| 

«إنّا نحب الورد، لكنّا نحبُ القمحَ أكثر»، قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش. ومع انطلاق موسم الحصاد في غزّة تحت قيد أشعة الشمس اللاهبة، يسابق الفلاحون الرصاص الإسرائيليّ في حصاد قمحهم، قبل أن تُوغل معاول العدو في حقولهم، وتحوّل لقمة عيشهم إلى نارٍ تأكل الأخضر واليابس.
لا تخلو مُهمّة حصاد مزروعات القمح والشعير في أراضي المزارعين في قطاع غزّة من المخاطر والمُنغّصات الإسرائيليّة، كون غالبيّة الأراضي الزراعيّة في القطاع الساحلي تقع بالقرب من الشريط الحدودي الشرقي للقطاع، الذي يشهد بين الحين والآخر عمليّات توغّل لآليّات الاحتلال الإسرائيلي، وإطلاق قذائف مدفعيّة، عدا عن الاستهداف المُباشر للمزارعين في أثناء عملهم في أراضيهم.
وكان تقرير حقوقي أصدره مؤخراً «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» قد أفاد بأنّ نسبة 35 في المئة من مساحة الأراضي الزراعيّة في قطاع غزة، التي تمثل نحو 17 في المئة من مساحة قطاع غزة ككلّ، يصعب على المزارعين الوصول إليها كون الاحتلال صنّفها كمنطقة عازلة. وأشار التقرير إلى أن اتفاق الهدنة الموقع بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في العام 2014 لم يساهم في تحسين وضع الفلسطينيين في المناطق الحدودية المحظور الوصول إليها.
النار في الحقل
مع انطلاق الموسم في هذا العام، استشهدت سيّدة فلسطينيّة قبل أيّام، بينما كانت تعمل على حصاد القمح من أرضها الزراعيّة، نتيجة إصابتها بشظايا قذيفة مدفعيّة أطلقتها آليّة إسرائيليّة بالقرب من الشريط الحدودي، في ظل حالة التصعيد الأمني والتوتّر الشديد القائمة على الشريط الحدودي الشرقي مؤخراً.
حسبما أفاد أقرباء الشهيدة زينة العمور (55 عاماً) لـ «السفير»، فهي كانت تعمل في أرضها الزراعيّة في منطقة «الفخّاري»، إلى الشمال الشرقي من محافظة رفح، في جنوب القطاع، وتقوم بحصاد مزروعات القمح التي حان وقت قطافها، فأُصيبت إصابة بالغة أثر سقوط قذيفة مدفعيّة إسرائيليّة على مقربة منها، أدّت إلى استشهادها في وقت لاحق.
ويشرح المزارع رسمي قديح، من بلدة «حُزاعة» الحدوديّة شرق محافظة خان يونس، لـ «السفير» أنه «رغم بدء موسم الحصاد في القطاع، إلا أن المزارعين غير قادرين على الوصول لأراضيهم والقيام بأعمالهم فيها بحرية تامة، في ظل إطلاق النار المتواصل من قبل الإحتلال الإسرائيليّ على طول الشريط الحدوديّ الشرقي، وتحديد أوقات معيّنة للعمل من قبل الاحتلال».
يكمل: «دائماً، يتعمّد الاحتلال إطلاق النار صوب المزارعين حين يأتي وقت الحصاد، ليحرق لقمة عيش المزارع الفلسطيني، ويمنعه من الوصول إليها.. أشهر طويلة ونحن ننتظر أن يحين حصاد مزروعات القمح والشعير وغيرها، وحين يأتي الوقت، لا نتمكّن من الوصول إلى أراضينا.. هذه سياسة الاحتلال الإسرائيليّ».
يُشير المزارع قديح إلى أنّ عائلته المكوّنة من 11 فرداً تعتمد كليّاً على مهنة الزراعة والفلاحة، وتُشاركه العمل في موسم الحصاد الذي يحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة، بيد أنّه يُشير إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي يحاول فرض واقع جديد على المزارعين على طول الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزّة، يتم بموجبه تقديم خط الحدود إلى داخل أراضي المواطنين الزراعيّة، بحجّة محاربة أنفاق المقاومة».
حجّة الأنفاق لضمّ الأرض
يشرح المزارع عبد الباري أبو دقة، من حي «الفخاري» شرق القطاع، الذي عجز عن الوصول إلى أرضه الزراعيّة التي تبلغ مساحتها 20 دونماً «نتيجة استمرار القصف الإسرائيلي»، أنّ تأخير وقت الحصاد ينعكس بالسلب على جودة القمح والشعير المحصود، وكذلك على «التبن»، فالأخير ينتج عن عمليّة دراسة المزروعات، حيث يتم فصل الحبوب عن «التبن». ويشدد أبو دقة على أن «الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم باتفاقيّات الهدنة السابقة التي كفلت حق وصول المزارعين لأراضيهم القريبة من الحدود».
