| 

في مثل هذه الأيام منذ 68 عاماً، سقطت يافا. وعلى مرّ هذه السنوات، تغيّرت يافا. ولهذه التجربة خصوصيّة وقصّة، نستعيدها هنا، بدءاً من قرار التقسيم حتى يومنا هذا.
قبل صدور قرار التقسيم الذي أقرّته الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947، كان يُفترض أن تبقى مدينة يافا جيبًا فلسطينيّاً ضمن "الدولة اليهوديّة". في ذلك الوقت، أقام في يافا 85 ألف فلسطينيّ /ة.
لم تمرّ 24 ساعة على صدور قرار التقسيم قبل أن يضطر الفلسطينيون الى نشر القنّاصة والتصدّي للهجمات التي نفّذها الصهاينة. وبحسب مزاعم "المنظمة العسكريّة القوميّة" (تُختصر الأحرف الأولى من اسمها بالعبريّة لتصبح "إتسل")، فإنّ المقاومة الفلسطينيّة شنّت هجماتها من يافا على تل أبيب، وأسفرت عن إصابة المئات من الصهاينة خلال خمسة أشهر.



تباين إسرائيلي حول قرار الاحتلال

"إتسل" هي المنظمة ذاتها التي تطلق عليها الأدبيات الفلسطينيّة اسم "الأرغون"، وتعني "المنظّمة" بالعبريّة، وقد تجاوز عدد عناصرها عدة آلاف، وامتلكت جهاز استخبارات. اتخذت "إتسل" قرار احتلال يافا بمبادرةٍ ذاتيّة ومستقلّة ومن دون أخذ موافقة "الهاغاناه" التي عارضت وقتها احتلال يافا.
الموقف الذي أعلنته آنذاك قيادة "اليشوف"، وهو مصطلح يدلّ على قيادة الحركة الصهيونيّة في فلسطين قبل الإعلان عن إنشاء اسرائيل، أفاد بعدم الموافقة على احتلال مناطق "مُنحت للعرب" ضمن قرار التقسيم.
ونظراً لكون "الهاغاناه" جيشاً مكوّناً من عشرات الآلاف من الجنود المدرّبين، يمتلك سلاحي طيران وبحريّة، وجهاز استخبارات، وقوات صاعقة، وإذاعة، جاءت معارضتها لاحتلال يافا في تلك اللحظة بالذات نتيجة خشيتها من استفزاز الجيش البريطانيّ، الذي كان يمتلك قاعدةً عسكريّةً مركزيّةً في المدينة.
ومع ذلك، ضربت قوّة من "الهاغاناه" ضمن لواء الكسندروني حصاراً على يافا بدءاً من 28 نيسان /أبريل، بهدف السيطرة على محيطها من الناحيتين الجنوبية والشرقية المحاذيتين لتل أبيب. وكانت تلك الخطوة ثمرةً لفرضية توصّل لها قادة "الهاغاناه" توقّعت إما أن يدفع الحصار بأهالي يافا إلى الاستسلام أو يجبرهم على الهرب، فتخلو للصهاينة الساحة، من دون الدخول في مواجهة مع القوّات البريطانيّة القريبة من المكان.
من جهتها، اعتقدت قيادة "اتسل" أن سقوط يافا سيؤدّي إلى سقوط كلّ القرى المجاورة لها. لذلك، قرّرت احتلالها. كذلك، "اتسل" افترضت أن الجيش البريطانيّ لن يمتلك الدافعية لقتالها، لأن انسحابه من فلسطين كان مجدولاً بعد ثلاثة أسابيع. ولذلك، في يوم الأحد الواقع فيه الخامس والعشرون من شهر نيسان 1948، خرج ستمئة مقاتل في "اتسل" من تل أبيب لاحتلال يافا. وقبل البدء بالهجوم، ظهر إلى العلن للمرة الأولى مناحيم بيغين، قائد "اتسل" الذي كان يعيش متخفياً خشية أن تعتقله سلطات الانتداب البريطانيّ، وخطب في جنوده المتأهبين للهجوم. ظهور بيغين العلنيّ رفع معنويات جنوده.

الهجوم: يأسٌ، ثم خطّة!

هاجمت "اتسل" يافا من اتجاهين على مدار يومين، وأمطرت المدينة بقذائف الهاون بشكل متواصل على مدار ثلاثة أيام. في أول يومين من القصف، قُذف مركز المدينة بتسعة أطنان من المتفجرات، وكان هدف القصف - بحسب قائد عمليات "اتسل" آنذاك عميحاي فايغلين ـ هو شلّ حركة المدافعين، وكسر روح المقاومة لديهم، وإجبار السكان المدنيين على الهرب بشكلٍ جماعيّ.
تصدّى المدافعون عن يافا للهجوم المكثّف العنيف، وكان من بينهم متطوعون وفدوا من اليمن والعراق. في النهار، كانت "اتسل" تواصل هجومها. وفي الليل، كانت تعود لدفن قتلاها. في نهاية اليوم الثاني من القتال، استدعى بيغين قادة القوّة المهاجمة وخاطبهم بالقول: "حاولنا ولم نستطع، لقد تصدّت لنا قوات تفوقنا عدداً، هذا ليس عاراً، فلننتظر فرصةً أخرى". من دون تنسيق، نهض قادة "اتسل" وامتعضوا من حديث بيغين، وواجهوه بالصراخ. بيغين وصف الحادثة لاحقاً بـ "التمرّد". ثم نهض أحد قادة "اتسل" المشاركين في الهجوم على يافا، وتوجّه إلى بيغين بالقول: "قائدنا، خلال اليومين الماضيين درست الجبهة. امنحني 24 ساعة إضافية وسأنجح في إنجاز احتلال المدينة". نزل بيغين عند مطالب جنوده. وتم اعتماد خطة جديدة لاحتلال يافا، تضمّنت خفض عدد القوّة المهاجمة إلى الثلث بعد اختيار "أكثر المقاتلين شجاعة".
الخطوة الثانية التي اعتمدتها "اتسل" في الخطة الجديدة اقتضت التقدّم نحو المدينة عبر الجدران. استخدم المهاجمون المطارق الكبيرة لإحداث فجوات في جدران المنازل، ثم المرور من غرفةٍ إلى غرفة ومن بيتٍ إلى آخر. الخطّة الجديدة أثبتت فاعليتها، وأفلحت خلال ساعتين في تحقيق ما لم تنجح فيه "اتسل" في يومين. تمكّنت "اتسل" من احتلال الموقع الرئيسيّ للمدافعين عن مدينة يافا، عبر الجدران. وهكذا، نجحت في السيطرة على المدينة.


