة أن «وجود حزب إسلامي في السلطة يكون له تأثير وقدرة على الاستقطاب أكثر من باقي الأحزاب، من خلال ربط مصالح السيدات بانتمائهن أو تأييدهن للحزب».
وتؤكد الغنيمي أنّ «كل الأحزاب الفلسطينية تستخدم المرأة لمصلحة الحزب، وتعتبر عملها مقتصراً على التعبئة والحشد ورفع الأعلام في التظاهرات والانطلاقات»، مؤكدة أنهم «غير معنيين بتنشئة المرأة سياسياً».
الثقافة الذكورية التي يحملها الطرفان، ومحاولة إلغاء الآخر، والمورثات الثقافية والاجتماعيّة والدينية، تعدّ من أهم العوائق التي تواجه تقدّم المرأة الفلسطينيّة في الأحزاب السياسيّة. ويكمن الحلّ في «تثقيف الطرفين إلى أهمية دورهما في المجمتع».