ويضيف: «إسرائيل تتحجج بوجود أنفاق للمقاومة في تلك الأراضي القريبة من الحدود، وهي حجّة إسرائيليّة لتقديم الخط الفاصل أكثر وأكثر داخل أراضي قطاع غزّة، كما كان يحدث دائماً، والسيطرة على أراضي المزارعين، وحرمانهم من الوصول لأراضيهم؛ لأن مجرد وصول المزارعين إلى أراضيهم القريبة من الحدود يُغيظ الاحتلال».
أما الحاجة رائدة ملوح، التي تمتلك أرضاً زراعيّة بالقرب من موقع «صوفا» العسكري في جنوب شرق القطاع، فتروي لـ «السفير»: «حين يرانا الجيش الإسرائيلي قادمين إلى أراضينا من جهة الغرب، إما يقوم بإطلاق النار علينا للرجوع، وعدم الوصول لمزارعنا لفلاحتها، أو يتركنا نعمل لدقائق قليلة ثم ينادي علينا بمكبرات الصوت لنخرج من المنطقة. فقد باتت منطقة عسكريّة مُغلقة، ويُحظر التواجد فيها».
تُشير ملوح إلى أنّ المزارعين لا يستطيعون البقاء في أراضيهم والعمل تحت وابل من الرصاص والقذائف المدفعيّة الإسرائيليّة، خاصة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتوانى عن قتل كل من يقترب من الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزّة، وهي مناطق بعيدة عن تجمّعات السكّان.
وتذكر «السفير»: «في موسم حصاد للقمح والشعير عادةً، تكون الأجواء مختلفة عن الآن تماماً. نقوم بتجهيز عدّة الحصاد، ومن سيشاركنا في الحصاد، وننشد الأغاني التراثيّة الفلسطينيّة الخاصة بموسم الحصاد، وكأن الحصاد يشبه زفة العريس، ونكون مستمتعين بالعمل الجماعي في أراضينا، لكن الأوضاع مخيفة ومقلقة، ونحن غير قادرين على الوصول لأراضينا».
وفق الستينيّة ملوح، اعتاد المزارعون على ترديد بعض الأغاني الشعبية التراثية للترويح عن أنفسهم ونسيان التعب والمشقة التي يُكابدها المزارعون أثناء حصاد القمح والشعير. وتختص كل مهنة بأغانٍ معينة، ومن الأغاني التي يرددونها أثناء الحصاد: «أنا خيال المنجل.. والمنجل خيال الزرع.. منجلي يابو الخراخش.. منجلي في الزرع طافش.. منجلي يا منجلاه.. أخذته للصايغ جلاه.. يا منجلي يا أبو رزة.. ويش جابك من بلاد غزة». كما يتمنى الفلاح دوام الخير رغم التعب فيقول: «يا ريت الحصيدة كل عام تعود.. ونحصد الحصايد وندرس ع القاعود».
وبلهجةٍ ممتعة، تجبرك على الإصغاء، فتشرح ملوح: «نقوم جميعاً، رجالاً ونساء، بحصاد القمح والشعير في شهري مايو ويونيو بالمناجل والقواليش (أدوات الحصاد)، بينما تقوم النساء بتغمير الزرع (تجميعه على شكل أكوام) ووضعه على القوادم (أداة تثبت على ظهر الدابة بعد ربط الزرع عليها) وتحميله على الدواب ونقله إلى البيدر».
في المرحلة التالية، «يقوم الرجال بعملية دراسة الزرع بواسطة آلة (الدراسة)، وقديماً كان الفلاحون يدرسون القمح عن طريق الدواب. وبعد ذلك، يُجمع المحصول في كومة واحدة، ويقوم الرجال بعملية التذرية أي فصل التبن عن الحبوب باستخدام المذراة والاستفادة من الهواء لطرد التبن بعيداً عن الحبوب».
في الخطوة الأخيرة، «وبعد فصل الحبوب عن التبن، يقوم الرجال بعملية الكربلة بواسطة الكربال أي (الغربال)، وبذلك تكون الحبوب جاهزة للتعبئة في أكياس بعد أن يكون المزارع قد أخرج زكاة المحصول، ومن ثم يتم التخزين أو التوجه للمطاحن وطحن المحصول للحصول على الدقيق اللازم لإعداد الخبز وتوفير لقمة العيش لعائلاتنا».