المأزق البريطاني.. ووثيقة الاستسلام

فجأة، استيقظ البريطانيون الموجودون في المدينة على مشهد وقوعها تحت سيطرة "اتسل". فوجّهوا تهديداَ الى "اتسل"، مفاده: "عودوا من حيث جئتم وإلا فسنبدأ بقصف تل أبيب". بيغين، من جانبه، أصدر تهديداً مضاداً: "احذروا، إذا قصفتم تل أبيب بقذيفةٍ واحدة، فسنقصف تجمّعات جنودكم في يافا". بدأ البريطانيون بالتقدّم نحو "اتسل" في يافا، قبل أن يلاحظوا امتلاك المنظمة الصهيونية لمضاداتٍ للدبابات. ما دفع بالبريطانيين إلى التراجع ولم يجرؤوا على التقدّم بعدها. فاكتفت القوات البريطانية بإطلاق من بُعد النار على قوّات "اتسل".
في المساء، ذهبت قيادة الجيش البريطاني إلى رئيس بلدية تل أبيب يسرائيل روكح، وأبدت له رغبتها بوقف إطلاق النار، شرط مغادرة "اتسل" لمدينة يافا واستبدال عناصرها برجال "الهاغاناه". في البداية، رفضت "اتسل" العرض، لكن الضغوط التي مارستها "الهاغاناه" ورئيس بلدية تل أبيب عليها دفعتها إلى الموافقة على العرض.
في محصلة المواجهة، سقط ثلاثة وأربعون قتيلاً من صفوف "اتسل" خلال احتلال يافا. ثمانية من القتلى سقطوا بنيران الجيش البريطاني. فلسطينياً، ومن مجموع خمسة وثمانين ألف فلسطينيّ كانوا يقطنون في يافا، تبقى فقط ثلاثة آلاف شخص، بينما تم تهجير البقية قسراً، وصاروا يشكلون اليوم نسبة 15 في المئة من تعداد اللاجئين الفلسطينيين في دول الشتات. من بقي في يافا من أهلها، أُجبر على توقيع وثيقة استسلام.
خلال احتلال يافا، تضرّرت بيوت كثيرة، وجزءٌ منها دُمّر بالكامل. البيوت التي هجرها غالبية أهلها، حلّ فيها مكانهم مستوطنون يهود. وتم إعلان المدينة منطقة عسكرية مغلقة، فبقيت منازل كثيرة بلا سكّان. في شهر حزيران /يونيو 1948، ومع الإعلان عن إنشاء إسرائيل، دخل المدينة جنودٌ وضباطٌ مع أسرهم، واحتلوا أجمل منازلها. بعدها، وصلت "الهجرة اليهودية الكبرى" التي رفعت عدد اليهود من 650.000 ألف نسمة إلى 1.300.000، جزءٌ من هؤلاء تم إسكانه في البيوت المدمرة التي تم إصلاحها أو تلك التي تم بناؤها في يافا. ومع مرور الوقت، تمّ تدمير ما تبقى من منازل خالية بالتدريج. شُيّدت مكانها عمارات سكنية، وتمّ إسكان عدد كبير من الأسر البلغارية في تلك العمارات التي أُطلق عليها لاحقاً اسم "يافا الجديدة".
في شهر نيسان /أبريل 1950، أعلن رسميا إلغاء بلدية يافا، وضمّتها تل أبيب لسلطتها تحت بلديةٍ واحدة تسمى "تل أبيب - يافا"، شرّعت تهويد المكان فغيرت أسماء الشوارع، وأطلقت عليها أسماء قادة الحركة الصهيونية بدلاً من الأرقام التي كانت تطلق على الشوارع في يافا قبل احتلالها. كما أدخلت تغيّرات كبرى على الطراز المعماري للمدينة بهدف القضاء على طابعها العربيّ، عبر هدم جزء كبير من المباني القديمة.
منذ ثلاثين عاماً، تشهد الأحياء التي يقطنها الفلسطينيون في المدنية عملية تهويد بطيء، تزايدت وتيرته خلال الأعوام الأخيرة. تعتمد هذه العملية على إقامة مشاريع سكنية، مخصّصة لليهود فقط، لتغيير الطابع الديموغرافي للأحياء الفلسطينية الباقية، التي تجاوز عدد سكانها الـ16 ألف نسمة من أصل 46.500 ألف نسمة يقطنون المدينة، بحسب معطيات أتاحتها إسرائيل في العام 2008.